ملخص
يراهن دونالد ترمب على استخدام القوة العسكرية السريعة لإظهار الحسم وتعزيز شعبيته الداخلية، رغم تعارض ذلك مع صورته المعلنة بوصفه “رئيس السلام”. تبين التجارب الأميركية أن المكاسب السياسية للتدخلات العسكرية موقتة، وأن الفشل أو التورط الطويل يحول "استعراض القوة" إلى عبء يهدد مستقبل الرئيس السياسي.
يريد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن يُنظر إليه على أنه الزعيم الأميركي الذي ينهي الحروب، أو "رئيس السلام" كما يصف نفسه. فقد خاض حملته الانتخابية عام 2016 باعتباره شخصاً سيضع حداً للتورط الأميركي المستمر في الخارج، وخلال عامي 2020 و2024 بوصفه واحداً من القادة الأميركيين المعاصرين القلائل الذين لم يبدأوا صراعاً. إلا أن سلوك ترمب خلال العام الماضي اتسم بنزعة صقورية واضحة. ففي غضون الشهرين الماضيين فحسب، قصف دولتين وأغرق عدداً من السفن داخل منطقة الكاريبي. وهو الآن يحشد القوات البحرية الأميركية قرب إيران، التي هاجمها خلال يونيو (حزيران) 2025. وفي الثالث من يناير (كانون الثاني) الماضي، أعطى توجيهاته للقوات الأميركية بالتحليق إلى كاراكاس في جنح الليل، واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما إلى مدينة نيويورك لمواجهة اتهامات جنائية.
ولا تزال التداعيات السياسية الداخلية لتحول ترمب نحو استخدام القوة العسكرية غير واضحة بعد. فإجراءاته داخل فنزويلا، على سبيل المثال، أثارت إدانات من الديمقراطيين، وكذلك من بعض الجمهوريين الذين رحبوا بوعد ترمب بتجنب الحروب الخارجية. وتشير استطلاعات الرأي التي أُجريت قبل الهجوم على فنزويلا وبعده بفترة وجيزة إلى أن أقل من 40 في المئة من الأميركيين رأوا أن هذه الخطوة كانت فكرة جيدة، غير أن هذا لا يعني أيضاً أن الناخبين ينتقدون القرار بغالبية ساحقة. فقد أظهر استطلاع أجرته "رويترز"، على سبيل المثال، أن الأميركيين كانوا منقسمين بالتساوي تقريباً بين مؤيدين للهجوم ومعارضين له، وآخرين غير متأكدين.
ومع ذلك، يمنحنا التاريخ ما يساعد على توقع كيف ستنعكس عملية فنزويلا ومغامرات ترمب الخارجية الأخرى على السياسة الأميركية، وعلى تشكيل إرث الرئيس. فالتدخلات التي تجعل الرؤساء الأميركيين يبدون أقوياء تميل إلى تعزيز شعبية الإدارة في الداخل، حتى ضمن الحالات التي يشكك فيها الناخبون في جدوى تلك الإجراءات بحد ذاتها. وعلى النقيض من ذلك، عندما تجعل التدخلات العسكرية البيت الأبيض يبدو ضعيفاً ومتهوراً، فإنها تميل إلى الإضرار به. وغالباً ما تتحول العمليات المتقنة والقصيرة، إذا حققت أهدافها، إلى مكاسب سياسية، في حين تتحول العمليات التي تطول وتتكبد خسائر من دون تحقيق الأهداف الأساس إلى أعباء.
وبالنسبة إلى ترمب، ستتوقف التداعيات الداخلية لأفعاله على ما سيحدث لاحقاً في فنزويلا وخارجها. فإذا توقفت واشنطن عند هذا الحد وامتثلت الحكومة الجديدة لمطالبها، فقد يفيده اعتقال مادورو سياسياً. وإذا جاءت تدخلاته المقبلة بالسرعة والنجاح نفسيهما، فقد تصب في مصلحته أيضاً. لكن الغزو والضربات تبقى رهانات خطرة، وقد يدفعه نجاح كاراكاس إلى عمليات أكبر وأكثر تعقيداً. وإذا فعل ذلك، فقد ينقلب الأميركيون ضد هذه العمليات وضد ترمب نفسه. إنها حقيقة اكتشفها معظم الرؤساء الأميركيين خلال العصر الحديث، في مرحلة أو أثناء أخرى.
الصدمة والترويع
كثيراً ما يزعم محللو السياسة داخل الولايات المتحدة أن الناخبين العاديين لا يولون السياسة الخارجية اهتماماً كبيراً. لكن الباحثين وجدوا أن الأميركيين لديهم بالفعل آراء في شأن النزاعات العسكرية، وأن الرأي العام يميل إلى اتباع بعض الأنماط الثابتة. فالأميركيون، على سبيل المثال، أكثر ميلاً لتأييد استخدام القوة عندما يكون الهدف منها وقف العدوان بين الدول، كما كانت الحال في حرب الخليج خلال 1990-1991، حين دفع تحالف من الدول بقيادة الولايات المتحدة القوات العراقية إلى الخروج من الكويت. وعلى النقيض من ذلك، يميل الناخبون إلى التشكيك في الحروب التي يكون هدفها تغيير الأنظمة السياسية داخل دول أخرى. وهم أقل دعماً للتدخلات التي تشنها واشنطن بمفردها، من دون أية صورة من صور التعاون أو الموافقة الدولية. ويزداد ارتيابهم عندما يدخل رئيس ما في صراع من دون تفويض من الكونغرس، أو عندما تنقسم النخب السياسية حول ما تراه صائباً.
لكن الطرق التي يقيم بها الأميركيون جدوى التدخلات العسكرية ليست سوى جزء واحد من كيفية تأثير هذه الأحداث في السياسة الرئاسية. ففي كثير من الحالات، يكون السؤال الأهم هو كيف تؤثر التدخلات العسكرية في الصورة الشخصية للرؤساء، وخصوصاً، ما إذا كانت تجعلهم يبدون قادة أقوياء. ويعد تدخل الرئيس بيل كلينتون في البوسنة عام 1995 مثالاً واضحاً على ذلك. فقد أظهرت استطلاعات الرأي باستمرار أن أقلية من الناخبين كانت تؤيد استخدام القوة العسكرية لوقف الفظائع الصربية في البوسنة. لكن مستشار كلينتون، ديك موريس، كان يعتقد أن القيام بذلك سيفيد الرئيس على أية حال، لأنه سيظهره بمظهر القائد القوي. وروى مساعد آخر لكلينتون، جورج ستيفانوبولوس، لاحقاً أن موريس قال لكلينتون صراحة إنه يجب عليه "قصف صربيا بلا هوادة ليبدو قوياً". وقد استجاب كلينتون لذلك، فضرب البلاد وأرسل آلاف الجنود الأميركيين إلى هناك. واتضح أن موريس كان محقاً: فقد ارتفعت نسبة تأييد الرئيس. ووفقاً للصحافي بوب وودوارد، فكر كلينتون لاحقاً في ما حدث بنوع من الاستغراب والتأمل، ولاحظ أن "التأييد الشعبي لسياسته الخارجية ارتفع، ولم ينخفض، بعدما أمر بنشر القوات في البوسنة، على رغم أن 60 في المئة من الشعب كانوا يعارضون هذا القرار". وأضاف وودوارد أن هذه الحادثة دفعت كلينتون إلى استنتاج أن "الصرامة والحسم كانا موضع تقدير حتى وإن اختلف الناس" مع جوهر خياراته.
غير أن ظهور الرؤساء بمظهر القوة يتطلب أكثر من مجرد شن هجوم. يجب أن يحقق الهجوم أهدافه. وبالنسبة إلى كلينتون، حققت الضربات على البوسنة ذلك فعلاً، إذ أجبرت المقاتلين الصرب على الانسحاب من مدينة سراييفو. وحقق الرئيس رونالد ريغان نجاحاً مماثلاً في غزوه لغرينادا عام 1983، الذي أطاح بمجلس عسكري كان قد أسقط رئيس وزراء البلاد وأعدمه حديثاً. وكانت الرهانات السياسية في تلك الحالة منخفضة، فالغالبية العظمى من الأميركيين على الأرجح لم يكونوا قد سمعوا بغرينادا قبل غزو الولايات المتحدة لها. في المقابل، كانت الأخطار مرتفعة، إذ كان مئات الأميركيين يدرسون الطب في الجزيرة، وكان بإمكان النظام في غرينادا احتجازهم كرهائن بسهولة. وكان تنفيذ هذه المهمة فوضوياً إلى درجة دفعت الكونغرس لاحقاً إلى إعادة هيكلة وزارة الدفاع لضمان تعاون أفضل بين فروع القوات المسلحة المختلفة. لكن جيش غرينادا كان هدفاً صغيراً وضعيفاً، لدرجة أن الولايات المتحدة هزمته هزيمة ساحقة على أية حال. وارتفعت شعبية ريغان بعد ذلك. في الواقع، يُعتقد عموماً أن نجاح الولايات المتحدة هناك أسهم في استعادة ثقة الأميركيين في قدرة بلادهم على استخدام القوة العسكرية بعد حرب فيتنام.
يمتلك الرؤساء عادة أفضل أوراقهم السياسية في بداية الحروب
لكن كثيراً من التدخلات العسكرية الأخرى طال أمدها وانتهت بصورة سيئة، مما أضر بالصورة الشخصية للرؤساء. ويشمل ذلك تدخلاً آخر في عهد كلينتون. فقد أمر الرئيس بإرسال قوات أميركية إلى الصومال خلال أغسطس (آب) 1993 لاعتقال زعيم تحالف الصوماليين الوطنيين، ميليشيات كانت تمنع الولايات المتحدة من إيصال مساعدات غذائية كان من شأنها أن تدرأ مجاعة البلاد. لكن واشنطن فشلت، وخلال العمليات، قتلت الميليشيات الصومالية 19 جندياً أميركياً في مقديشو. ونتيجة لذلك، انهار الدعم الأميركي للتدخل في الصومال، وتراجعت نسب تأييد كلينتون. ولم تكن المشكلة بالنسبة إلى كلينتون في عدد الضحايا الأميركيين، الذي كان مماثلاً لما تكبدته الولايات المتحدة داخل غرينادا وفي غزو بنما الناجح عام 1989 في عهد الرئيس الأميركي جورج بوش الأب، بل في أن الحرب كانت غير ناجحة. وتتوافق هذه الأحداث مع دراسات أوسع نطاقاً تظهر أن الأميركيين مستعدون لتحمل كلف باهظة في خوض حروب خارجية، طالما بدا أن هذه الحروب تحقق أهدافاً مهمة.
وتوفر الحرب داخل أفغانستان أحدث مثال بارز على ذلك. فقد تكبد الجيش الأميركي خسائر قليلة جداً في أفغانستان بعدما أنهى الرئيس باراك أوباما مهمة القتال الأميركية هناك عام 2014، أي بعد 13 عاماً من الغزو الأميركي الأولي. لكن التدخل الأميركي لم ينته عند هذا الحد، واستمر الصراع من دون أي حل في الأفق. وهكذا أصبح عبئاً سياسياً ثقيلاً لم يستطع أي رئيس تداركه. وعلى رغم أن أوباما وترمب، خلال ولايته الأولى، تعرضا لانتقادات بسبب استمرارهما في الصراع، فإن رد فعل الأميركيين كان أشد قسوة عندما سحب الرئيس جو بايدن القوات عام 2021. فربما رأت غالبية الناخبين حينذاك أن قرار الانسحاب كان صائباً، لكن مشهد مقاتلي "طالبان" وهم يقتحمون كابول، بينما كانت القوات الأميركية تفر، جعل بايدن يبدو ضعيفاً. وسرعان ما انخفضت شعبيته ولم تتعاف بعدها قط.
نشوة موقتة
غالباً ما تتغير السياسة المحيطة بالتدخلات العسكرية بمرور الوقت. فعادة ما يمتلك الرؤساء أفضل أوراقهم السياسية في بدايات الحروب، حين يلتف الأميركيون الوطنيون حول العلم، مثلما حدث خلال الأعوام الأولى من غزو أفغانستان. وتمثل بدايات الحروب أيضاً المرحلة التي يمتلك فيها البيت الأبيض أكبر قدرة على تشكيل الرأي العام، نظراً إلى امتلاك الرئيس منبراً مؤثراً يتيح له إيصال رسالته مباشرة إلى الجمهور، ولأن الصحافيين وجماعات المعارضة يحتاجون غالباً إلى وقت لجمع معلومات مستقلة وبناء سرديات نقدية. ويميل الأميركيون إلى الانبهار بالقوة الهائلة للجيش الأميركي، التي تتجلى بأوضح صورها خلال الأيام الأولى لأية عملية عسكرية. لكن مع مرور الوقت، تتلاشى هذه المزايا، وغالباً ما يتبعها تراجع في الدعم الشعبي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبعبارة أخرى، يشبه أثر التدخلات العسكرية في السياسة الرئاسية أثر مشروبات الطاقة عالية السكر. فعلى المدى القصير، يمكن أن تمنح دفعة موقتة مفيدة، لكنها على المدى الطويل قد تؤدي إلى انهيار. فقد استفاد الرئيس جورج دبليو بوش، على سبيل المثال، من غزو العراق عام 2003 أثناء حملة إعادة انتخابه عام 2004. إذ قارن بين تعهده بـ"الثبات على المسار" وبين دعوات جون كيري، المرشح الرئاسي الديمقراطي، إلى التوجه نحو الانسحاب، مما جعل كيري يبدو كشخص ضعيف ومتقلب لأنه كان صوت في الأصل لمصلحة تفويض الحرب. وكان بوش ومستشاروه يعتقدون أن هذا التباين كان أحد الأسباب الرئيسة لفوزه. ولكن بحلول منتصف الولاية الثانية لبوش، بات واضحاً لمعظم الأميركيين أن الحرب لا تسير في اتجاه إيجابي. وبدأت نسب تأييد الرئيس تتراجع بصورة مطردة مع سقوط مزيد من الجنود الأميركيين في صراع لا نهاية له. واستعاد الديمقراطيون السيطرة على الكونغرس عام 2006، ولم تتعاف مكانة بوش السياسية قط.
لذا، فإن استخدام القوة العسكرية لإظهار القوة ينطوي على فوائد وأخطار في آن، وما إذا كان هذا الخيار سيصب في مصلحة الرئيس في نهاية المطاف يعتمد على ما إذا كان التدخل يحقق أهدافه المعلنة بصورة حاسمة. وفي حالة فنزويلا، ليس من الواضح ما إذا كانت هذه الشروط ستتحقق. فقد وعد ترمب بالتخلص من مادورو، وقد حقق ذلك في استعراض مبهر للقوة العسكرية. لكن ترمب لمح أيضاً إلى طموحات أوسع، تشمل إعادة تشكيل حكومة فنزويلا واستخراج عائدات النفط، وهي أهداف يبدو تحقيقها أقل احتمالاً. علاوة على ذلك، هدد الرئيس بتوجيه ضربة جديدة إذا لم تمتثل كاراكاس للمطالب الأميركية، مما يشير إلى أن إدارته قد تتورط في صراع أكثر تعقيداً وطولاً قد لا يفضي إلى نتيجة حاسمة. وفي هذه الحالة، سيبدو ترمب ضعيفاً.
مع ذلك، لا يظهر ترمب أي اكتراث خلال الوقت الراهن، بل على العكس ازدادت جرأته. فإلى جانب تهديده حكومات أخرى في أميركا اللاتينية، نشر ترمب ما يسميه "أسطولاً ضخماً" في الخليج العربي، ويهدد بضرب إيران إذا لم توقف تخصيب اليورانيوم، وتتخلى عن برامجها الصاروخية المتقدمة، وتوقف دعمها للجماعات المسلحة. ومن السهل فهم سبب ثقة ترمب في أن هذا السلوك الاستعراضي الجريء سيحقق النتائج المرجوة. فعلى مدى خمسة أعوام في الحكم، بنى الرئيس سجلاً متنامياً من استخدام القوة الساحقة لتحقيق أهداف محدودة بطرق ربما أسهمت في تعزيز حظوظه السياسية: اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني عام 2020، وتقويض المفاعلات النووية الإيرانية عام 2025، والآن إطاحة الحكومة الفنزويلية. ومن المرجح أنه يستمتع بنشوة نجاح عملية فنزويلا.
ولكن لا يوجد ما يضمن أن التدخلات العسكرية المقبلة ستجري بالسرعة نفسها وبالكلفة المنخفضة ذاتها. وفي هذه الحالة، فلن يقتصر الأمر على تقويض ادعاء ترمب بأنه رئيس يعارض الحروب الاختيارية، بل قد يضحي أيضاً بسمعته كقائد قوي، التي كانت إحدى أهم نقاط قوته السياسية.
ترجمة عن "فورين أفيرز" الخامس من فبراير (شباط)، 2026
جيفري أ. فريدمان أستاذ مساعد داخل قسم الحكومة في كلية دارتموث ومؤلف كتاب "اختبار القائد الأعلى: الرأي العام وسياسات تشكيل الصورة في السياسة الخارجية الأميركية".