ملخص
تتكرر مشاعر الرفض لإخلاء المنازل من قبل أهالي الأحياء الشعبية في مدينة طرابلس شمال لبنان، على رغم السقوط المتلاحق للأبنية السكنية المتصدعة، ويعود ذلك إلى عدم وجود بدائل لائقة للسكن، فيما يشعر الطرابلسيون بوجود خطة جدة للعلاج، للمرة الأولى في تاريخ الملف.
العيش داخل منزل مهدد بالانهيار ليس مجرد سكن في جدران متشققة، بل هو إقامة دائمة على حافة الخوف. هو أن تنام وعينك نصف مفتوحة، تراقب السقف كما لو أنه خصم صامت قد ينقض عليك في أية لحظة. كل صوت مفاجئ يتحول إلى إنذار، وكل ارتجاف بسيط في الأرض يبدو وكأنه العد التنازلي لانتهاء كل شيء. لا يعود البيت ملاذاً، بل يصبح احتمالاً دائماً للموت.
في مثل هكذا مكان يتسلل القلق إلى تفاصيل الحياة اليومية: إلى فنجان القهوة المرتجف في اليد، إلى نظرة الأم نحو أطفالها وهي تتساءل إن كانت الليلة ستمر بسلام، إلى دعاء يهمس به قبل النوم ليس طلباً للراحة، بل طلباً للنجاة. العيش هنا ليس حياة كاملة، بل انتظار طويل ومؤلم لسقوط قد يحدث في أية لحظة، انتظار ينهش الأعصاب ويحول الأمان، أبسط حقوق الإنسان، إلى حلم بعيد.
"فراق المنزل صعب، ولا يقل إيلاماً عن فقد الأحبة، داخل جدرانه تجتمع الذكريات وتفاصيل الحياة" بهذه العفوية يتحدث الشاب إبراهيم الذي اضطر إلى إخلاء منزله الواقع في المبنى الملاصق لمبنى التبانة في مدينة طرابلس بشمال لبنان، إذ اضطر إلى الخروج برفقة العائلة المؤلفة من زوجة وأربعة أطفال، فيما يروي المواطن مايز أنه "منذ عقد من الزمن، اشتريت منزلاً حجرياً، وقمت بترميمه على نفقتي، ولكن اتضح حديثاً، ومن خلال الكشف الهندسي أن أساسات البناء ضعيفة وتحتاج إلى التدعيم"، مضيفاً "غادرنا المنزل للإقامة الموقتة لدى أحد الأنسباء، ولكن لم نشعر بالراحة بسبب انعدام الخصوصية، لذلك اضطررنا إلى المغادرة لمنزل أحد الأشقاء، إذ نعيش خوفاً من حالة التشرد والانتقال من منزل إلى آخر".
تعكس شهادات سكان المباني المخلاة مشاعر الخوف والحزن والقلق من المجهول.
مسح للأوجاع قبل المباني
تختصر واجهات المباني "الكئيبة" جلجلة مدينة طرابلس التي عايشت الحروب منذ نشأة لبنان، فالمدينة التي نجت من طوفان نهر أبو علي (الذي يعرف أيضاً بنهر قاديشا) في أواسط خمسينيات القرن الـ20، تحولت ساحة للحرب والصدامات في الحرب الأهلية اللبنانية التي بلغت أوجها مع قصف الجيش السوري للمدينة. ومع عودة السلم في 1990 بدأت سياسة النهوض في بيروت ولكن لم تبلغ مدينة طرابلس. استمرت المدينة بالعيش على وقع الأمجاد بوصفها ثاني أعظم مدينة مملوكية بعد العاصمة المصرية القاهرة، وتحولت في أعقاب اغتيال الرئيس رفيق الحريري في الـ14 من فبراير (شباط) 2005 إلى منصة للكباش بين أنصار النظام السوري السابق بقيادة بشار الأسد، وخصومه، وبلغت أوجها مع أحداث 7 مايو (أيار) 2008، وعودة خطوط التماس في المدينة بين منطقتي باب التبانة وجبل محسن. خاض المتصارعون أكثر من 20 جولة عنف، انهكت ما صمد من المباني والمرافق. بعد انتهاء حقبة الصدام الأهلي، لم تأتِ الدولة إلى المدينة إلا في ومضات عابرة، فيما انتشرت حالة الفوضى المدعومة من السياسيين والأحزاب، وشكلت الانتخابات مناسبة للبناء غير النظامي ومخالفة القواعد الهندسية.
اجتمعت عوامل التهميش والإهمال والتقصير، فأنتجت مواطناً متمرداً، وأبنية مثقلة بالمخالفات، لتنفجر أزمة الأبنية المتصدعة من بوابة القبة والتبانة (منطقتان شهدتا أخيراً سقوط مبنيين ومصرع 16 شخصاً).
تحرك الرأي العام، وأظهرت الحكومة الحالية شيئاً من الجدية، وبدأت الخطة لإخلاء 114 بناء مهددة بالانهيار في طرابلس. ولكن ما إن بدأت عمليات الإخلاء حتى ظهرت معالم "الرفض" لدى المواطنين، فكيف لهم أن يخلوا منازلهم التي ترعرعوا فيها، والتي بنوا تفاصيلها، والسؤال الحاضر دائماً "إلى أين نذهب؟".
التقت "اندبندنت عربية" مواطنين من أحياء مختلفة، تلقوا إنذارات بالإخلاء بسبب خطورة المكان.
هنا في منطقة القبة، نقف على شرفة إحدى الشقق المطلة على مبنى الرضوان الذي أدى انهياره إلى سقوط الضحيتين أحمد المير وشقيقته الممرضة أليسار. نتحدث إلى السيد غازي الرز وزوجته أم سليم، يتحدث الزوجان عن خوف شديد من سقوط الأسقف على رؤوسهم، ويقولان "في بعض الليالي، لا نكاد ننام، نفكر هل سيسقط السقف ويقتلنا؟ فقد سبق لأجزاء كبيرة منه أن سقطت علينا سابقاً".
يرشدنا السيد غازي إلى مصدر الخطر، فالسقوف كلها متهالكة، وتتفكك بسرعة شديدة، إذ يظهر الحديد وتتسرب المياه. تشير السيدة عن "حالة من الخوف تسيطر على النفوس"، و"لكن على رغم ذلك، كيف لنا أن نخلي؟ إلى أين نذهب؟ ليس هناك من بديل"... تقول والخوف يتملكها.
نتجه نحو منطقة باب الحديد، التي تقع على مقربة من قلعة طرابلس، ندخل في الأحياء الجانبية، للقاء السيد أحمد مالك أحد المنازل التراثية التي تلقت مثل باقي أبنية الحي إنذاراً بالإخلاء. في الطريق، نصادف بعض الأشياء التي تسبب خللاً في بنية الأبنية، فداخل أحد المخازن التراثية، يوجد مولد ضخم للكهرباء، وفي الحي تكثر مخالفات البناء، والإضافات على الأبنية الحجرية القديمة.
ما تكشفه الأحياء الجانبية
يصحبنا الشاب إلى منزله عبر درج حجري قديم، تآكلت أجزاؤه بفعل مرور الزمن. تتساقط قطرات المياه من السقف، وتنبت الأعشاب من الجدران، إلا أن الأخطر كان في الشقوف العامودية التي تظهر ما خلفها. يدرك أهالي البناء أنهم يعيشون في بيئة خطرة، ولكنهم مجبرون على البقاء بسبب عدم وجود بديل. يحدثنا أحمد وزوجته عن الحياة في منزلهما، فهي "ليست الحياة المثالية، ولكن اعتدنا عليها، فهذا المنزل يؤوينا ويسترنا"، "ورثته عن والدي، ولم أقضِ ليلة واحدة في مكان غيره منذ أكثر من أربعة عقود".
لا يؤمن المنزل ظروف الاستقرار، إذ تتحول الليالي الماطرة إلى كابوس، إذ تضطر العائلة إلى الانتقال بين الغرف لقضاء منامتها، وتلجأ إلى المواعين لتجميع المياه المنهمرة من الأسقف. يتحدث أحمد عن محاولات متكررة لتصليح المنزل، ولكنه بيت تراثي قديم، ويحتاج إلى أدوات للترميم تفوق قدرة العائلة الفقيرة، "ليس لرجل مياوم تأمين آلاف الدولارات لصيانة منزل أثري".
يقف أحمد وزوجته وابنته أمام النافذة التي تشرف على أحد المباني التي سقطت في منطقة ضهر المغر، ويتحدثون عن الخشية من تكرار المشهد في أنحاء مختلفة من طرابلس، إذ يكشف، "جاءتنا القوى الأمنية وأنذرتنا بالمغادرة، ووقعنا، ولكن لا يمكننا إخلاء المنازل من دون وجود بديل، ومن دون ضمان العودة إلى المنزل".
في التبانة تتكرر مشاعر الخوف نفسها من المجهول لدى أبناء المباني التي أخلتها القوى الأمنية والبلدية. يطالعنا إسماعيل بفيض المشاعر المضطربة، إذ يرتبط المكان الذي يسكنه بلحظات من الهلع، وخسارة كبيرة للأهل والجيران، ولكن البديل سيكون الشارع، خصوصاً أنه من التابعية السورية، مستذكراً "نعيش في البناء الملاصق لذاك الذي انهار، عندما سقط، عاشت العائلة حالة أشبه بالزلزال، حيث اهتز المبنى وكاد يقع". ويعبر الأهالي عن رفضهم من العيش في مراكز الإيواء المعروضة عليهم، "كيف لعائلة مؤلفة من خمسة أفراد أن تعيش في غرفة ضمن مركز إيواء، وأن نتشارك المرافق الصحية مع عشرات العائلات، من دون أي مراعاة للخصوصية"، يقول سامر الذي يأسف إلى "تحول العشرات إلى لاجئين ضمن مدينتهم، ومعرضين لجميع صور الابتزاز من تجار الأزمات والخوف كل الخوف من ارتفاع الإيجارات بغية استغلال الفرصة".
أما في سوق الذهب، أحد أحياء طرابلس القديمة، تتآكل المنازل بفعل عدم تأهيل المساكن، وعقود الإيجارات القديمة، نرافق إحدى السيدات إلى منزل العائلة المؤجر لقاء 380 ألف ليرة سنوياً، أي 4 دولارات أميركية، وهي ترفض قبضها منذ سنوات، متسائلة "كيف لي أن أرمم هذا المنزل، وأنا لا تنصفني دولتي؟ هي التي عاملت لسنوات طويلة المالك القديم وكأنه نكرة"، معترفة بأن "المنازل في حالتها الحالية غير صالحة للسكن". ويعكس هذا الموقف مشهداً من المشاهد التي تسببت في إنهاك النسيج العمراني، وسقوط المباني، بفعل مستأجر فقير مقصر بحق المأجور، ومالك فقير غير مُبالٍ بحال العقارات، وهو ما يحيل كثيراً من المباني إلى شبه مهجورة، ويعرضها للسقوط الحر المفاجئ.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مشاعر متناقضة
يرتبط أبناء مدينة طرابلس بعلاقة وجدانياً بأحيائهم، إذ يتفاخر هؤلاء بالانتماء إلى هذا الحي أو ذاك، وهذا يعكس جزءاً من حالة الرفض التي يعلنها كثيرون.
تعكس الشهادات الحالة النفسية المكتسبة من تجارب الأشخاص المطلوب منهم إخلاء منازلهم، التي تشكل مصدر الأمان ومخزن الذكريات.
تحاول الخبيرة النفسية فاطمة عرابي تفسير ردود الفعل المتناقضة للأفراد في هذه المحنة، وتنطلق من أن "البيت يشكل الملاذ الآمن، ومهما تعرضت البلاد إلى أزمات، هناك سيقف يؤوي العائلة، ويحمي الخصوصية"، وتسلط الضوء على أن "أكثر ما يلفت الأنظار هو رفض كبار السن لمغادرة منازلهم، وهو قد يكون مبرراً ربما بفعل الصدمات المتكررة التي يعيشها هؤلاء عبر السنين، سواء اتخذت شكل هزات وزلازل أو حروب".
وتعتقد عرابي أنهم "يعيشون حالة تلبد بالمشاعر، وهو استقرار سلبي للمشاعر، بالتالي لم يعد شيء يحزنهم، أو يؤثر فيهم، وبلغ فيهم الأمر إلى التعايش مع مشاعر الموت، فهم يختبرونه على الطرقات، وداخل المنازل، وعلى أبواب المستشفيات والحروب المتعاقبة"، فيما يجد هؤلاء أنفسهم بين خيارين إما حالة من الأمان القليل ريثما تسقط السقوف، وإما أمام مستقبل مجهول وإقامة في الشارع بفعل عدم وجود سياسة واضحة المعالم لتأمين البدائل التي تحترم كرامة وخصوصية الأفراد"، من هنا، "قد يفضل الأفراد حالة الأمان الحاضرة، لأن لديهم شعوراً باطنياً بأن الموت يحيط بهم من كل جانب في هذا البلد".
وتشدد، "ما نصادفه من ردود فعل هو مستغرب بالنسبة إلى كثيرين، ولكنه نتيجة مفهومة بفعل الظروف التي يعيشون فيها، ونتيجة الوعي الجمعي في لبنان الذي ينعكس استسلاماً للمصير بفعل الهزات والأزمات، والحروب المتواصلة". وتشدد عرابي على حاجة الأفراد الذين يعيشون في منازل مهددة بالانهيار إلى دعم نفسي مستقبلي، وتحديداً لهؤلاء الذين يتعرض أقاربهم للضرر أو الموت بظرف مشابه، إذ سترتفع مشاعر الاكتئاب والاستسلام السلبي، وسوداوية في المشاعر، التي قد تدفع البعض إلى الانتحار، وتؤكد "هذا ليس من قبيل التهويل، وإنما هو تحذير من سقوط شريحة من الناس في شرك الاكتئاب".
الجدران الحانية
في أعقاب سقوط مبنى حي المهجرين في التبانة قبل أيام، الذي تسبب بسقوط 14 ضحية، و10 ناجين. تسارعت الخطى نحو تنفيذ خطة العلاج لأزمة المباني المتهالكة. يكشف مصطفى فخر الدين رئيس لجنة الهندسة في مجلس بلدية طرابلس عن إخلاء تسعة مبانٍ حتى الآن، والتوجه لإخلاء 11 مبنى أخرى خلال اليومين المقبلين. ويتحدث عن بدء علاج مشكلة عمرها أكثر من ثلاثة عقود، مشيراً إلى توفير أماكن إيواء موقتة، إذ تتلقى العائلات خلال مدة 48 ساعة بدلات الإيواء المالية من قبل الهيئة العليا للإغاثة بغية تأمين مأجور بديل.
ويوضح، "هناك ثمانية مهندسين متطوعين حالياً يقومون بأعمال الكشف على منازل طرابلس المهددة بالتعاون مع نقابة المهندسين في الشمال، وهناك حاجة لموظفين مهندسين في كادر البلدية". في المقابل يتطرق إلى العمل الحثيث على توحيد الداتا بين بلدية طرابلس، ونقابة المهندسين، ومحافظة الشمال، والمديرية العامة للآثار، والصليب الأحمر اللبناني الذي له دور كبير في تشغيل الخط الساخن. ويلفت فخر الدين أن "الخط الساخن لا يعني تبادل الحديث، وإنما لا بد من إرسال الصور، وتحديد رقم العقار، والقاطنين في البناء، وتوضيح حالته من أجل ممنح الأولوية للكشف"، معلناً "وجود لائحة من 900 مبنى يفترض الكشف عليها، إذ تضع اللجنة قائمة تسلسلية بالكشف على ضوء حالة البناء".
يؤكد فخر الدين أن "تنفيذ الخطة رهن التمويل، وهو ما عمل عليه رئيس الحكومة نواف سلام الذي دعا الهيئة العليا للإغاثة للعمل ميدانياً للتدعيم الذين قد يحتاج إلى فترة تراوح ما بين أسبوعين وشهرين على ضوء حالة البناء"، إذ "تهدف الخطة إلى إعادة الناس إلى منازلهم التي تشكل الملاذ الآمن، ولكن هناك حاجة لاستدراك الأخطار الناجمة عن عشرات السنين من الإهمال وعدم الصيانة".
خطة شاملة بين البلديات والحكومة
يتطرق رئيس اتحاد بلديات الفيحاء وائل زمرلي لعلاج ملف الأبنية المتصدعة في لبنان الذي يتطلب "تمويل الحلول"، ويقول "هناك تعهد من سلام بتأمين التمويل من خلال الموازنة، وانتقلنا من التفتيش عن الحلول إلى عملية إدارة الأزمة، والذي يتطلب جدية في التعاطي وإحاطة للملف من قبل البلديات. يتخوف زمرلي من انتشار هاجس "أزمة الأبنية المتصدعة في مختلف الأراضي اللبنانية وسط مخاوف من تكرار سقوط الأبنية في أماكن مختلفة، مما يتطلب إخلاءها سريعاً".
يدعو المهندس زمرلي الناس للاستجابة مع خطط الطوارئ، والانتقال إلى مراكز الإيواء الموقتة، إذ "لن تتجاوز فترة الإقامة فيها أكثر من يومين إلى أسبوع كحد أقصى ريثما يجد مسكن بديل"، مؤكداً ضرورة مراقبة عمليات التأجير وكبح محاولات الاستثمار في الأزمة واستغلال حاجة المواطنين، إذ يفترض أن تراقب البلدية تلك العقود، وأن تكون ضمن المتعارف عليه ضمن مدينة طرابلس والمحيط.
الحفاظ على النسيج
تزداد المخاوف من إفراغ مناطق بأكملها في طرابلس وتغيير النسيج الاقتصادي والاجتماعي لبعض الأحياء في المدينة، وتحديداً تلك ذات الطابع التراثي والقديم، لأنها الأكثر تضرراً من الإهمال وأزمة السكن. ويعتقد المدافعون فن حق السكن ضرورة وضع أولويات لأي خطة من خلال الحفاظ على النسيج الاجتماعي، وعودة الناس لمنازلهم.
وتلفت الباحثة عبير سقسوق إلى أن "الكارثة في طرابلس ليست مشكلة تقنية كما يحاول البعض تصويرها، وهي ليست مجرد خلل لما تعالجه البلدية، وإنما هي نتيجة خلل بنيوي في نظام الحكم والسياسات المتبعة من قبل السلطة في لبنان، التي أدت إلى تدهور البيئة المبنية في لبنان وطرابلس تحديداً"، مشيرة إلى "عدم وجود أُطر قانونية تسمح للسلطات المحلية بالتدخل لترميم البيئة المبنية والمباني السكنية، لأن قانون البناء ومرسوم السلامة العامة، يحدان صلاحيات الترميم ويضعونها على عاتق المالك، وفي حال عدم قدرته تتدخل البلدية لإرسال إنذار إخلاء وهدم المبنى، بالتالي هناك غياب برامج واضحة لترميم الأحياء السكنية المتدهورة في مختلف المناطق.
تطالب سقسوق بـ"الإعلان الشفاف عن نتائج المسح الذي تقوم بها الجهات الرسمية راهناً في طرابلس، وضمان حق الناس وكرامتها عند عملية الإخلاء، وإطلاع الناس على الحالة الحقيقية للمبنى الذي يتم إخلاؤه، ومنحهم وقتاً كافياً لتجميع الأغراض الخاصة والضرورية، وليس مداهمتهم وإجبارهم على المغادرة".
وتتحدث عن درجات مختلفة من الانهيارات طاولت أحياءً محددة في طرابلس في التبانة والقبة وضهر المغر، البعض منها كان كلياً، ولكن هناك انهيارات لأجزاء من الأبنية، وعليه "فإن الإخلاءات الواسعة من دون ضمان آليات الترميم والعودة، يشكل تهديداً حقيقياً لنسيج هذه الأحياء، ويخلق خللاً في التركيبة الاجتماعية للمنطقة"، مطالبة بـ"إعادة ترميم كاملة لهذه الأحياء، ومراعاة تركيبتها الاجتماعية والاقتصادية، والمحافظة على مكوناتها، وعدم تكرار بعض التجارب السابقة لعمليات الترميم التي تؤدي إلى ارتفاع كبير في بدلات الإيجار على غرار ما حصل في المنطقة المحيطة بمرفأ بيروت (عام 2020)".
التأخير "المميت"
تكررت حوادث سقوط الأبنية السكنية المتصدعة في طرابلس اللبنانية من دون أن أي علاج جدي، وأدى التأخير في بت تلك الخطط إلى "منح المواطنين شعوراً كاذباً بالأمان" وتقليل من خطر السقوط الذي أصبح حقيقة الآن. في الـ26 من يونيو (حزيران) 2022، سقط مبنى "النشار" في منطقة ضهر المغر أحد الأحياء الشعبية الفقيرة في المدينة، لم تلقَ الحادثة اهتماماً حقيقياً، إذ غابت السلطات الرسمية مع إطفاء الكاميرات وأجهزة البث المباشر. وكانت "اندبندنت عربية" قابلت حينها رئيس البلدية السابق رياض يمق، الذي كشف عن مجموعة كتب أرسلتها البلدية إلى وزارة الداخلية التي كان يشغلها الوزير بسام مولوي (من مدينة طرابلس) في ظل الحكومة التي ترأسها الرئيس نجيب ميقاتي (من مدينة طرابلس أيضاً) في عهد الرئيس العماد ميشال عون، إذ طلبت البلدية من الحكومة المساعدة في إنشاء حوائط دعم لقائمة من العقارات المهددة في المدينة.
لم تقر الحكومة اللبنانية هذا الطلب العاجل، وإنما قام مجلس الوزراء بتاريخ الـ24 من يناير (كانون الثاني) 2022 "تأليف لجنة برئاسة وزير الداخلية والبلديات وعضوية وزير العدل، ووزير الأشغال العامة والنقل، ووزير المالية، وزير الثقافة ووزير الصناعة لدراسة أوضاع الأبنية المتداعية والمتصدعة في كامل الأراضي اللبنانية".
تشير الوثائق إلى توجيه رياض يمق رئيس البلدية السابق كتاباً إلى وزارة الداخلية في الـ20 من يناير 2022 لطلب تأمين التمويل اللازم لتدعيم الأبنية المتصدعة ذات الطبيعة الباطونية والأثرية في مدينة طرابلس، والتي تشكل خطراً على السلامة العامة. قام وزير الداخلية برفع الكتاب إلى مجلس الوزراء في الـ18 من مارس (آذار) 2022، من دون ننتيجة. وأعاد رئيس البلدية إرسال كتاب جديد بهذا الشأن في الـ26 من مايو 2022، متضمناً نتيجة المسح الذي أظهر وجود 236 عقاراً تقطنها عائلات فقيرة، وقدرت البلدية كلفة التدعيم والترميم بـ20 مليار ليرة لبنانية. وأحال وزير الداخلية الكتاب الجديد إلى مجلس الوزراء بتاريخ الـ12 من يونيو (حزيران) 2022. وتعد هذه الأبنية جزءاً من 714 مبنى مهددة بالحد الأدنى في طرابلس، و114 مبنى بحالة خطرة، وأكثر من 600 مبنى تحتاج إلى تدعيم وترميم، بحسب تصريح عبدالحميد كريمة رئيس بلدية طرابلس.
وقد ضمت القوائم التي وضعتها البلدية في 2021، واطلعت عليها "اندبندنت عربية" توصيفاً لحالة المباني، بين سيئ، وسيئ جداً، وتشققات في الأساسات، وأسقف آيلة للسقوط في مناطق زيتون طرابلس وبساتين طرابلس والحدادين والتل والسويقة والتبانة والنوري والحديد والزاهرية.
لكن جميع الكتب التي أرسلت والمطالبات التي رفعت ارتطمت بشح الموارد والانهيار المالي والاقتصادي في البلاد وحالة العجز في الموازنة وعدم وجود طرابلس ضمن قائمة أولويات الحكومات اللبنانية المتعاقبة في حين من الدهر.