Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أماكن المحبين في مصر "منزوعة الرومانسية"

الحدائق والكازينوهات وشاطئ النيل رموز الزمن الجميل والكافيهات وترشيحات البلوغرز أولوية للجيل الجديد

كان للنيل حضور بشكل آخرفي عيد الحب (غيتي)

ملخص

تغير شكل التعبير عن الحب واختلفت مفرداته، واختلفت الأغاني والهدايا المعبرة عنه، وطاول التغيير أيضاً الوجهات التي تحظى بشهرة في ما يتعلق بلقاءات الحب في مصر نتيجة لاختلافات كثيرة طرأت على المجتمع.

الورود، الشموع، النيل، والطبيعة مفردات كانت دائماً مرتبطة بالرومانسية داخل مصر وتمثل ملامح رئيسة من أي مكان يمثل وجهة للمحبين على مدار زمن طويل، ولأن دوام الحال من المحال فمع اختلاف الأجيال تغيرت الوجهات واختلفت التفضيلات وحتى مفهوم الحب نفسه أصبح له طابع مختلف .

فكما تغير شكل التعبير عن الحب واختلفت مفرداته، تغيرت الأغاني والهدايا المعبرة عنه، وطاول التغيير أيضاً الوجهات التي تحظى بشهرة في ما يتعلق بلقاءات الحب نتيجة لاختلاف كثير من القيم داخل المجتمع، فبينما كان السائد خلال زمن مضى هو اختيار مكان تميزه الطبيعة والهدوء والأجواء الرومانسية، واختلف الواقع بشكل كبير خلال العصر الحالي، واختلفت معايير الاختيار ذاتها مع تغير مفهوم الرومانسية وما يروج له عنها في الدراما وعلى السوشيال ميديا.

سابقاً كان العشاق يلتقون في مكان عام غالباً غير مخصص لهذا الغرض، وكانت الحدائق العامة الشهيرة تمثل نقطة أساسية للمحبين وأشهرها حديقة الأسماك لما تتميز به من أجواء هادئة، وحديقة الأندلس التي كانت تعد من الأشهر داخل البلاد، الحديقتان لا تزالان قائمتين إلى الآن في القاهرة ولكنهما لا تحظيان بنفس المكانة لدى العشاق الذين هجروا الحدائق وانتقلوا إلى وجهات أخرى.

الخروج في لقاء رومانسي في واحد من المطاعم ولاحقاً الكافيهات التي انتشرت بشكل ملحوظ خلال الأعوام الأخيرة في طول البلاد وعرضها كان دائماً خياراً مطروحاً على مر الأعوام، وإن تغيرت طبيعة المكان ذاته، فسابقاً كان على الأغلب يجري اختياره وفقاً لمعايير معينة مثل الهدوء والجودة، أما حالياً فالشهرة والترند أصبحا عاملاً رئيساً في تفضيل موقع على آخر.

خلال الأعوام الأخيرة ظهرت أماكن ترتكز في دعايتها على السوشيال ميديا التي أصبحت غالباً أساس الاختيار على أنها مخصصة لتنظيم اللقاءات الرومانسية كباقات متعددة يختار الضيف منها من خلال عرض صور وفيديوهات رومانسية، وبعض هذه الأماكن يضم إلى جانب وجبات الطعام تزيين الطاولة بالشموع أو وضع الأحرف الأولى من أسماء المحبين وعمل ديكورات معينة، وأحياناً تقديم خدمة التصوير بواسطة مصور محترف أو استقدام عازف لمقطوعات موسيقية معينة، وكل هذا بالطبع نظير مقابل مادي كبير، ولكن القيمة هنا بالنسبة للبعض ليست في الوقت الذي سيمضيه الثنائي في مثل هذا المكان وإنما في الصور التي ستنشر لاحقاً على السوشيال ميديا للأجواء والمكان والطعام لتصبح مثل هذه التجربة رغبة لدى آخرين لتكرارها.

رومانسية الزمن الجميل

يمكن القول إن هناك تغيرات كبيرة على كافة المستويات شهدها المجتمع المصري خلال العقدين الآخرين، ولكن من تجارب الناس الحقيقية كيف كان شكل اللقاءات العاطفية، وأين كانوا يذهبون في لقاءات الحب، وما هي أشهر الأماكن التي كانت تحظى بأهمية وتعد علامات للقاءات المحبين؟

تحكي السيدة نوال حسن (70 سنة)، "منذ نحو 50 عاماً أثناء خطبتي قبل زواجنا كنا نتقابل بشكل دوري داخل عدة أماكن أبرزها كازينو النيل الذي كان قائماً خلال هذا الوقت بجوار كوبري قصر النيل، وحديقة المريلاند في مصر الجديدة أو نجلس داخل حديقة الأندلس، وكانت الخيارات وقتها محدودة وليست مثل الزمن الحالي وكانت الحياة أبسط بكثير، إذ لا يعتمد الناس على المظاهر ويحرصون على التوجه لأماكن فاخرة ويستنكرون النزهات البسيطة، فالمشي على الكورنيش مثلاً، كان خياراً أساسياً، فجمال المنظر كاف لإضفاء الطابع الرومانسي".

وتستكمل، "خلال الزمن الماضي لم يعرف الناس عيد الحب أو يحتفلون به، ولم يكن هناك مفهوم لهدايا الفلانتين أو الخروج في هذا اليوم الذي أصبح يثير أزمات حالياً، حينها كانت المشاعر أكثر صدقاً والعلاقات أكثر قوة والبساطة هي السائدة في كل شيء من أماكن اللقاء للهدايا لحفلات الزفاف وكل ما يتعلق بالأجواء الرومانسية".

 

ويقول إيهاب السيد (مهندس - 55 سنة)، "منذ نحو ثلاثة عقود كانت الرومانسية دائماً مرتبطة بالنيل في كل أنحاء البلاد وبالجلوس على الكورنيش ذاته أو أي مكان يطل على النهر، وداخل المحافظات الساحلية مثل الإسكندرية حيث أنتمي بالأساس كان البحر هو البديل، جزء من الأزمة حالياً أن النيل والبحر لم يعد أي منهما متاحاً مثل السابق وشغلته الإنشاءات والأماكن ذات التكلفة العالية لقطاع كبير من الناس".

ويوضح، أنه "من الأماكن الشهيرة التي ارتبطت بالعشاق سابقاً منطقة المقطم داخل القاهرة، فالجلوس في مناطقها المرتفعة والإطلالة من أعلى كان أمراً شائعاً، الآن لم يعد المقطم كما كان والإنشاءات غيرت من طابعه، وحتى وقت قريب كانت السينما من النزهات الرومانسية الشهيرة إلا أنه حالياً قل توجه الناس بشكل عام للسينمات لاعتبارات متعددة من بينها التكلفة العالية". ويضيف، "أري الجيل الجديد من المحبين يجلسون داخل أماكن تفتقر أحياناً لأي أجواء رومانسية، ولكن كل شيء من حولنا تغير وحتى مفهوم الحب ذاته، فلماذا سيبقى الحب على حاله".

بدورها تقول منى كامل (39 سنة)، "خلال العقد الأول من الألفية بدأ الانتشار الكبير للكافيهات والمولات التي أصبحت جزءاً من ثقافة الناس داخل مصر وأصبح الجلوس فيها أساسياً للمحبين إضافة لبعض الأماكن المفتوحة مثل حديقة الأزهر التي كانت من أشهر الأماكن الرومانسية في هذا الوقت، وكان كورنيش النيل لا يزال من الأماكن الأساسية، بخاصة داخل مناطق معينة تكون أكثر هدوءاً من غيرها".

غراميات السينما

السينما والدراما كانتا من أهم أدوات توثيق أشهر أماكن المحبين فعلى مدار أكثر من 100 عام من الأفلام الرومانسية ظهر داخل السينما كثير من الأماكن التي كانت تحظى بشهرة في زمنها باعتبارها علامة مميزة عند الحديث عن أماكن لقاءات الحب الشهيرة، فحفلت أفلام الأبيض والأسود بمشاهد متعددة للمساحات الخضراء المفتوحة التي ارتبطت بالمحبين مثل حديقة الأسماك لما تتميز به من طابع هادئ يناسب العشاق، وحدائق الحيوان والأورمان والأندلس، وكان شاطئ النيل حاضراً بقوة خلال هذا الزمن كوجهة رئيسة للعشاق.

رصد الأماكن الرومانسية ووجهات المحبين في السينما المصرية كان محل اهتمام مشروع بحثي بعنوان "غراميات السينما: قراءة في أماكن الترفيه داخل القاهرة خلال منتصف القرن العشرين"، ونفذته مدرسة خزانة للتراث.

توضح علياء نصار الباحثة في التراث الثقافي ومؤسسة مدرسة خزانة للتراث، "في هذا المشروع كان لدينا هدف لرصد الأماكن الرومانسية التي كانت وجهات أساسية ظهرت في أفلام السينما على مدار ثلاث مراحل بداية من الخمسينيات وحتى الآن، وخلال المرحلة الأولى التي شملت أفلام الخمسينيات والستينيات كان السائد فيها الأماكن البسيطة غير المكلفة، وعلى رأسها النيل سواء المشي على الكورنيش أو استقلال مركب شراعي بسيط، وعلى كورنيش النيل انتشر بعض المهن المرتبطة بهذه الأجواء الرومانسية مثل بائعي الورد وعقود الفُل إلى جانب بائعي المأكولات والمشروبات البسيطة".

 

وتقول أيضاً، "كان للنيل حضور بشكل آخر وهو الكازينوهات الشهيرة التي كانت وجهة أساسية لأبطال السينما ومن ثم للمحبين خلال هذا الوقت، فكان اللقاء داخل الكازينو سمة أساسية لعشاق هذا الزمن، ومن أشهرها كازينو قصر النيل الواقع بجوار الكوبري الشهير، وكازينو الشجرة، وكازينو الحمام بالقرب من الجيزة، لكن الكازينوهات الثلاثة لم يعد لها وجود حالياً ولكنها كانت علامة من علامات الرومانسية ووجهة رئيسة للمحبين على مدار أعوام، كما ظهرت في كثير من أفلام السينما. وكان للهرم حضور كبير في أفلام هذه الفترة سواء بالجلوس أمامه أو الدخول بالسيارة، فظهر في أكثر من فيلم رومانسي كمكان للقاء العشاق، وهناك أيضاً الحدائق الشهيرة فالطبيعة والأماكن المفتوحة كان لها ارتباط وثيق بأجواء الحب".

وتوضح أنه "خلال المرحلة اللاحقة من السينما، التي تبدأ في السبعينيات بدأ ظهور النوادي كوجهة للقاءات العاطفية بخاصة لدى المستوى الأعلى وظلت الحدائق والأماكن المفتوحة لها وجود كبير خلال هذه الفترة، وفي الأعوام الأخيرة داخل السينما والواقع على السواء هناك حال من الانفصال عن الطبيعة عند الناس بشكل عام، ومن بينها الأماكن التي يلتقي فيها المحبون، ولهذا أسباب متعددة من بينها قلة المساحات العامة مثل الحدائق التي كانت وجهة أساسية للقاءات الحب، وخفوت حضور النيل لأكثر من سبب من بينها أن أغلب كورنيش النيل حالياً تشغله المطاعم والكافيهات ذات التكلفة المرتفعة والمساحة المتاحة للمشي أو الجلوس أصبحت محدودة وانعكس هذا على المشهد الذي كان متعارف عليه بجلوس ثنائيات كثيرة من المحبين على الكورنيش".

رومانسية الأجيال الجديدة

عالم بطابع مختلف يسود حالياً وذائقة جديدة في كل شيء ومن بينه طبيعة علاقات الحب بكل مفرداتها، فكما كانت الأجيال السابقة تبرع في كتابة رسائل الحب الطويلة التي تفيض بالمشاعر، فإن الجيل الجديد يعد أن كتابة رسالة مكونة من عدة أسطر أمر عصيب، والشيء نفسه امتد إلى اختيارات الهدايا والأغاني الرومانسية وبالطبع طبيعة الأماكن التي تشهد لقاءات المحبين.

تقول جنى (21 سنة - طالبة في واحدة من الجامعات الخاصة)، "أغلب اللقاءات تكون في سلاسل الكافيهات العالمية التي تنتشر داخل أماكن متفرقة فهي خيار أساسي، بخاصة في الأماكن التي تضم مجمعات كبيرة للكافيهات باعتبار أن الخيارات تكون متعددة، في ذات الوقت فإن هناك كثيراً من الصفحات على السوشيال ميديا تقدم اقتراحات لأماكن تصلح للخروج قد تكون ذات أجواء متميزة وغير مألوفة تستحق التجربة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويشير زياد (23 سنة - حاصل على مؤهل في إدارة الأعمال)، إلى أن "الرومانسية لا يشترط أن ترتبط بالشكل التقليدي المنحصر في الشموع والورود والأجواء الخافتة الإضاءة مثلما ارتبطت في أذهان الناس. كثيراً ما أصطحب صديقتي في جولة بدراجاتي البخارية وأحياناً نتناول مشروباً من أحد العربات الشهيرة التي تعد مشروبات متميزة داخل منطقة المعادي، أحياناً نذهب للجلوس داخل أحد الكافيهات ذات الأجواء الهادئة، ففكرة ربط الرومانسية بإطار كلاسيكي لا يتغير يسير عليه جميع الناس ليست دائماً صحيحة، فنحن لا نتحدث كما يتحدث الناس في الأفلام القديمة ولا نرتدي نفس الملابس، ومن ثم لن نخرج في نفس الأماكن".

حب على السوشيال ميديا

أصبحت السوشيال ميديا حالياً جزءاً رئيساً من حياة الناس ولها وجود كبير في علاقات الحب التي أحياناً توثق السوشيال ميديا جميع مراحلها، فالمنشورات والإعجابات والقصص أصبحت جزءاً من العلاقة، وقد تثير أزمات بخاصة في أوقات مثل عيد الحب أو عيد ميلاد الطرف الآخر، وفي الوقت نفسه تجارب وترشيحات المؤثرين في الهدايا واختيار الأماكن الرومانسية لها الأولوية من منطلق مجاراة الترند حتى في ما يتعلق بطريقة التعبير عن الحب.

وفق رؤية علياء نصار الباحثة في التراث الثقافي فإن "الأمر كله صار يدور في فلك السوشيال ميديا من اختيار الأماكن بترشيحات ’البلوغرز‘ و’التيكتوكرر‘ عن طريق الفيديوهات المتداولة والأماكن الترند، إضافة إلى أنه أصبح من الأولويات اختيار مكان بأجواء ذات طابع خاص أهم ما يميزها إمكانية التقاط مجموعة كبيرة من الصور تنشر على السوشيال ميديا لتحظى بالإعجاب والتعليقات من الأصدقاء، وربما كان هذا أحياناً هو الدافع الأساس لاختيار المكان من البداية، فبعض الأماكن أصبح يسوق لها بأنها ستتيح لمرتاديها التقاط مجموعة رائعة من الصور فحتى لو التجربة ليست جيدة بالقدر الكافي أو الخدمة سيئة والصور جيدة على السوشيال ميديا، فالأمر سيكون جيداً".

وتنبه إلى أن "البعض حالياً أصبح يفضل الذهاب إلى نوعية معينة من الأماكن حتى ولو كانت فوق طاقته، لأن هذا سيمثل له إضافة باعتبار أنه يرتاد هذا المكان مثل الطبقات التي ترتاده، وأن هذا سيعطي له قيمة ومكانة أمام رفيقته من جانب أو أمام المجتمع بعد نشر صور المكان أو الطعام على السوشيال ميديا، فالذهاب لحديقة عامة على سبيل المثال سيعطي عنه انطباعاً بأنه غير مواكب للعصر، فهناك معطيات جديدة دخلت على خط اختيار مكان اللقاء الرومانسي، ولم يعد الأمر يقتصر على البساطة والاهتمام باللقاء ذاته بغض النظر عن المكان".

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات