ملخص
"الرحلة المقدسة" كتاب للعراقي حسين نعمة حسين، يروي تفاصيل الرحلة التي قام بها مع صديقه سالم بنانه من بغداد إلى مكة على دراجتين هوائيتين لأداء العمرة.
صدر كتاب "الرحلة المقدسة" (دار السويدي والمؤسسة العربية) في إطار سلسلة "سندباد الجديد" التي يصدرها "المركز العربي للأدب الجغرافي" بالتوازي مع سلسلة "ارتياد الآفاق".
أما الرحلة على دراجتين هوائيتين فهي فكرة جريئة راودتهما حين كانا يشاهدان في الأول من يناير (كانون الثاني) 2024، جالسين في "مقهى الرواد" في بغداد، مشهد الحجيج في يوم عرفة يصدحون بأصوات التلبية، ويقترحها على صديقه فيقره عليها ويعدان العدة لتنفيذها صبيحة الـ 20 من فبراير (شباط) 2024، وسط شعور بالتوتر والرهبة والفرح.
ولعل ما يميز هذه الرحلة عن سواها هو أن القائمين بها يستخدمان وسيلة بسيطة، وهي الدراجة الهوائية، لتحقيق غاية سامية وهي أداء فريضة العمرة، وبالتالي لم تكن الرحلة هي الغاية، كما هو الحال، في أدب الرحلات، بل وسيلة لغاية أخرى، ومع هذا تتمخض عن كتاب جميل ينتمي إلى هذا الفرع المعرفي.
يرصد حسين في كتابه وقائع الرحلة في محطاتها المختلفة وما بين المحطات، ويتوزع المرصود على المرئي والمسموع والخارجي والداخلي، والمعيش والمتذكر والجغرافي والتاريخي، والمكاني والإنساني والأنثروبولوجي والعادي، ويتناول الكاتب طوال 28 نصاً الطرقات والشوارع والمدن والقرى والمقاهي والمطاعم والأطعمة والأشربة والصحارى والجبال والعادات والتقاليد والأفكار والمشاعر وأنماط العيش وغيرها، مما يتمخض عن أثر أدبي متنوع يجمع بين وظيفتي الأدب التاريخيتين: الفائدة والمتعة، مع الإشارة إلى أنه كان يجرد من خلال المرصود والمتناول دروساً وخلاصات وتأملات يرصع نصوصه أو يذيلها بها، فقلما يخلو نص من عبرة أو درس أو خلاصة مفيدة أو أكثر.
علامات فارقة
وإذا كان المقام لا يتسع للإحاطة بجميع الوقائع المرصودة على مختلف المستويات، في المحطات المختلفة للرحلة، فإن الوقوف عند بعض الخلاصات التي تتمخض عنها مما يُشكل علامات فارقة، هو من الأهمية بمكان، وفي هذا السياق يمكن أن نجرد من الوقائع الخلاصات الآتية:
هشاشة الإنسان وقوته في آن، فالرحالة الذي يحس بالرهبة في مواجهة صحراء مترامية الأطراف هو نفسه الذي يستمد من الإيمان القوة لمواصلة الرحلة ليلاً أو نهاراً، يحدوه شوق مطلق إلى الوقوف بين يدي الله والحلول ضيفاً عليه، ولعل هذا ما يفسر عدم قدرة الكاتب على مزيد من الانتظار، فحين يصل إلى المدينة المنورة يقرر استبدال الدراجة الهوائية بالسيارة لبلوغ الحرم بأقصى سرعة ممكنة، حتى إذا ما فعل يخر على ركبتيه ساجداً باكياً.
قوة الطبيعة وحنوها في آن، فالصحراء التي تهب فيها عاصفة رملية لا تبقي ولا تذر في لحظة معينة، هي نفسها التي تحنو على الصديقين في لحظة أخرى.
قيم عربية أصيلة
الاحتفاء الكبير بضيوف الرحمن في العالم العربي، يستوي في ذلك بين العراقي والسعودي والمصري والموريتاني، ولا فرق بين غني وفقير، فعلى المقلب العراقي، عمار صاحب المطعم الصغير في اللطيفية يرفض تقاضي ثمن الطعام من ضيفي الرحمن حسين وسالم، ويصر على استضافتهما في بيته، والنادل كرار في "كوفي شوب الذكريات" في المسيب يقدم لهما القهوة والشاي على نفقته، وشيخ قبيلة الكبيسات في الرطبة صبحي كامل يكرم وفادتهما ويستضيفهما ليلة في بيته ويزودهما بالمال، ويكلف سيارتين بمواكبتهما حتى منطقة النخيب، وشيخ قبيلة عنزة عبدالله العنزي يرحب بهما ضيفين عزيزين ويخلع بردته على الكاتب بعد أن سمعه ينشد قصيدة نبطية، وينظم لهما جولة في الصحراء على متن الجمال ويزودهما بالمال عند المغادرة، والدورية العسكرية العراقية تتعامل معهما بموجب الأخوة الإنسانية لا التعليمات العسكرية.
على المقلب السعودي يستقبلهما الأمن السعودي ببشاشة مهيبة فيشعران بالأمان النفسي والروحي، ويقلهما الشاب فهد العنزي مسافة 60 كيلومتراً بسيارته إلى فندق "هلا إن" في عرعر ويدفع ثمن إقامتهما فيه ليلتين، ويرغب حمود المليحان من أهل سكاكا في أن يقضيا الليل عنده، فيلبيان رغبته مكتفيين بتناول الغداء ومتابعة الرحلة، ويستضيفهما الشيخ مطر الرمالي الشمري في منطقة حائل يوماً وينظم لهما زيارة إلى "مطل حاتم الطائي"، ويستضيفهما الشيخ عبدالله التميمي في السبعان ليلة ويقدم لهما أطباقاً نجدية معروفة، ويمر بهما سائق سيارة خلال استراحتهما عند سفح جبل وسمة ويقدم لهما التمر والماء البارد،.
ويلبي محمد الظفيري طلب المساعدة الذي نشره الكاتب على صفحة الرحلة منتصف الليل حين تتعطل دراجة سالم ويقلهما إلى مدينة الرصعة والخضراء لتصليحها، ويرفض صاحب الورشة المصري سعيد الأرناؤوطي تقاضي أجرة التصليح ويستبقيهما في ورشته حتى الفجر، ويصحبهما الشيخ الموريتاني معتز الشنقيطي في جولة على المعالم الدينية في المدينة المنورة ويقلهما بسيارته ليلاً إلى الحرم المكي حين لم يعد الكاتب يطيق الانتظار، وهكذا تتجلى القيم العربية الأصيلة في أبهى صورها على مقلبي الرحلة العراقي والسعودي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كثيرة هي الدروس والعبر التي يمكن الخروج بها من "الرحلة المقدسة"، وهي حصيلة ما وقعت عليه حواس الرحالتين الخمس وما اعتمل في عقل وقلب كل منهما من أفكار وأحاسيس، ذلك أن الكاتب راح يستخلص الدروس والعبر ويُجرد التأملات والخواطر من وقائع الرحلة، في كل محطة من محطاتها وما بين المحطات، ويرصع بها نصوصه المختلفة، وحسبنا في هذا السياق الإشارة إلى قوله "لا تصل الروح بالراحة بل بالتعب" (ص 22)، وقوله "إن الطريق لا يُقاس بالأميال بل بالقلوب التي تفتح لك بيوتها بلا حساب" (ص 30)، وقوله "الرحلة ليست مجرد تحرك بدني بل امتحان روحي في كل تفصيلة" (ص 39)، وقوله "كلما خف الضوء اقتربت مشاعر الغربة" (ص 46)، وقوله "نحن لا نقترب من مكة بل نقترب من أنفسنا" (ص 98)، على سبيل الذكر لا الحصر.
ولم ينأ الكاتب عن السقوط في الاضطراب والتناقض في ذكر الأيام التي حصلت فيها بعض الوقائع، فيسقط في الأول حين يذكر أنهما كانا في السبعان على مسافة 900 كيلومتر من مكة في الأول من مارس (آذار) 2024 (ص 115)، وكانا في المدينة المنورة في الـ 25 من فبراير 2024 (ص 129)، فكيف يستقيم أن يكون تاريخ القرب من مكة سابقاً على تاريخ البعد عنها؟
ويقع في الثاني حين يذكر في العنوان الفرعي أن تاريخ مغادرة المدينة المنورة كان الأحد الـ 25 من يونيو (حزيران) 2024، ويذكر في السطر الذي يلي العنوان مباشرة أنه الأحد في الـ 25 فبراير 2024 (ص 129)، فهل هو خطأ مطبعي أم نقص في التدقيق؟
ومع ذلك فكتاب "الرحلة المقدسة" في أدب الرحلة صيغ بلغة أدبية جميلة تتوخى الرشاقة في التعبير والدقة في التصوير، يُكثر فيها الكاتب من استخدام التشابيه الجميلة المبتكرة حد تجاور ثلاثة منها في ثلاثة أسطر (ص 127)، فيشبّه نسائم المدينة المنورة بـ "لمسة أُم على جبين طفلها النائم"، ويشبه الهدوء بـ"صمت روح تستعد لتلقي وحي مقدس"، ويشبه صدره بـ"مرجل من الشوق والرغبة والدموع المكتومة"، على سبيل المثال (ص 127).
وبهذه الصياغة اللغوية والمصوغ فيها من وقائع، تغدو "الرحلة المقدسة" رحلة إلى الجميل والممتع والمفيد والمقدس، وتستحق القيام بها في الأقل على أجنحة الورق.