Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مخاطر قضم إسرائيل الضفة الغربية

الخطأ الفادح الذي سيعرقل أي سلام في الشرق الأوسط

قوات إسرائيلية في الخليل، الضفة الغربية، يناير 2026 (رويترز)

ملخص

تسرع الحكومة الإسرائيلية، تحت ضغط اليمين الاستيطاني، خطوات تحويل الضم الزاحف للضفة الغربية إلى سياسة رسمية عبر توسيع المستوطنات، وشرعنة البؤر غير القانونية، وإضعاف السلطة الفلسطينية مالياً ومؤسسياً، في مسار يقوض حل الدولتين ويهدد بانهيار السلطة وانفجار أمني واسع، وينسف أي فرصة لاستقرار غزة أو إطلاق تسوية إقليمية مستدامة، ويعرض إسرائيل لعزلة دبلوماسية متفاقمة وكلف أمنية وإدارية باهظة على المدى الطويل.

لا يخلو الشرق الأوسط من التقلبات. ففي أعقاب الاحتجاجات في إيران، هددت واشنطن بشن ضربة عليها، وفي الوقت نفسه يستمر العنف في غزة على رغم وقف إطلاق النار، ويعيد "حزب الله" تسليح نفسه في لبنان، في حين تزعزع الصراعات الفصائلية استقرار سوريا. لكن الجبهة التالية التي قد تنفجر ربما تكون تلك التي يعدها صانعو السياسات مسألة ثانوية، ألا وهي الضفة الغربية. فمنذ هجوم "حماس" في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والهجوم العسكري الإسرائيلي اللاحق على غزة، شرعت الحكومة الإسرائيلية في حملة ضم بحكم الأمر الواقع، مكثفة وجودها العسكري في الضفة الغربية، وممارسة ضغوطاً مستمرة على السلطة الفلسطينية لإضعافها، ومسرعة الموافقة على المستوطنات اليهودية، ومشرعة بأثر رجعي البؤر الاستيطانية غير القانونية. وقد أصبحت أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون شبه يومية.

ثم، الأحد الماضي، وافق المجلس الوزاري الأمني ​​برئاسة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على مجموعة استثنائية من الإجراءات التي تحول ضم الضفة الغربية بحكم الأمر الواقع إلى سياسة بحكم القانون. وكان توقيت هذه الخطوة جريئاً للغاية، إذ سبقت زيارة نتنياهو إلى البيت الأبيض الأربعاء (الـ11 من فبراير "شباط"). وستخفف إسرائيل القيود المفروضة على بيع الأراضي للمستوطنين، وستتولى صلاحية تحديد كيفية استخدام الأراضي في المنطقتين (أ) و(ب)، اللتين كانتا رسمياً تحت حكم السلطة الفلسطينية. وصرح وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بأن الهدف هو "القضاء على فكرة قيام دولة فلسطينية".

هذه الخطوة ليست سوى أحدث تطور في سلسلة تطورات أوصلت الضفة الغربية إلى شفا أزمة حادة. وفي الواقع، قد تصبح السلطة الفلسطينية عاجزة عن سداد ديونها خلال أشهر، مما سيؤدي إلى توقف تقديم الخدمات الأساسية لملايين الفلسطينيين، وإجهاض جهود التعاون الأمني ​​مع إسرائيل التي حالت حتى الآن دون اندلاع اضطرابات واسعة النطاق. ويبدأ شهر رمضان الأسبوع المقبل، وهو حدث يؤجج في العادة التوترات حول المسجد الأقصى في القدس الشرقية، المعروف لدى المسلمين بالحرم الشريف ولدى اليهود بجبل الهيكل. ومن يذكر أن التغييرات في أساليب الشرطة الإسرائيلية التي تضعف القيود المفروضة على السلوك الاستفزازي، إلى جانب غياب قنوات وساطة خارجية فعالة للمساعدة في تهدئة التوترات، تشكل خطراً حقيقياً يتمثل في أن الحوادث في المواقع المقدسة قد تشعل فتيل اضطرابات أوسع.

إن وجود نقاط التوتر هذه ليس من قبيل الصدفة، بل هو استراتيجية إسرائيلية. فقد جادل وزراء إسرائيليون نافذون منذ زمن طويل بضرورة دمج الضفة الغربية في فلك إسرائيل السياسي والإداري. وهناك بيان صدر عام 2017 عن سموتريتش بعنوان "الخطة الحاسمة" وضع خريطة طريق لهذه الاستراتيجية: على إسرائيل أن تخلق واقعاً لا رجعة فيه على الأرض، يقضي على أي إمكان لإقامة دولة فلسطينية، ويجبر الفلسطينيين على قبول وضع التبعية الدائمة أو مغادرة الضفة الغربية.

ومنذ السابع من أكتوبر، استغل سموتريتش وغيره من قادة اليمين الإسرائيلي ضبابية الحرب لتحويل هذه الرؤية إلى سياسة. وعلى رغم أن موقف نتنياهو أكثر غموضاً، إذ أصر مراراً وتكراراً على أن إسرائيل لا ترغب في تولي الحكم الكامل على الأراضي الفلسطينية، فإن بقاءه السياسي يعتمد على الناخبين القوميين المتدينين، مما يحد من قدرته وحافزه لكبح جماح القادة الساعين إلى الضم. ويتشبث كثير من المعتدلين الإسرائيليين والفاعلين الدوليين بافتراض مطمئن مفاده أن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في وقت لاحق من هذا العام قادرة على إعادة ضبط نهج البلاد تجاه الضفة الغربية. لكن الاعتماد على مثل هذا التحول أمر بالغ الخطورة. فكثير من التغييرات التي طرأت خلال العامين الماضيين لا رجعة فيها، لا سيما أن المعارضة الإسرائيلية لم تقدم بديلاً واضحاً يحل محل الرؤية التي يتبناها دعاة الضم.

إذا استمر أنصار الضم في مسارهم من دون رادع، فإن أفعالهم التراكمية ستزيد من احتمالات تجدد الاضطرابات، وستستلزم تعبئة مستمرة لقوات الدفاع الإسرائيلية، وستعمق عزلة إسرائيل الدبلوماسية، وستجبر تل أبيب على تحمل أعباء الإدارة المدنية في الضفة الغربية، مهما ادعى نتنياهو رغبته بخلاف ذلك. كما سيقوض ذلك بصورة خطرة تنفيذ خطة السلام التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في شأن غزة، المؤلفة من 20 بنداً، والمعتمدة على عودة سلطة فلسطينية معاد إصلاحها لتولي إدارة القطاع. إن الأوضاع على الأرض تجعل استقرار القطاع مستحيلاً بالفعل، وتخلق الظروف المناسبة لتحويله إلى بؤرة تمرد مستحكمة بصورة دائمة.

 تفكيك الضفة

تعمل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في الضفة الغربية وفق مجموعة من المبادئ غير المريحة لكنها عملية، على غرار منع حركة "حماس" من السيطرة، واحتواء العنف من خلال العمل الاستخباراتي، والاعتماد على أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية كشريك (مهما كانت أوجه قصور هذه القوات) للحيلولة دون اندلاع تمرد واسع النطاق ومنسق. لأعوام قبل السابع من أكتوبر، ظل عدد القوات الإسرائيلية ووتيرة عمليات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية ثابتين نسبياً. ولكن بعد السابع من أكتوبر، أعلن الجيش الإسرائيلي الحرب على "حماس" في كل مكان، فصعد مداهماته في الضفة الغربية ووسع نقاط التفتيش وفرض إغلاقات موقتة في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك مخيمات اللاجئين. وقد أدت هذه العمليات إلى موجات نزوح جماعي، لكنها في الوقت نفسه عطلت مبدئياً شبكات المسلحين ومنعت وقوع هجمات إرهابية، ويعود الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى زيادة التنسيق الأمني بين الجيش الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية. ووفقاً للجيش الإسرائيلي، سجل عام 2023 نحو 397 هجوماً إرهابياً "كبيراً" في إسرائيل والضفة الغربية، بينما انخفض هذا العدد إلى 255 هجوماً عام 2024، ثم إلى 54 هجوماً عام 2025. وهذا ليس إنجازاً بسيطاً، إذ إن إحباط الأعمال الإرهابية يشكل ركيزة أساسية من ركائز الأمن الداخلي الإسرائيلي.

ومع ذلك، تعمل بعض الجهات في الحكومة الإسرائيلية على تقويض هذه المكاسب الأمنية من خلال زعزعة استقرار الضفة الغربية وإضعاف المؤسسة ذاتها، أي السلطة الفلسطينية، التي ساعدت في منع اندلاع انتفاضة مستدامة. وفي طليعة الجهود الرامية إلى تغيير واقع الضفة الغربية تقف حركة الاستيطان الإسرائيلية، التي شكلت سياسات الحكومة من خلال حشد كتلة تصويتية منضبطة، والضغط على وزراء أساسيين، وتعيين أعضائها في مناصب بيروقراطية محورية، وهو جهد بلغ ذروته بتعيين سموتريتش وزيراً للمالية ووزيراً مسؤولاً عن الإدارة المدنية في وزارة الدفاع عام 2022، إذ يتولى مسؤولية كثير من جوانب التخطيط في الضفة الغربية. وبفضل نفوذها المتزايد واستفادتها من معارضة منقسمة ومثبطة، استغلت حركة الاستيطان حال القلق لدى الإسرائيليين وانشغالهم بالأزمة في غزة لإعادة تشكيل الوضع القائم في الضفة الغربية من خلال برنامج طموح للغاية لإعادة هندسة الحيز الجغرافي.

ووفقاً لمؤسسة "تمرور بوليتوغرافيا" البحثية، التي تجمع بيانات حول السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، أشرفت هذه الحكومة الإسرائيلية على طفرة هائلة في توسيع المستوطنات في الضفة الغربية منذ عام 2023. ففي عام 2025 وحده، أصدرت عدداً من الموافقات على وحدات سكنية يكاد يبلغ ضعف ما صدر خلال عامي 2019 و2020. وتتجاوز هذه الطفرة الأخيرة بكثير المعدلات المعتادة المتراكمة خلال الأعوام الـ10 الماضية، مما يشير إلى تسارع واضح في كل من الموافقات على المستوطنات الجديدة وشرعنة البؤر الاستيطانية غير القانونية بأثر رجعي.

لقد استغلت حركة الاستيطان حال القلق لدى الإسرائيليين

ولا تؤدي هذه الخطوات إلى زيادة عدد الإسرائيليين المقيمين في الضفة الغربية فحسب، بل إنها تضعف أيضاً السلطة الفلسطينية يوماً بعد يوم وتحول الضفة جذرياً. فقد بدأت الحكومة الإسرائيلية في إنشاء ممرات سيطرة استراتيجية من طريق توسيع حدود الصلاحيات البلدية، وإنشاء طرق جانبية بديلة، وربط البنية التحتية بين المستوطنات، مما يصعب على قوات الأمن الفلسطينية والقيادات السياسية بسط سلطتها على المدى القريب، ويقوض على المدى الطويل أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.

ومن بين أوضح الأمثلة على هذه العملية، الجهود الرامية إلى ربط القدس الشرقية بالمستوطنة الكبيرة القائمة "معاليه أدوميم"، والواقعة على بعد سبعة كيلومترات إلى الشرق، وذلك من خلال بناء آلاف الوحدات السكنية، فضلاً عن البنية التحتية السياحية والصناعية. وقد عرف هذا المشروع باسم "إي1" E1، وقد طرح للمرة الأولى في أواخر ستينيات القرن الـ20، إلا أن رؤساء وزراء سابقين، تحت ضغط دولي، امتنعوا عن المضي قدماً فيه بصورة جوهرية، إدراكاً منهم أنه سيؤدي فعلياً إلى فصل الضفة الغربية، ويقضي على أي فرصة أمام الفلسطينيين لبسط سلطتهم على منطقة متصلة جغرافياً هناك. لكن الحكومة، خلال العام الماضي، سارعت بتنفيذ مشروع "إي1"، في أغسطس (آب) الماضي، وافق سموتريتش رسمياً على بناء 3400 منزل في الممر، متباهياً صراحة بأن "الدولة الفلسطينية تمحى عن الطاولة ليس بالشعارات بل بالأفعال. فكل مستوطنة، كل حي، كل وحدة سكنية هي مسمار آخر في نعش" حل الدولتين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومشروع "إي1" ليس استثناءً، بل هو نموذج أولي. فهناك منطق مشابه يقف وراء مشاريع البناء الجديدة وخطط تقسيم المناطق حول "غوش عتسيون" و"أريئيل" و"معاليه أدوميم": هذه المشاريع تهدف إلى تعزيز كتل السيطرة الإسرائيلية وتفتيت الأراضي الفلسطينية. وفي الوقت نفسه تنتشر البؤر الاستيطانية الصغيرة في جميع أنحاء الضفة الغربية. بعضها يبدو ظاهرياً مواقع للرعي، لكنها تخدم وظيفة سياسية لا لبس فيها من خلال الاستيلاء على الأراضي وجعل بسط السلطة الفلسطينية على مساحات واسعة نسبياً أمراً مستحيلاً.

بل إن الحكومة الإسرائيلية غيرت خطابها لمنح الشرعية لبؤر كانت تعد على نطاق واسع غير قانونية. فهي تروج بصورة متزايدة لضرورة إنشاء "مزارع أمنية"، في محاولة لإعادة تسمية البؤر الاستيطانية غير المرخصة وتقديمها كأصول يزعم أنها استراتيجية. فقبل أسبوع فحسب، وفي كلمة عبر الفيديو في "مؤتمر تقدير" للبؤر الزراعية غير القانونية، حضره سموتريتش ووزيرة الاستيطان أوريت ستروك، أعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس أنه سيضفي الشرعية على نحو 140 بؤرة زراعية غير مرخصة في الضفة الغربية. وأشاد بالمستوطنين غير القانونيين واصفاً إياهم بـ"رواد عصرنا"، الذين "يضعفون جهود الفلسطينيين في ترسيخ وجودهم في المنطقة". كما أشار نتنياهو أخيراً إلى دعمه الاعتراف الرسمي بهذه المواقع. وقد يكون هذا النوع من الاستيلاء على الأراضي أقل دراماتيكية من الضم الرسمي، ولكنه لا يقل عنه فعالية.

تصريح ضمني 

يواجه الفلسطينيون أيضاً تصاعداً حاداً في أعمال العنف التي يرتكبها مستوطنون إسرائيليون بصورة مباشرة، وهو نوع من العنف تحظى ممارسته بموافقة ضمنية من الحكومة الإسرائيلية. ففي عامي 2024 و2025، ارتكب المستوطنون عدداً غير مسبوق من عمليات الحرق المتعمد وأعمال التخريب والاعتداءات الجسدية. ووفقاً لإحصاءات نشرها الشهر الماضي كل من الجيش الإسرائيلي وجهاز الشاباك، (جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي)، ارتفعت هجمات المستوطنين ضد الفلسطينيين وضد قوات الأمن الإسرائيلية في الضفة الغربية بنسبة 27 في المئة بين عامي 2024 و2025. كذلك ارتفع عدد الحوادث الخطرة المصنفة كأعمال إرهابية بأكثر من 50 في المئة، وكان معظمها متركزاً في بؤر ساخنة مثل نابلس والخليل ومنطقة رام الله.

غير أن السمة الأشد خطورة في هذه الهجمات ليست وتيرتها، بل سماح الحكومة الإسرائيلية بها. فتنفيذ القوانين التي تحظر عنف المستوطنين كان متذبذباً وغائباً في الغالب. والتحقيقات تكون في كثير من الأحيان محدودة أو معدومة. والملاحقات القضائية نادرة، ومعدلات الإدانة تبقى في حدود الأرقام الأحادية. ولا يرى الجيش الإسرائيلي أن من مهامه اعتقال المتطرفين اليهود، بينما تغض الشرطة، الخاضعة لسيطرة المحرض اليميني الذي أصبح وزيراً للأمن القومي إيتمار بن غفير، الطرف عن الأمر. وفي الشهر الماضي، وللمرة الأولى في تاريخ إسرائيل، أفادت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بوقوع عدد من الأعمال الإرهابية اليهودية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية يفوق عدد الأعمال الإرهابية الفلسطينية ضد اليهود هناك وداخل إسرائيل نفسها.

وقد أسهمت القرارات المتخذة على أعلى مستويات الحكومة الإسرائيلية في منح مرتكبي هذه الأفعال سلطة أكبر. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أعلن كاتس أن مكتبه سيتوقف عن استخدام الاعتقال الإداري ضد المستوطنين اليهود، وهو إجراء احترازي يسمح بالاحتجاز من دون توجيه تهمة، وغالباً ما يستخدم في حق الفلسطينيين، في إشارة إلى قبول الحكومة بعنف المستوطنين في وقت كانت إسرائيل في أمس الحاجة فيه إلى إظهار مزيد من الردع تجاههم. وفي مقابلة في أواخر ديسمبر (كانون الأول) مع قناة "فوكس نيوز"، زعم نتنياهو أن الصحافة الدولية "بالغت" في تغطية ظاهرة عنف المستوطنين، وعزاها إلى سوء سلوك "نحو 70 فتى" جاءوا من "أسر مفككة" من خارج الضفة الغربية. ولم يوضح نتنياهو مصدر بياناته، لكن إشارته إلى أن معظم المستوطنين لا يؤيدون مثل هذا العنف غير صحيحة: ففي استطلاع رأي أجرته جامعة رايخمان بين المستوطنين في يونيو (حزيران) 2025، وافق نحو نصف المشاركين في الاستطلاع على أن "المقاومة العنيفة من جانب اليهود ضد الفلسطينيين قد تكون مبررة حالياً"، بينما رأى ما يزيد قليلاً على الثلث أن هذا العنف يجب أن يعاقب عليه.

الاستيلاء العدائي

على رغم انتهازيته السياسية، تجنب نتنياهو تاريخياً دفع السلطة الفلسطينية نحو الانهيار الكامل. فهو يدرك أن ما قد يوفره مثل هذا التحرك من مكاسب أيديولوجية قصيرة الأمد، ستكون كلفته على المدى الطويل باهظة. فمن دون السلطة الفلسطينية، ستضطر إسرائيل إلى تولي مسؤولية تقديم الخدمات المدنية، مثل الرواتب والصحة والتعليم والأمن، لملايين الفلسطينيين.

لكن مع إعطائه الأولوية لبقائه السياسي، لم يعد نتنياهو يسيطر بالكامل على ملف الضفة الغربية، إذ يتولى سموتريتش وشركاؤه إدارته. وقد سعوا عمداً إلى خنق اقتصاد الضفة وتقويض قدرة السلطة الفلسطينية على العمل بفاعلية، من خلال إبطاء الموافقات على مشاريع البناء الفلسطينية وتقييد قدرة الفلسطينيين على كسب رزقهم في إسرائيل. ومنذ مايو (أيار) 2025، أوقفت الحكومة الإسرائيلية تحويل عائدات الجمارك والضرائب إلى السلطة الفلسطينية، وبعض هذه التحويلات، وليس كلها، مقيد قانونياً لأن السلطة الفلسطينية تقدم ما يسمى مدفوعات الشهداء للأسرى والمقاتلين وعائلاتهم.

وباتت قدرة السلطة الفلسطينية تقتصر حالياً على دفع رواتب جزئية لموظفيها البالغ عددهم 150 ألفاً، إضافة إلى عدد أكبر من المتقاعدين والمتعاقدين. وانتقلت المدارس إلى نظام أربعة أيام في الأسبوع، مما حد من قدرة أولياء الأمور على العمل. كذلك جرى تقليص خدمات الرعاية الصحية وجمع النفايات، مما أدى إلى تدهور مستوى المعيشة.

وتقود السلطة التنفيذية الإسرائيلية جهود الضم، لكن البرلمان الإسرائيلي ساعد أيضاً في محاولة خنق الضفة الغربية، مما يجعل التراجع عن هذه الجهود أكثر صعوبة بكثير. فعلى مدى العامين الماضيين، سعى الكنيست إلى سن تشريعات تحكم قبضته المالية والاقتصادية والقانونية على الضفة الغربية بصورة منهجية، وتضعف السلطة الفلسطينية بصورة مباشرة، إضافة إلى ذلك قدم المشرعون حديثاً مقترحات تسمح للضحايا الإسرائيليين برفع دعاوى مدنية بأثر رجعي ضد السلطة الفلسطينية عن هجمات إرهابية سابقة، وهو ما قد يثقل كاهل السلطة إلى حد قد يتجاوز قدرتها على التحمل ويدفعها إلى الانهيار في حال إقراره.

تغيير المسار

السلطة الفلسطينية تعاني عيوباً عميقة وهشاشة شديدة. فقد أدت أعوام من الفساد، وإخفاقات الحوكمة، والعجز عن التفاوض مع إسرائيل على إقامة دولة فلسطينية، إلى تقويض صدقيتها لدى الفلسطينيين. لكن إسرائيل في حاجة إلى سلطة فلسطينية أكثر فاعلية، لا إلى سلطة أكثر هشاشة. كذلك الأمر بالنسبة إلى ترمب. إذ تنص خطته للسلام في غزة، المكونة من 20 بنداً، على أن السلطة الفلسطينية المعاد إصلاحها ستستعيد في نهاية المطاف السيطرة على غزة. ولا يمكن لعملية السلام أن تصمد إذا لم يكن لدى الفلسطينيين تمثيل سياسي شرعي وكفؤ ومستقر، وهو ما يعتمد حالياً على مؤسسات السلطة الفلسطينية، إن لم يكن على قيادتها الحالية. كذلك فإن الجهات المانحة العربية والأوروبية التي يفترض أن تتولى مسؤولية إعادة إعمار غزة طالبت بمسار نحو حل الدولتين، وهو مسار لا يمر إلا عبر السلطة الفلسطينية. ولا يوجد حالياً بديل ذو صدقية يتمتع بشرعية قانونية وقدرة تنفيذية. إن الإجهاز على السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية يقوض تعافي غزة قبل أن يبدأ.

لهذا السبب، يجب اتخاذ خطوات فورية لوقف النهج الإسرائيلي المدمر تجاه الضفة الغربية. إن تجنب انفجار في الضفة الغربية لا يتطلب حل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني برمته، بل يتطلب اتخاذ خطوات فورية لمنع التدمير المتعمد للمؤسسات الفلسطينية.

والفاعل الوحيد الذي لا تستطيع الحكومة الإسرائيلية تجاهله هو ترمب. كما أن لشركاء إسرائيل العرب، وفي مقدمهم الإمارات العربية المتحدة، نفوذاً أيضاً. ويتعين على واشنطن وشركاء إسرائيل العرب، ولا سيما الإمارات والمغرب، ممارسة الضغط على إسرائيل لفرض قيود صارمة على الاستفزازات المرتبطة بشهر رمضان، والمساعدة في تنسيق الترتيبات الأمنية الخاصة برمضان مع الأردن.

لا يمكن لعملية السلام في غزة أن تصمد إذا انهارت السلطة الفلسطينية

وإذا كانت واشنطن تريد منع فتح جبهة أخرى في الشرق الأوسط في وقت تقف فيه على أعتاب مواجهة مع إيران، فعليها أن تبذل جهداً أكبر بكثير لضمان ألا تدمر إسرائيل السلطة الفلسطينية. وهذا يعني العمل مع إسرائيل على استعادة تحويل عائدات الضرائب، ومطالبتها بالتوقف عن سن تشريعات مناهضة للسلطة الفلسطينية، وإلزامها تطبيق قوانينها ضد المستوطنين العنيفين. ومن شأن هذه الإجراءات الملموسة أن تزيل التهديدات الأكثر إلحاحاً لبقاء السلطة الفلسطينية.

لذلك، يجب اتخاذ خطوات فورية لوقف النهج الإسرائيلي المدمر في الضفة الغربية. فتفادي انفجار الأوضاع هناك لا يتطلب حل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني برمته، بل يستلزم تدابير فورية لمنع التدمير المتعمد للمؤسسات الفلسطينية.

ثم يتعين على السلطة الفلسطينية أن تؤدي دورها من خلال تنفيذ إصلاحات سريعة وملموسة. فقد بدأت السلطة الفلسطينية بالفعل في تعزيز الشفافية في حوكمتها وشؤونها المالية، من خلال نشر مخططات الموازنة، والتفاعل مع المؤسسات المالية الدولية، والتعهد بإجراء تدقيق في البرامج المثيرة للجدل. كذلك أبدت استعدادها لتقييد ما يعرف بـ"مدفوعات الشهداء"، وشرعت في مراجعة مناهجها التعليمية للمرحلة الابتدائية بما يتوافق مع المعايير الدولية. وأعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أنه في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وللمرة الأولى على الإطلاق، ستجري منظمة التحرير الفلسطينية (الهيئة الجامعة التي تمثل الفلسطينيين في جميع أنحاء العالم) انتخابات لمجلسها التشريعي، وهي خطوة مهمة نحو استعادة الصدقية. إلا أنه يتعين على السلطة الفلسطينية تسريع هذه الإصلاحات وإضفاء الطابع المؤسسي عليها من خلال نشر تقارير تفصيلية للرأي العام، وإجراء تدقيقات خارجية لبرامج المدفوعات المثيرة للجدل، وإطلاق مبادرات شاملة لمكافحة الفساد وتعزيز شفافية المشتريات، وضمان مهنية أجهزتها الأمنية، وجعل العملية الانتخابية ذات صدقية، وتحسين تقديم الخدمات الأساسية على مستوى البلديات.

وقد ركزت الجهود الأوروبية الرامية إلى إصلاح السلطة الفلسطينية على تعزيز قدرتها المؤسسية وترسيخ الحوكمة الرشيدة، وهو توجه في محله. إلا أنها تعتمد على أطر عمل معقدة. بدلاً من ذلك، ينبغي على واشنطن وشركائها العرب أن يقودوا المبادرة من خلال حزمة إصلاح واضحة وبسيطة، متفق عليها بين الأطراف المعنية الرئيسة، بما في ذلك إسرائيل، ومدعومة بحوافز حقيقية.

فرصة أخيرة قبل فوات الأوان

في الواقع، تتيح الخطة التي وضعها ترمب لغزة فرصة لتحقيق استقرار اقتصادي في الضفة الغربية. فهناك فرصة تاريخية لتعديل بروتوكول باريس المتقادم، الموقع قبل 30 عاماً، الذي يمنح إسرائيل السيطرة على تحصيل وتحويل عائدات الضرائب الفلسطينية، مما يعوق استقلال الاقتصاد الفلسطيني من خلال ربطه بسياسات إسرائيل التجارية وارتفاع كلف المعيشة، وهو بروتوكول لم يعد ملائماً لعالمنا الرقمي اليوم. كذلك يمكن لمجلس السلام الذي يشكله ترمب أن يجعل من الضفة الغربية مركزاً لوجيستياً رئيساً لإنتاج وتجميع المساعدات الإنسانية، وفي وقت لاحق، مستلزمات البنية التحتية. ولا يوجد أي مبرر استراتيجي يجعل إعادة إعمار غزة تثري جهات خارجية بينما يظل الفلسطينيون، بمن فيهم سكان الضفة الغربية، يعانون ركوداً اقتصادياً.

إن اتخاذ هذه الخطوات الفورية لا يعني الدفاع عن الوضع الراهن غير المستدام في الضفة الغربية، بل على العكس تماماً، فهي ضرورية لإنقاذ الخيارات المتاحة مستقبلاً. فالحكومة الإسرائيلية تسارع لإغلاق جميع الخيارات، بسرعة تفوق قدرة أي انتخابات على كبحها. ففي الشهر الماضي، طرحت مناقصات بناء لآلاف المنازل في ممر "إي 1"، الذي من شأنه أن يقسم الضفة الغربية إلى قسمين. وعلى رغم أن الإجراءات التي أقرت في الثامن من فبراير (شباط) الماضي قدمت على أنها ضرورات إدارية، فإنها تعزز بصورة كبيرة صلاحيات إسرائيل في الضفة الغربية، لا سيما من خلال تقويض جوانب أساسية من سيطرة السلطة الفلسطينية المدنية، بما في ذلك إدارة قبر راحيل في بيت لحم والموقع المعروف لدى اليهود باسم مغارة البطاركة ولدى المسلمين باسم المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل، وهما مكانان مقدسان لدى اليهود والمسلمين والمسيحيين.

ويبدو أن اليمين المتطرف في إسرائيل يعتقد أن تدمير الحوكمة الفلسطينية سيمنح إسرائيل مزيداً من القوة. ولكن على النقيض من ذلك، إنه خطأ فادح سيصبح مكلفاً ودموياً ومدمراً للذات، إذ إنه يسرع حلقات الاستياء والعنف. كذلك فإن واشنطن ستخسر كثيراً إذا غضت الطرف عن الوضع في الضفة الغربية. فانهيار السلطة الفلسطينية سيقضي على أي مسار ممكن نحو تحقيق الاستقرار الإقليمي والتسوية الفعالة لمرحلة ما بعد الحرب، وهما من الركائز التي اعتمدت عليها إدارة ترمب في جزء كبير من إرثها في السياسة الخارجية.

 

شيرا عفرون هي المديرة المتميزة لمنتدى السياسة الإسرائيلية وزميلة رفيعة الشأن في مؤسسة راند.

مترجم عن "فورين أفيرز"، 12 فبراير (شباط) 2026

اقرأ المزيد

المزيد من آراء