ملخص
ترمب أعاد صياغة سياسة واشنطن في الشرق الأوسط بمنهج براغماتي يقوم على القوة وترتيب المصالح، فحقق تطبيعاً واسعاً، وكبح إيران مؤقتاً، وفرض وقفاً لإطلاق النار في غزة. ورغم أن مقاربته لم تُصلح جذور أزمات المنطقة، فإنها منحت الولايات المتحدة استقراراً نسبياً ونفوذاً أكبر مقارنة بإنجازات أسلافه.
الشرق الأوسط هو مكان يسعى معظم الرؤساء الأميركيين إلى تجنبه، ومع ذلك يجدون أنفسهم بصورة حتمية غارقين في نزاعاته، فعلى رغم الدعوات المتكررة إلى التركيز على تحديات جيو-إستراتيجية أخرى فإن الانطباع بأن مصالح الولايات المتحدة الجوهرية على المحك في المنطقة حال دون انسحابها منها، ولا تزال خزانات النفط في الخليج العربي حيوية للاقتصاد العالمي، كما تقف إيران الخطرة على عتبة القدرة النووية، وقد أدى الخلل السياسي في العالم العربي إلى إنتاج أجيال من المسلحين والإرهابيين الذين شن بعضهم هجوماً على الولايات المتحدة عام 2001، مما أوقع أعلى عدد من الضحايا على أرضها منذ "بيرل هاربور".
ومنذ مطلع القرن الـ 21 حاول الرؤساء الأميركيون حل معضلات الشرق الأوسط من خلال الغزو المسلح والدبلوماسية والتدخلات الإنسانية المحدودة، لكن جميع تلك المحاولات باءت بالفشل وبعضها أفرز ظواهر أكثر خطورة، فعلى سبيل المثال أدى غزو العراق عام 2003 إلى ظهور جيل جديد من الإرهابيين، أما التدخل العسكري المحدود في ليبيا عام 2011 فقد نجمت عنه فوضى امتدت على مساحة واسعة من شمال أفريقيا، ومع ذلك ظلت الإدارات الأميركية المتعاقبة، بطريقة أو بأخرى، مفتونة بفكرة فرض رؤية إقليمية إلى أن جاء دونالد ترمب، فهذا الرئيس، شأنه شأن أسلافه، لم ينه ارتباط واشنطن بالشرق الأوسط لكنه بخلافهم تعامل مع المنطقة من دون أي قدر يُذكر من المثالية، فمواقفه كانت مدفوعة بالكامل بالبراغماتية وتفضيل سياسة القوة. وكحال زعماء الشرق الأوسط الأقوياء، يقسم ترمب العالم إلى رابحين وخاسرين، وينحاز بثبات إلى الفئة الأولى، فإسرائيل قوية لذا يسمح لها أن تفعل ما تشاء، ودول الخليج العربي تملك النفط وتبرم الصفقات لذا فهو يتعاون معها، أما الفلسطينيون فهم الخاسرون في المنطقة ولذلك لا يحظون باهتمام يُذكر.
لا شك في أن هذا النهج فظ لكن نتائجه إيجابية بصورة واضحة، فخلال أعوامه الخمسة في منصبه طبع ترمب العلاقات بين إسرائيل وعدة دول عربية، وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي وضع حداً للقتال بين إسرائيل وحركة "حماس"، الذي اندلع بعد هجوم الحركة على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، وإضافة إلى ذلك، ضمن أن تحظى الشركات الأميركية بمعاملة تفضيلية في الوصول إلى نفط الخليج وأسواقه، وهاجم بنجاح مجموعات وحكومات تهدد المصالح الأميركية، بما في ذلك جمهورية إيران الإسلامية.
لم تجعل قرارات ترمب الشرق الأوسط أكثر ديمقراطية، ولم تُخفف المظالم التاريخية في المنطقة لكنها حافظت على قدر من الاستقرار مقارنة بما كان يمكن أن يحدث، وفي الوقت نفسه عززت موقف واشنطن، وبمعنى آخر مكنته هذه القرارات من تحقيق ما هو أكثر بكثير مما حققه أسلافه، على رغم خبرتهم ونياتهم الحسنة.
جادة الأحلام المحطمة
ومن أجل فهم سبب نجاح ترمب حيث فشل رؤساء آخرون، يمكن النظر إلى نهج الولايات المتحدة تجاه الدول العربية التي تشكل معظم الشرق الأوسط، فعلى مدى عقود حاول الرؤساء الأميركيون حل التوترات المتأصلة في هذه الدول من خلال مهاجمتها أو الضغط عليها بطرق مختلفة، ويبرز الرئيس جورج بوش الابن بوصفه أكثر الساسة الأميركيين طموحاً في هذا المجال، ثم أكثرهم تراجعاً أمام وقائع المنطقة، فقد كان رده الأولي على هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية بغزو أفغانستان لطرد "طالبان" من السلطة وشن "حرب على الإرهاب" رداً معقولاً، لكن بوش ومستشاريه المتمرسين توصلوا بعد ذلك إلى الاعتقاد بأن أفضل طريقة لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط هي غزو العراق، وزعموا أن القيام بذلك سيؤدي في النهاية إلى تحويل الأنظمة الاستبدادية الكثيرة في المنطقة إلى أنظمة ديمقراطية موالية للغرب، لكن ما حدث هو العكس تماماً، فقد ازداد الانقسام الطائفي في الشرق الأوسط حدة وتعززت مكانة إيران الإقليمية، وبحلول الوقت الذي غادر فيه بوش منصبه، كانت المنطقة أكثر اضطراباً مما كانت عليه عند وصوله.
أما خلفاه الديمقراطيان باراك أوباما وجو بايدن فقد كانا مصممين على تجنب التورط في سياسات العالم العربي الفوضوية، فقد شعرا بإرهاق الأميركيين من الحروب التي لا تنتهي، وأكدا بحق أنه آن الأوان للاعتماد بصورة أقل على الجيوش وأكثر على الدبلوماسيين لكن كليهما كان، بطريقته الخاصة، غارقاً في المثالية على نحو يبعث على اليأس، وخلال الربيع العربي وقف أوباما مع الشارع، ودفع بالرئيس المصري المقرب من واشنطن حسني مبارك إلى خارج السلطة، ونفذ تدخلاً عسكرياً إنسانياً في ليبيا أطاح بمعمر القذافي، لكن لم ينجح أي من الأمرين، فقد اُستبدل مبارك برئيس إسلامي منتخب ديمقراطياً، وبعد محاولته تركيز السلطة بيده أطاح به ديكتاتور عسكري جديد، وانقسمت ليبيا وأصبحت لديها الآن حكومتان استبداديتان متنافستان، أما بايدن فلم يسع قط إلى تغيير أي نظام، لكن عداءه تجاه الملكيات الرئيسة في المنطقة أضعف مصالح بلاده الإقليمية، وعلى سبيل المثال قاومت العائلات الملكية جهود بايدن الرامية إلى زيادة إنتاج النفط والضغط على "حماس" للموافقة على وقف إطلاق النار.
وعلى النقيض من ذلك يمارس ترمب السياسة من دون أحكام مسبقة على من يتعامل معهم، فهو لا يجد غضاضة مثلاً في التعامل مع الجهادي السابق الذي تحول إلى رجل دولة يرتدي البزة الرسمية الرئيس الجديد لسوريا أحمد الشرع، إذ انضم الشرع إلى معركته ضد تنظيم الدولة الإسلامية (المعروف أيضاً باسم "داعش")، وهو أيضاً شديد البراغماتية في صفقاته، فترمب يدعم السعودية وغيرها من دول الخليج لأنها مصادر لرأس المال وأسواق لتصدير أشباه الموصلات والأسلحة، وتشكل عنصراً أساسياً في منظومة الطاقة العالمية، وتلك الدول بالنسبة إليه أطراف يمكنه عقد الصفقات معها.
وقد رد أمراء وملوك العرب على ذلك بتعاون مماثل، فبناء على طلب ترمب وقعت البحرين والإمارات العربية المتحدة "اتفاقات أبراهام" عام 2020 لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، ولا تزال السعودية خارج هذه الاتفاقات، أما قطر فتميل إلى مغازلة القوى الإسلامية، لكنها لا تزال تستضيف قاعدة عسكرية أميركية كبيرة، ولعبت دوراً أساساً في صياغة الهدنة في غزة، وجميع هذه الدول داخلة في تعاملات مالية مع عائلة ترمب، وفي تلك المنطقة من العالم تتشابك الثروات الشخصية مع الثروات الوطنية، وغالباً ما تكون الخطوط الفاصلة بين التجارة والدبلوماسية ضبابية، وهذا هو بالضبط ما تفضله النخب الخليجية.
سياسة العصا الغليظة
منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 تعاملت الإدارات الأميركية المتعاقبة مع النظام الإيراني ليس بصفته كياناً موحداً، بل كدولة تدار عبر فصائل متنافسة على السلطة، بعضها عرضة لتأثير النفوذ الأميركي، ولذلك جعل عدد من الرؤساء من دعم المعتدلين في إيران محوراً أساساً في أجندتهم، وقد بلغت هذه الجهود ذروتها خلال إدارة أوباما التي سعت إلى دبلوماسية الحد من التسلح على أمل تمكين الجهات الأكثر عقلانية واعتدالاً داخل إيران، وأسفرت تلك الجهود عن الاتفاق النووي لعام 2015، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، وقد وافقت إيران بموجبه على الحد من تخصيب اليورانيوم وقبول زيادة الرقابة الدولية في مقابل تخفيف العقوبات.
لكن هذا النهج قائم على افتراض خاطئ، فمع أن المسؤولين الإيرانيين قد لا يتبنون وجهات النظر نفسها إلا أنهم جميعاً يشتركون في كراهية الولايات المتحدة، إذ تُعد معاداة أميركا الرابط الذي يشد أواصر النظام، ولذلك لم تكن إيران لتقبل بأي اتفاق إلا بعد اعتراف واشنطن بحقها في التخصيب المحلي، ونصّ الاتفاق على إمكانية انتقال إيران إلى التخصيب على نطاق صناعي بعد انتهاء صلاحية بنود مختلفة. وفي الوقت نفسه، استخدم أصحاب النفوذ في النظام العوائد الاقتصادية الناجمة عن تخفيف العقوبات لتمويل الإرهاب في الخارج والقمع في الداخل.
يمارس ترمب السياسة من دون إصدار أحكام على من يتعامل معهم
وبدلاً من ذلك فإن أفضل طريقة لتحقيق نتائج مع طهران هي استخدام القوة، فعقب اقتحام السفارة الأميركية عام 1979، على سبيل المثال، هدد الثوار الإيرانيون بمحاكمة الدبلوماسيين الأميركيين المحتجزين، ورداً على ذلك أرسل الرئيس الأميركي جيمي كارتر رسالة خاصة إلى إيران مفادها أنه إذا أقدمت على إيذاء الرهائن فإن واشنطن سترد، وسرعان ما توقفت طهران عن الحديث عن محاكمات علنية، وبعد عقدين من الزمن، حين غزا بوش العراق وهدد إيران، أوقف النظام الإيراني برنامجه النووي إلى أن غرقت الولايات المتحدة في مستنقع العراق، فاستأنفت إيران حينذاك برنامجها النووي بقوة أكبر.
عندما يتعلق الأمر بإيران كانت التهديدات في السياسة الأميركية الاستثناء لا القاعدة، والمفارقة في نهج الولايات المتحدة تجاه طهران أن واشنطن لم تتعلم من دروس نجاحها السابق، غير أن ترمب كان الاستثناء، فخلال ولايته الأولى نسف الاتفاق النووي وأعاد فرض عقوبات مدمرة على إيران، وقد أدرك بصورة صحيحة أن الاتفاق لم يكن حاجزاً متيناً أمام الانتشار النووي الإيراني، وأن مكاسبه لطهران كانت أكبر بكثير من مكاسبه لواشنطن، ثم أمر ترمب باغتيال القائد الأسطوري لفيلق القدس الإيراني الجنرال قاسم سليماني الذي كان قد نسج جيشاً عابراً للحدود من الوكلاء والإرهابيين، ينفذ أوامر إيران في جميع أنحاء المنطقة، وخلافاً لتوقعات بعض الذين حذروا من اندلاع حرب أكبر، أدى اغتيال سليماني إلى تراجع قدرات وكلاء إيران بصورة دائمة، ففي عام 2011، عندما اندلعت الحرب الأهلية السورية، لعب سليماني دوراً محورياً في تنظيم الدفاعات السورية وحشد قوة مساعدة قوامها نحو 70 ألف مقاتل لإنقاذ نظام الرئيس بشار الأسد، لكن بعد مقتل سليماني أصبح الجيش السوري هشاً وفي النهاية فقد قدرته على القتال تماماً، وعندما بدأت قوات الشرع المتمردة تقدمها من الشمال في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، فرت القوات السورية من مواقعها وسقطت دمشق في أقل من أسبوعين.
ولكن ربما كان أكبر إنجازات ترمب هو ضربات يونيو (حزيران) 2025 على المنشآت النووية الإيرانية، فعلى مدى عقدين أصر كثير من صناع السياسات والمحللين على أن مهاجمة البرنامج النووي الإيراني ستؤدي إلى اندلاع حرب إقليمية، ونتيجة لذلك لم يكتفوا برفض شن الهجمات الأميركية بل منعوا أيضاً الهجمات الإسرائيلية، فقد أرادت إسرائيل مهاجمة المنشآت النووية خلال عهد أوباما لكنها جوبهت بالرفض، غير أن ترمب منح الإسرائيليين الضوء الأخضر ثم انضم إليهم عندما بدا أن الأمور تسير على ما يرام، وتباهى لاحقاً قائلاً "لم يجرؤ أي رئيس على فعل ذلك لكنني فعلتها".
وهم حل الدولتين
على مدى عقود دفع المسؤولون الأميركيون باتجاه إقامة دولة فلسطينية مستقلة، فقد أكدوا أن حل الدولتين ضروري لتحقيق السلام في الشرق الأوسط ودمج إسرائيل في المنطقة، وكان بوش أول رئيس يدعو رسمياً إلى دولة فلسطينية مستقلة في يونيو 2002 خلال الفترة التي سبقت حرب العراق، وواصل أوباما هذه الجهود فكان وزير خارجيته جون كيري يقوم بزيارات مكوكية بين إسرائيل والضفة الغربية، كما أيد بايدن هذا الطرح حتى بعد هجمات السابع من أكتوبر 2023، لكن هذه المحاولات لم تفض إلى شيء، وقد أدت مساعي بوش إلى عقد قمة لم ينجم عنها شيء يُذكر، وتمكن أوباما من تحقيق تجميد جزئي ومؤقت للاستيطان لا أكثر، أما جهود بايدن فكانت في معظمها خطابية بحتة تبدو وكأنها مصممة لحمايته من ردود فعل الليبراليين العنيفة، بينما كان يبيع لإسرائيل كل سلاح يمكنه بيعه ويحميها من الانتقادات والضغوط محلياً ودولياً، والنتيجة النهائية لمساعي واشنطن المتعلقة بحل الدولتين ليست أكثر من مجموعة مذكرات تتحسر على سلام ضائع.
ومنذ البداية كان هناك شيء غير واقعي في فكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة، فقد كان القادة الفلسطينيون يحاولون على طاولة المفاوضات استعادة ما خسروه في الحروب التي بدأوها هم وحلفاؤهم العرب مراراً، والتاريخ نادراً ما يُكافئ مثل هذا العناد، ومع ذلك استطاع الفلسطينيون إقناع إسرائيل في مراحل مختلفة بالتخلي عن غزة وأجزاء من الضفة الغربية التي سيطرت عليها عام 1967 في مقابل الاعتراف بإسرائيل وبعض التنازلات الإقليمية، لكن هذه التنازلات لم تكن كافية يوماً بالنسبة إلى القادة الفلسطينيين، فيما ازدادت المواقف الإسرائيلية صلابة مع مرور الزمن واستمرار الهجمات الإرهابية التي يشنها المسلحون الفلسطينيون.
تكمن مأساة الشعب الفلسطيني في أن قادته غارقون جداً في سردية الحزن والخسارة إلى درجة تمنعهم من قبول أية تسوية قبل أن تتضاءل خياراتهم أكثر فأكثر، ولا يزال وهم حل الدولتين يحظى بدعم واسع داخل المؤسسة التقليدية للسياسة الخارجية في واشنطن لكن ليس لدى ترمب، فهذا الرئيس لا يُعير اهتماماً كبيراً للفاعلين دون مستوى الدولة، وهو يدرك أن إسرائيل لا تنوي التنازل عن الأراضي ولا ينبغي مطالبتها بذلك، كما فهم أن حكومات عربية عدة تُدرك هذه الحقيقة، ومن هذا المنطلق استطاع التوسط في "اتفاقات أبراهام" ضمن خطوة فاجأت كثيراً من المحللين، وقد تمسكت الدول العربية الموقعة بهذه الاتفاقات حتى خلال الهجوم الإسرائيلي على غزة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومع ذلك يدرك ترمب أن منح إسرائيل شيكاً على بياض أمر غير حكيم، فقد راعى اعتبارات القادة العرب المرتبطة بصورتهم أمام شعوبهم وحذر إسرائيل من ضم الضفة الغربية، وإن سمح لها في الوقت نفسه بتوسيع مستوطناتها تدريجياً، ونجح في دفع إسرائيل إلى توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، وكان ترمب قادراً على ممارسة هذا النفوذ لكونه أحد أكثر السياسيين شعبية في إسرائيل، ولعلاقته الوطيدة مع الملوك العرب الذين تمكنوا بدورهم من الضغط على "حماس"، وإضافة إلى ذلك كان ترمب مستعداً أيضاً لكسر القاعدة غير المكتوبة في واشنطن والتي تمنع التعامل المباشر مع "حماس"، مما ساعده في تأمين وقف إطلاق النار.
صناع الفوضى
لقد نجح ترمب في تهدئة الشرق الأوسط لكنه لم يصلحه، وعلى رغم ادعاءاته لم يتحقق السلام في الأراضي المقدسة ولم يدمر البرنامج النووي الإيراني، ولا يزال العالم العربي يعاني خللاً سياسياً، وفي منطقة كثيراً ما تسير فيها الأمور على نحو خاطئ، لا تزال أمور كثيرة عرضة للانهيار، ولننظر مثلاً إلى وقف إطلاق النار الأخير، فاتفاقات الهدنة في الشرق الأوسط دائماً ما تكون هشة، وتلك التي تفاوض عليها مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رون ديرمر، ومبعوث ترمب المتعدد المهمات، ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر، لن تكون استثناء، فلا يزال كل من "حماس" وإسرائيل ميالاً إلى الضغط على الطرف الآخر عسكرياً متى سنحت الفرصة، ولا يتطرق الاتفاق إلى مسألة توسع المستوطنات الإسرائيلية، ولهذا فمن المرجح أن تظل الخطة المكونة من 20 نقطة لنزع سلاح "حماس" وإعادة إعمار غزة وتمهيد الطريق لإقامة دولة فلسطينية حبراً على ورق، فمن الصعب تصور دخول قوة متعددة الجنسيات من القوات العربية إلى غزة والقضاء على فلول "حماس" العنيفة المصممة على مواصلة القتال، بحسب ما تدعو إليه الخطة، بل من المرجح أن تبقى غزة جرحاً متقيحاً ومخيماً للاجئين مكتظاً بالسكان يعيش على المساعدات الغذائية من وكالات الإغاثة الإنسانية، وستتحمل القوات الإسرائيلية العبء الأكبر من المسؤوليات الأمنية فتُسير دوريات في مناطق منزوعة السلاح وتشن غارات جوية بين حين وآخر ضد التهديدات المستجدة، وفي الوقت نفسه قد يعود التحدي النووي الإيراني للواجهة من جديد، فالقيادة الدينية الحاكمة في إيران في حال من الصدمة ولا تزال تحاول أن تفهم كيف خُرقت دفاعاتها وجهاز استخباراتها، وستسعى إلى تصفية حسابات داخلية وتهميش المرشد الأعلى علي خامنئي الذي اتخذ قرارات كارثية في تقدير قوة إسرائيل، وهو الآن في حال ضعف جسدي، وعلى رغم أن النظام سيتوارى لبعض الوقت فإنه ينتظر اللحظة التي تنشغل فيها الولايات المتحدة بأزمات أخرى وتفقد فيها إسرائيل تركيزها، وعندئذ سيستأنف برنامجه النووي بنشاط كبير.
النتيجة النهائية لمساعي واشنطن المتعلقة بحل الدولتين ليست أكثر من رزمة مذكرات تتحسر على سلام ضائع
يجب على واشنطن أن تكون مستعدة للرد بالهجمات، فأهم نتيجة طويلة الأمد للحرب التي استمرت 12 يوماً بين طهران وإسرائيل (ثم الولايات المتحدة لاحقاً)، هي أن التدخل العسكري أصبح الآن أداة منع الانتشار النووي في إيران، ومن الصعب تخيل أن يضع النظام ثقته في اتفاقات يمكن التراجع عنها أو مؤسسات دولية مثل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، يمكن إخضاعها بسهولة لإرادة واشنطن، ويبدو أن إسرائيل تدرك أن هذا هو الوضع الطبيعي الجديد وتعلم أنه لا يوجد نصر دائم في الشرق الأوسط، ولهذا السبب يُطلق على عقيدتها في التعامل مع الخصوم اسم "جز العشب"، لكن من غير الواضح ما إذا كان ترمب يدرك الحقيقة نفسها، فبدلاً من الاستمرار في تهديد طهران أعلن الرئيس النصر ودعا الإيرانيين إلى المفاوضات، وربما ينجح ترمب في هذا النهج، فعدم القدرة على التنبؤ بتصرفاته وعدوانية نتنياهو سيكبحان من طموحات الملالي النووية خلال الوقت الراهن، لكنه على الأرجح حمّل خلفاءه عبئاً ثقيلاً في التعامل مع إيران، وقد لا يكون أمامهم خيار سوى قصف البلاد مرة أخرى.
ويأمل بعض المحللين بأن يختفي البرنامج النووي الإيراني من تلقاء نفسه عندما ينهار النظام في نهاية المطاف، لكن حرب إيران مع إسرائيل والولايات المتحدة تشير إلى أن الجمهورية الإسلامية، وعلى رغم إخفاقاتها الداخلية الهائلة، أكثر صلابة مما يعتقد كثيرون، فقد تمكنت إسرائيل من إضعاف وكلاء إيران بسرعة، بما في ذلك "حزب الله" الذي لطالما قُدم كقوة كاسرة للتوازن في لبنان، ومع ذلك عندما ناشد نتنياهو الشعب الإيراني للنهوض والإطاحة بنظامه في لحظة ضعف شديد، لم يترتب على ذلك أي تحرك يُذكر، بل توحدت النخب الإيرانية المتناحرة وبقي الجمهور في موقع المتفرج، فالجمهورية الإيرانية مشكلة تجب إدارتها لا تمني زوالها.
الشرق الأوسط كما هو
لا شيء من هذا يعني أن الشرق الأوسط لا يمكن تحسينه، فالحوكمة الضعيفة والتدهور المؤسساتي وتفشي التدهور البيئي لا تزال مشكلات متجذرة في المنطقة، وتدرك النخب الحاكمة العربية أنها تُدير منطقة يعصف بها الفساد والخلل الوظيفي، وشغفهم بالسلطة غالباً ما يعميهم عن رؤية السخط الشعبي المتنامي، ولا تستطيع الولايات المتحدة إقناع هؤلاء القادة أو إجبارهم على الحكم بأسلوب أكثر استنارة، لكن لا يزال بإمكانها تشجيعهم على توسيع المشاركة السياسية وإصلاح اقتصاداتهم.
لكن أية محادثات أو جهود من هذا النوع يجب أن تكون حذرة ومحدودة، فالشرق الأوسط في نهاية المطاف ليس مكاناً للمثالية والطموحات النبيلة، بل هو مكان للقوة والواقعية مما يجعله مثالياً لهذا الرئيس الأميركي، ففي الوقت الحالي يستمر تدفق النفط وقد تضاءل التهديد الإيراني وهدأ القتال في غزة ولا توجد اضطرابات كبيرة، وفي منطقة تعرف في الأساس بالفوضى تعد هذه إنجازات بالغة الأهمية.
مترجم عن "فورين أفيرز" 4 ديسمبر (كانون الأول) 2025
راي تقية هو زميل أول في مجلس العلاقات الخارجية ومؤلف كتاب "الشاه الأخير: أميركا وإيران وسقوط السلالة البهلوية"The Last Shah: America, Iran, and the Fall of the Pahlavi Dynasty.