Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"شلالات ايغوازو" ينقطع عن ينابيع السينما الارجنتينية

فيلم يواجه سقوط العلاقة بين الأب وابنه ويعرض على منصة "نتفليكس"

العلاقة بين الأب والإبن في فيلم "شلالات إيغوازو" (نتفليكس)

ملخص

عندما يهم المرء بمشاهدة فيلم أرجنتيني، فإن تصوراً محملاً بالذكريات والخبرات السابقة يجعله يفترض أن يكون الفيلم مثيراً وجذاباً ومتقناً، لأن أرشيف السينما الأرجنتينية يعد الأرقى على مستوى القارة اللاتينية التي طورت، بلا ريب، الذائقة، وارتقت بالخيال، وحصدت جوائز عالمية كبرى.

لا تفارق ذاكرة عشاق الفن السابع، أفلام أرجنتينية قدمت مسحاً سوسيولوجياً لهذا البلد الذي مر بانعطافات حادة، وتحولات عميقة في بنية المجتمع، ومزقته السياسة والأيديولوجيا، لكن لم يتم التعاطي مع هذه القضايا من زاوية تاريخية، بل من منظار تحليلي وتشريحي ظل يتسلل ويبث من خلال معالجة جمالية ثاقبة وحكيمة.

أفلام أوسكارية

بعض هذه الأفلام حصدت جوائز أوسكار، مثل "السر في عيونهم" (El Secreto de Sus Ojos) وهو فيلم درامي من إخراج خوان خوسيه كامبانيلا، ويتناول العدالة والذاكرة والحب من خلال تحقيق في جريمة قتل امتد لعقود. وحصل الفيلم على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية لعام 2010، وهو ليس الوحيد الذي استحق الجوائز.

ومن الأفلام الأرجنتينية التي رشحت للأوسكار "حكايات برية" أو "حكايات جامحة" (Relatos salvajes) وصدر 2014، من تأليف وإخراج داميان زيفرون. ويقدم فكرته في إطار الكوميديا السوداء والسخرية الاجتماعية الحادة، وينظر إليه في الأرجنتين باعتباره فخر السينما وألمع إنتاجاتها.

ومن أفلام السخرية السوداء أيضاً، فيلم "الملكات التسع" أو "نويفي ريناس" (Nueve Reinas) الصادر عام 2000 من تأليف وإخراج فابيان بيلينسكي. ويتتبع اثنين من المحتالين على مدار 24 ساعة في بوينس آيرس أثناء محاولتهما خداع رجل أعمال بطوابع نادرة مزيفة.

وتشتهر السينما الأرجنتينية بالتشويق والإثارة، لكن مقادير هاتين الميزتين تقدم بمهارة سباك صارم، كما تجلى في فيلم "العشيرة" (El clan)، وهذا ما غاب عن فيلم (The Giant Falls) 2026 الذي نحن في صدد معاينته فنياً. ففي فيلم "العشيرة" الصادر عام 2015 من إخراج بابلو ترابيرو، يدخل المشاهد في أحداث حقيقية أبطالها عائلة بوتشيو، التي اختطفت وقتلت أفراداً أثرياء في بوينس آيرس خلال أوائل الثمانينيات.

الأولوية للجمال

عرض فيلم "العشيرة" للمرة الأولى في مهرجان البندقية السينمائي الدولي عام 2015، حيث فاز ترابيرو بجائزة الأسد الفضي لأفضل مخرج، أصبح واحداً من أكثر الأفلام ربحاً في الأرجنتين في ذلك العام. وأشاد النقاد بتصوير الفيلم الجذاب للانحلال الأخلاقي داخل الأسرة تحت ظل الديكتاتورية، كما يقول الكاتب والمدون الأرجنتيني لويز كار دي أولميدو.

الأفلام الأرجنتينية ذات القيمة الفنية العالية كثيرة، ويكفي أن نذكر، علاوة عما سلف بالأفلام التالية، التي أنجزت خلال العقود الأخيرة، ففي عام 1985 صدر فيلم "القصة الرسمية" أو "التاريخ الرسمي"  (La historia oficial) الذي أخرجه لويس بوينسو بعدة جوائز من أهمها جائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية. ويعالج الفيلم موضوعات الاختفاء القسري والديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين، خلال ثمانينيات القرن الـ20، عبر قصة زوجين أرجنتينيين يصطدمان بحقيقة كون ابنتهما المتبناة هي مختطفة من أم معتقلة سياسية.

منارات مضيئة

وفي عام 1985 أيضاً صدر فيلم "في انتظار الجنازة" (Esperando la carroza) الذي أخرجه أليخاندرو دوريا، ويعرض في إطار الكوميديا السوداء صراعات عائلية ساخرة. وفي العام التالي 1986 صدر فيلم "رجل ينظر إلى الجنوب الشرقي" (Hombre mirando al sudeste) الذي يتناول في سياق دراما فلسفية رجلاً يدعي أنه من كوكب آخر.

وفي عام 2001 صدر فيلم "ابن العروس" (El hijo de la novia) وهو دراما إنسانية قدمها المخرج خوان خوسيه كامبانيلا، وتحكي عن رجل في الـ40 من عمره، غير راض عن حياته، منفصل عن زوجته، ولا يجد وقتاً لابنته أو صديقته، يضطر إلى إعادة التفكير في حياته عندما يقرر والده الزواج من والدته في الكنيسة، على رغم أنها تعاني مرض ألزهايمر.

وشهد عام 2005 صدور الفيلم "زمن الشجعان" (Tiempo de Valientes) ، وهو من إخراج داميان سيفرون، وجاء في سياق يمزج بين الكوميديا والأكشن، بيد أن عام 2022، شهد صدور الفيلم (Argentina, 1985)، وهو فيلم دراما تاريخي أرجنتيني أميركي من إنتاج وإخراج سانتياجو ميتري، ومن بطولة ريكاردو دارين، خوان بيدرو لانزاني ونورمان بريسكي، وقد عرض الفيلم للمرة الأولى في 2022 خلال مهرجان البندقية السينمائي.

واستأثر الفيلم بحفاوة نقدية واسعة واستقبال جماهيري كبير، وحاز  جائزة "الغولدن غلوب" عن أفضل فيلم أجنبي. كونه يتصدى للحظة معتمة ومؤلمة من تاريخ الأرجنتين حيث انبرى لمقاضاة أكثر الديكتاتوريات العسكرية دموية في البلاد، على رغم كل الصعوبات، وبدا كأنه في سباق مع الزمن لتحقيق العدالة لضحايا المجلس العسكري.

ثقل الفيلموغرافيا

وعلى رغم ثقل الفيلموغرافيا لأبرز محطات السينما الأرجنتينية الحديثة، فإننا آثرنا أن نسهب قليلاً في تناول بعضها، من أجل أن نصل إلى سؤال: كيف أمكن، في حضور هذه المنارات اللامعة أن ينهل فيلم من الرداءة، كما جرى في (The Giant Falls) الذي يمكن ترجمته حرفياً "شلالات إيغوازو"، لكن دلالته العميقة تشير إلى معنى "السقوط"، وهو في الفيلم يومئ إلى انهيار شخصية الأب، أو العلاقة المعقدة بين الأب والابن؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يتناول الفيلم الذي أخرجه ماركوس كارنفالي عام 2026، ويعرض حالياً على منصة "نتفليكس"، قصة "بوريس" (ماتياس ماير)، وهو مرشد سياحي يعمل في شلالات إيغوازو، يلتقي فجأة بوالده "جوليان" (أوسكار مارتينيز) الذي لم يره منذ 28 عاماً. الأب كان غائباً طوال طفولة ابنه بسبب حياته المعقدة، حيث كان يعيش مع عائلتين في مدينتين مختلفتين.

ويمضي المخرج، المعروف بإنتاجاته الغزيرة (18 فيلماً) التي تنحاز إلى المعالجات العاطفية المرتجلة، في تقديم شخصية "بوريس" باعتباره يحمل مشاعر غضب ومرارة شديدة تجاه والده، حيث يرفض في البداية التواصل معه، لكن الأب يصر على محاولة إصلاح العلاقة، مما يؤدي إلى سلسلة من المواجهات العنيفة التي تقود إلى إقدام الابن على الاعتداء على أبيه بوحشية تؤدي به إلى المستشفى وهو في حال خطرة.

ويمثل هذا المشهد حالاً شاذة على المستوى الإنساني والدرامي، وقد اختارها المخرج ليبلغ درجة التطرف القصوى، نُشداناً لأعلى نسبة مشاهدة، ولزيادة مستوى التوتر في الفيلم، لكن هذه اللحظة لم تأت في سياق صعود درامي، ولم تكن مشفوعة بأسباب سلوك الابن بأبيه، وهي على المستوى التربوي تبث مسلكيات سامة، وهو ما لم يع لخطورته صناع الفيلم.

فقدان التبرير الدرامي

وعندما أراد المخرج أن يبرر عنف الابن، مضى يسلك دروباً لا روابط بينها، ولا تبرير جمالياً لصيرورتها، ولا لتحولها الزمني الذي جعل قلب الابن العنيف يرق لوالده، لا سيما عندما علم بإصابته بالسرطان، وأنه يعيش أيامه الأخيرة، مما جعل الابن يصغي لآلام أبيه، ويتقبل رويداً مطالب الغفران التي نزفها الأب، لكن هذه الأحداث في تواليها غير المبرر تتم بسرعة، وبلا مقدمات، كأن الجزء الثالث من الفيلم يلهث من أجل نهاية ممتعة أو مثيرة، وهو ما لم يتحقق في الحالتين.

نهاية الفيلم تتناول الموت والحياة بعد الموت، والكيفية المثلى للموت المريح، في التماعات فلسفية ووجودية لا تتآخى مع الإطار العام للفيلم الذي خضع لاعتبارات غير جمالية، واعتصم برهانات تسويقية جعلت الفيلم منبت الصلة بينابيع السينما الأرجنتينية التي تفجرت في مشاهد الينابيع الطبيعية في الفيلم، لكن ذلك لم ينعكس في المعالجة الإبداعية لهذا العمل المشغول باستعجال وارتجالية. لذا لا ريب أن يكون هذا الفيلم الـ19 في مسيرة المخرج ماركوس كارنفالي.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما