Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التعليم الجزائري "مؤنث" طلابا وأساتذة فما الدلالة؟

وزير التربية يؤكد أن 70 في المئة من المدرسين نساء ومسؤول التعليم العالي يشير إلى أن 62 في المئة من الطلبة إناث

تأنيث قطاع التربية يرجع إلى اعتبارات اجتماعية واقتصادية (مواقع التواصل)

ملخص

يميل قطاع التعليم طبيعياً إلى "الأنثنة" لأسباب عدة أهمها طبيعة المهنة، ولا سيما في الأطوار الأولى، حيث يحتاج الأمر إلى صبر وتعامل خاص، والمجتمع تاريخياً يربط هذه المهارات بالنساء، ثم يأتي الاستقرار الوظيفي، على اعتبار أن التعليم يوفر دواماً منتظماً وعطلاً سنوية وبيئة أقل ضغطاً من قطاعات أخرى، مما يجعله مناسباً لامرأة تبحث عن توازن أسري.

على رغم أنه بات معلوماً في الجزائر تطور حضور المرأة في قطاع العمل مقارنة بالأعوام الماضية، فإن تصريح وزير التربية حول تسجيل 70 في المئة من الأساتذة نساء، أثار أحاديث منفصلة حول الأسباب وكذلك حول مستقبل التعليم، ولا سيما مع الأرقام التي تقدمها الجهات الرسمية بخصوص التسرب المدرسي وتراجع المستوى التعليمي.

عرض وارتفاع لاعتبارات عدة

وأوضح وزير التربية الوطنية محمد صغير سعداوي خلال عرض قدمه أمام لجنة التربية في البرلمان، أن عدد منتسبي القطاع من الموظفين بلغ مليوني و88 ألفاً و782 مستخدماً، من بينهم 630641 أستاذاً يضمنون التأطير التربوي، بينهم 466 ألف أستاذة، أي ما يعادل 70 في المئة من موظفي التعليم، مبرزاً أن هذه النسبة المرتفعة من النساء في القطاع ترتبط باعتبارات عدة، من بينها طبيعة المرحلة التعليمية الأولى التي تتطلب تكفلاً تربوياً قريباً من التلاميذ، مما تتقنه المرأة بصورة كبيرة.

وأضاف سعداوي أن هذه الخصوصية تفرض على القطاع تسييراً مرناً لملفات مرتبطة بحقوق المرأة، على غرار عطلة الأمومة وما يتبعها من تنظيمات داخل المؤسسات التربوية.

أرقام ونسب

وخلال تقديمه معطيات رقمية تخص واقع قطاع التربية في بلاده، أبرز سعداوي أن عدد الأساتذة العاملين في المؤسسات التعليمية العمومية بلغ 630641 أستاذاً عبر مختلف الأطوار التعليمية، في مؤشر يعكس الحجم الكبير لهذا القطاع الحيوي.

ولا يتعلق الارتفاع اللافت في نسبة وجود المرأة بالتعليم فقط، بل أكد المسؤول الأول على قطاع التربية، توظيف 17632 أستاذاً متخصصاً في التربية البدنية لتأطير هذه المادة في الطور الابتدائي، بنسبة 86.7 في المئة ذكور و13.3 في المئة إناث، وهو الاختصاص الذي كان إلى وقت قريب لا يدخل في دائرة اهتمامات العنصر النسوي.

 

وتعكس الأرقام تحولات عميقة في قطاع التربية بين تثمين دور المرأة ودعم التعليم النوعي وضبط مسار التوظيف وفق رؤية تنظيمية جديدة، ما من شأنه أن يؤدي إلى تحسين المنظومة التربوية، ولا سيما أن الجهات الوصية تسعى إلى جعل المدرسة الجزائرية محوراً متكاملاً للتنشئة واكتشاف المواهب وبناء الشخصية المتوازنة للتلميذ، وليس فضاء للتعليم فقط.

موازنة بـ 10.5 في المئة من 135 مليار دولار

يصل العدد الإجمالي للتلاميذ في الجزائر إلى نحو 12 مليون بمختلف الأطوار، مقابل 814 ألفاً فقط مباشرة بعد الاستقلال، مسجلاً نسبة زيادة قدرها 22.26 في المئة خلال الأعوام السبعة الأخيرة، بمعدل نمو سنوي يقارب أربعة في المئة، إضافة إلى التكفل بتمدرس تلاميذ من جنسيات أجنبية وأطفال فلسطينيين وصحراويين في إطار مبدأ "التعليم للجميع".

وأمام هذه التحديات ونظراً إلى المكانة التي تمنحها الحكومة لهذا القطاع الحيوي، خُصصت موازنة كبيرة بلغت 10.5 في المئة من الموازنة الإجمالية للدولة لعام 2026 التي قدرت بـ135 مليار دولار، بارتفاع قدره 8 مليارات دولار عن 2025.

أسباب "أنثنة" القطاع

في السياق، يرى الحقوقي والباحث في الشؤون القانونية محمد عدنان بن مير خلال تصريح إلى "اندبندنت عربية" أن نسبة 70 في المئة من الأساتذة نساء ليست خاصة بالجزائر فقط، بل موجودة في دول كثيرة، وقال إن القطاع يميل طبيعياً إلى "الأنثنة" لأسباب عدة أهمها طبيعة المهنة، ولا سيما خلال الأطوار الأولى، حيث يحتاج الأمر إلى صبر وتعامل خاص، والمجتمع تاريخياً يربط هذه المهارات بالنساء، ثم يأتي الاستقرار الوظيفي على اعتبار أن التعليم يوفر دواماً منتظماً وعطلاً سنوية وبيئة أقل ضغطاً من قطاعات أخرى، مما يجعله مناسباً لامرأة تبحث عن توازن أسري، وثالثاً العزوف الذكوري، إذ إن كثيراً من الرجال يتجهون نحو قطاعات تمنح دخلاً أكبر أو مكانة اجتماعية خاصة مثل الاقتصاد والأمن والهندسة والتجارة بصورة كبيرة، وأخيراً سياسات التوظيف، بما أن نسبة المتخرجات في الجامعات أصلاً أعلى، فمن الطبيعي أن تكون نسبتهن ضمن مسابقات التوظيف أكبر.

ويتابع بن مير أن وجود عدد كبير من النساء في مجال التعليم لا يشكل خطراً على مستقبل القطاع أو الجيل التالي، على اعتبار أن اعتماد جودة التعليم على نوع جنس المربي هو فكرة قديمة وغير دقيقة، وما يهم هو الكفاءة والتكوين والانضباط وجودة البرامج والوسائل، لكن هناك تساؤلات مشروعة لدى بعضهم، بخاصة حول غياب قدوة ذكورية للأطفال في بعض المؤسسات، وضعف التوازن في تمثيل الأدوار الاجتماعية، مما يستدعي رفع جاذبية القطاع للرجال وتحسين ظروف العمل للجميع، وليس تقليل عدد النساء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضح أن التخوف الحقيقي ليس من جنس الأساتذة، بل من ضعف التكوين المستمر وغياب التحفيز واكتظاظ الأقسام، وضعف البرامج وعدم استقرار السياسات التربوية، وغيرها من العوامل التي تحدد مستوى الجيل المقبل، وليس كون الأستاذ رجلاً أو امرأة، مشيراً إلى أن هناك حساسية اجتماعية حين ترتفع نسبة النساء بصورة كبيرة في أي قطاع، فيبدأ التصور أن هناك "اختلالاً"، مع أنه في الحقيقة نتيجة طبيعية لمتغيرات اقتصادية واجتماعية طويلة المدى.

الابتعاد من الجندرية

من جهتها ترى الباحثة في العلوم القانونية والاجتماعية نهاد مزيان أن تأنيث قطاع التربية يرجع إلى اعتبارات اجتماعية واقتصادية، إذ ينظر إلى مهنة التعليم وكأنها خيطت على مقاس المرأة اجتماعياً نظراً إلى ساعات العمل التي تتوافق مع الالتزامات الأسرية، مشيرة إلى أن بيئة التعليم تُعد آمنة مما يجعلها الخيار المرجح لمئات النساء المتخرجات، وأما من الجانب الاقتصادي فهو قطاع يعزف الرجال عن الالتحاق به بسبب تسقيف الرواتب، فيبقى المجال مفتوحاً أمام العنصر النسوي.

 

وتواصل مزيان أنه بات من الضروري الابتعاد من الأسباب الجندرية، وأي جنس كفته أثقل، بل يجب التخوف من جودة ونوعية التكوين، موضحة أن التخوف الحقيقي على جيل المستقبل من المناهج الصلبة والبرامج التعليمية التلقينية التي تخاطب جيل الذكاء الاصطناعي الذي يحتاج إلى برامج تعليميه تفاعلية.

التعليم العالي والبحث العلمي لم يسلما

لم يتوقف "الاقتحام" على التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي فقط، بل لم يسلم مجال التعليم العالي والبحث العلمي من بسط النساء نفوذهن، حيث كشف وزير القطاع عبدالباقي بوزيان عن أن العنصر النسوي يمثل نسبة 42 في المئة من أساتذة الجامعات، وتجاوزت نسبتهن 45 في المئة في ما يتعلق بالبحث العلمي.

وذكر بوزيان أن الجامعة الجزائرية تحصي اليوم نحو مليون و700 ألف طالب، تشكل نسبة الإناث نحو 62 في المئة، يؤطرهم نحو 63500 أستاذ من بينهم أكثر من 27 ألف أستاذة، مضيفاً أن العدد الإجمالي لموظفي القطاع يبلغ نحو 133500 موظف، تشكل نسبة الإناث منهم 44 في المئة، في حين يتجاوز عدد الموظفين بالإدارة المركزية 518 موظفاً، نسبة الإناث منهم 55 في المئة.

وأبرز بوزيان أن المرأة الجزائرية غدت عنصراً محورياً في التعليم العالي، ولا يمكن الحديث عن مجتمع عصري متطور تترسخ فيه مفاهيم المواطنة والحريات بمعزل عما يجب أن يؤول إلى المرأة من حقوق، كذلك "لا يمكن أن نتحدث عن مجتمع تتوازن فيه الحقوق والواجبات وتوظف فيه جميع الطاقات للارتقاء بالمنافع العامة والخاصة إن لم تسهم المرأة فيه".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير