ملخص
هذا التوتر تجلى في مقطع فيديو أثار جدلاً واسعاً يظهر فيه أحد عناصر المجلس من ميدان الشهداء في قلب العاصمة الليبية يتوعد بالرد على إقدام حكومة الدبيبة على تسليم الزبير البكوش إلى واشنطن، وردد أوصافاً تكفيرية مثل "الطواغيت والمرتدين"، مما أثار مخاوف من إقدام عناصر متطرفة على مهاجمة مصالح حكومية بالمدينة.
في تطور جديد بملف أحداث القنصلية الأميركية في مدينة بنغازي عام 2012 التي قتل فيها السفير كريستوفر ستيفنز، بعدما عاد للواجهة بتسلم واشنطن الزبير البكوش أحد أبرز المتهمين في القضية من السلطات الليبية، قبل أيام قليلة، تزامنت تسريبات من مصادر متطابقة عن تنسيق بين الطرفين على جلب مزيد من الأسماء الملاحقة للمحاكمة أمام القضاء الأميركي، مع لقاء لافت في طرابلس جمع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة بجون دبليو برينان، نائب قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم).
سبق هذا اللقاء وتلك الإشاعات معطى لافت آخر حيث نشر مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI) على موقعه الرسمي صوراً جديدة للأشخاص الذين أسهموا في اقتحام القنصلية بعد يوم واحد من تسليم الزبير البكوش، في رسالة فسر مفادها بأن بقية المطلوبين سيأتون إلى المحاكمة على أرضها، عاجلاً أم آجلاً.
ملفات أمنية مشتركة
وناقش اللقاء الذي جمع رئيس حكومة "الوحدة" الليبية بنائب قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، تعزيز التعاون المشترك في مجالات تبادل المعلومات وبناء القدرات، بحسب المكتب الإعلامي للحكومة، بحضور القائم بأعمال السفارة الأميركية جيرمي بيرنت، ووكيل وزارة الدفاع الليبية عبدالسلام الزوبي، ومدير إدارة الاستخبارات العسكرية محمود حمزة.
هذه الزيارة هي الثانية لمسؤول رفيع في "أفريكوم" إلى طرابلس في الأوان الأخيرة، حيث سبق لقائد الأفريكوم داغفين أندرسون أن أدى زيارة مماثلة في بداية ديسمبر (كانون الأول) 2025، أي قبل شهرين فقط من تسليم الزبير البكوش، التقى خلالها رئيس الحكومة عبدالحميد الدبيبة ووكيل وزارة الدفاع عبدالسلام زوبي، ورئيس الأركان العامة "الراحل" محمد الحداد.
وتعد عملية تسليم البكوش إلى واشنطن من قبل السلطات في طرابلس هي الثانية من نوعها في الأعوام الأخيرة، حيث سبقتها عملية تسليم أكثر إثارة للجدل لبوعجيلة المريمي، المتهم بتنفيذ عملية تفجير طائرة أميركية في لوكيربي بإسكتلندا عام 1988 بإيعاز من النظام الليبي السابق بزعامة الرئيس الراحل معمر القذافي.
حنق حلفاء الأمس
تسليم البكوش وتواتر الإشاعات عن آخرين قد يلحقون به قريباً ممن شاركوا في الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي، بالتزامن مع هذا التنسيق الأمني الغامض بين حكومة الدبيبة والإدارة الأمنية التابعة لواشنطن، خلقت توتراً كبيراً في العلاقة بين حكومة الوحدة وثلة من حلفاء الأمس، خصوصاً من التيارات الإسلامية، وعناصر ما كان يعرف بـ"مجلس شورى ثوار بنغازي" وقياداته الذين فروا إلى العاصمة بعد عام 2017، عندما خسروا المعركة ضد قوات الجيش الذي يقوده المشير خليفة حفتر.
هذا التوتر تجلى في مقطع فيديو أثار جدلاً واسعاً يظهر فيه أحد عناصر المجلس من ميدان الشهداء في قلب العاصمة الليبية يتوعد بالرد على إقدام حكومة الدبيبة على تسليم الزبير البكوش إلى واشنطن، وردد أوصافاً تكفيرية مثل "الطواغيت والمرتدين"، مما أثار مخاوف من إقدام عناصر متطرفة على مهاجمة مصالح حكومية بالمدينة، مع الإشارة إلى أنه لم يتسن التأكد من صحة انتماء الشخص المذكور في المقطع لـ"مجلس شورى ثوار بنغازي" لأنه لم يكشف عن هويته.
ومما زاد هذه المخاوف أن جل من نشرت صورهم إدارة الاستخبارات الأميركية هم قادة وشخصيات فاعلة في التيارات الإسلامية ويتوزع غالبهم حالياً بين مدن طرابلس ومصراتة وإسطنبول، واستشعارهم خطر التسليم إلى الولايات المتحدة الأميركية قد يدفعهم إلى اتخاذ أي موقف دفاعي لردع الحكومة عن اتخاذ هذا الإجراء.
كل هذه التطورات فتحت الباب لأسئلة كبيرة عن مستقبل العلاقة بين سلطات طرابلس وبعض حلفاء الأمس من التيارات الإسلامية؟ وهل تشهد تحولاً استراتيجياً، أم أن ما يجري لا يتعدى انحناءة موقتة من الحكومة أمام عاصفة الضغط الآتية من واشنطن لتسليم كل المطلوبين في قضية القنصلية ببنغازي في طرابلس ومصراتة؟
ترتيب جديد للعلاقة
العلاقة بين سلطات طرابلس بمختلف تشكيلاتها منذ 2011 والجماعات الإسلامية المسلحة لم تكن يوماً علاقة تحالف أيديولوجي خالص، بل علاقة توازن مصالح وضرورات أمنية مرحلية، كما يرى الباحث السياسي محمد حركة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأضاف أن العلاقة بين الطرفين دخلت مرحلة جديدة تفرض طبيعتها المتغيرات المحلية والدولية، بعدما مرت بمراحل عدة بدأت بمرحلة الاحتواء والتوظيف حيث اعتمدت الحكومة على التشكيلات المسلحة كأذرع أمنية في ظل غياب مؤسسة عسكرية موحدة ثم مرحلة إعادة الهيكلة والدمج الشكلي ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، مع بقاء ولاءاتها المركبة.
هذه العلاقة الآن دخلت مرحلة إعادة ترتيب، بحسب حركة، يمكن وصفها بـ"مرحلة إعادة التموضع" حيث مع تزايد الانخراط الدولي في الملف الليبي، أصبح ملف مكافحة الإرهاب أحد المعايير الأساسية لكسب الاعتراف والدعم الخارجي، لذا إن صحت الأنباء عن نية الحكومة تسليم شخصيات مطلوبة لواشنطن، فهذا قد يعكس تحولاً في موازين الأولويات تماشياً مع المتغيرات المحلية والدولية.
إعادة هندسة المواقف
أما الإعلامي الليبي عمر الجروشي فيعتقد أن التحركات المحتملة لتسليم شخصيات مطلوبة في قضية بنغازي 2012 لا تبدو مجرد استجابة لضغط خارجي، بل قد تعكس تحولاً أعمق في حسابات السلطة بطرابلس بين ضرورات الشرعية الدولية وإعادة هندسة موازين القوى داخلياً، أما التهديدات الصادرة عن بعض المحسوبين على الجماعات الإسلامية، فتبقى حتى اللحظة في إطار التصعيد الإعلامي، ما لم تتبدل معادلات القوة أو تتوسع دائرة الاستهداف.
وقال إنه "من الواضح وجود ضغط أميركي مباشر أو غير مباشر لإغلاق ما تبقى من ملفات مرتبطة بهجوم القنصلية في بنغازي، وفي السياق الدولي الراهن، قد ترى حكومة طرابلس في التعاون الأمني مع واشنطن ورقة لتعزيز موقعها التفاوضي، سواء في مواجهة خصومها المحليين أو في إطار ترتيبات إقليمية أوسع".
مواجهة محتملة
وأشار الجروشي إلى أن "تزامن تداول أنباء التسلم والتسليم بين طرابلس وواشنطن لشخصيات مطلوبة وملاحقة من الأخيرة مع انتشار مقطع فيديو ينسب إلى أحد المنتمين إلى جماعات إسلامية في طرابلس، يتوعد فيه حكومة الدبيبة بالانتقام على خلفية تسليم الزبير البكوش، مؤشر مقلق على احتمال انزلاق العاصمة إلى موجة عنف جديدة".
لكنه يرى أن قراءة متأنية للسلوك السياسي للجماعات المسلحة في طرابلس خلال الأعوام الماضية تشير إلى أن التهديد العلني لا يفضي بالضرورة إلى مواجهة مفتوحة، ففي معظم الأزمات السابقة، جرى احتواء التوتر عبر قنوات تفاوض غير معلنة، تفضي إلى تسويات تحفظ ماء وجه جميع الأطراف.
وتابع "يبقى العامل الحاسم هنا هو موقف بقية التشكيلات المسلحة المؤثرة، فإذا ما التزمت هذه التشكيلات الحياد أو أبدت دعماً ضمنياً للحكومة، فإن احتمالات التصعيد الواسع تتراجع، أما إذا تشكل اصطفاف مضاد، فقد يتحول الملف من قضية تسليم أفراد إلى أزمة توازن قوى داخل العاصمة".
وخلص إلى أنه "من الباكر الجزم بأننا أمام نهاية كاملة لمرحلة التفاهم بين السلطة وبعض الجماعات الإسلامية، الأرجح أننا أمام عملية إعادة تعريف للعلاقة، تنتقل من شراكة مفتوحة إلى علاقة أكثر تقنيناً، تخضع الفاعلين المسلحين لاعتبارات الشرعية الدولية".