Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قبل الموناليزا... تجربة دا فنشي الأولى في رسم الإنسان

خطوة أساسية من الفنان للإجابة عن سؤال أساس حول جعل البورتريه تعبيراً عن الروح

ليوناردو دا فنشي (1452 – 1519) - (غيتي)

ملخص

لوحة "الحسناء فيريرونيير" لليوناردو دا فنشي ليست مجرد بورتريه نسائي تقليدي، بل دراسة عميقة للعلاقة بين الجسد والروح، حين تتحول الملامح إلى تعبير عن حالات نفسية وتأمل داخلي.

مهما كان من شأن المظهر الذي تتخذه هذه اللوحة، التي تحمل كالعادة لدى ليوناردو دا فنشي اسمين، أولهما "بورتريه امرأة"، والثاني "الحسناء فيريرونيير" - من دون أن يكون هو واضع أي من الاسمين - ومهما كانت غوامضها فإن الدراسات الأكثر جدية - التي لا يتمحور اهتمامها كالعادة في المقارنة، جمالياً وربما روحياً أيضاً بين هذه اللوحة و"الموناليزا" - تتجه عادة لأن تخبرنا بأن الرسام إنما أراد، من دون ريب، من خلال رسمها أن يخطو خطوات أخرى إلى الأمام في "رغبته" بالتعبير عن "حراكات الروح"، وذلك من خلال اندفاعات شديدة الرهافة للجسد، كما من خلال موديل يرسمه يتبدى لديه هنا في جلسته الواثقة، ومن جديد، شديد الدلالة محملاً بالمعاني، بل لعل في وسعنا أن نقول إن العناصر التشكيلية، الخطوط ولكن الألوان بخاصة، تؤدي هنا دوراً ندر أن أدته ملونة ليوناردو بمثل هذه القوة في أي من لوحاته السابقة على هذه اللوحة، وهو ما يتجلى لدينا أشد ما يتجلى من خلال لجوئه إلى عدد محدود من الألوان، وأكثر من ذلك إلى أسلوب يبدّي الضوء والظل على أي استعمال آخر، بحيث تصبح اللعبة الفنية هنا خاضعة لذبذبات داخلية ستبدو في نهاية الأمر وكأنها نشيد خاص لتمجيد نوع أكثر خصوصية من الجمال. ولعل أغرب ما في هذا الأمر هنا هو أن الرسام يبدو شديد الحرص على جعل نظرة حسنائه المباشرة إلى من يتفرج على اللوحة، أكثر وضوحاً من أية نظرة أخرى من تلك التي اعتادت شخوص لوحات الفنان نفسه أن تمتلئ بها.

بيان فلسفي إنساني

ومع ذلك كله، تبدو لوحة "الحسناء فيريرونيير" لليوناردو دا فنشي، للوهلة الأولى، بورتريهاً نسائياً تقليدياً من أواخر القرن الـ15. امرأة شابة، نصف جسدها ظاهر، رأسها مائل قليلاً، نظرتها متجهة نحو المتلقي، شعرها مشدود بعناية تحت غطاء رقيق، وعلى جبينها شريط معدني دقيق هو ما منح اللوحة اسمها الشائع، غير أن هذه البساطة الظاهرية سرعان ما تنقلب إلى شبكة معقّدة من الأسئلة: من هذه المرأة؟ ماذا تقول نظرتها؟ وكيف يحوّل ليوناردو وجهاً فردياً إلى بيان فلسفي عن الإنسان؟ رُسمت هذه اللوحة على الأرجح بين عامي 1490 و1496 (مع فرضيات تؤخر رسمها حتى العامين 1495 – 1499). وفي الفرضيتين ثمة تأكيد أن إنجازها استغرق ما يقارب الأعوام الخمسة، من دون أن يكون في مقاييسها – 63 سم ارتفاعاً و45 سم عرضاً – مما يبرر ذلك من الناحية التقنية، وسندرك بعد سطور أن ثمة في اللوحة المعلقة في متحف اللوفر، ضروب غموض أخرى لا تقل أهمية. رسمت هذه اللوحة إذاً، خلال إقامة ليوناردو في ميلانو في بلاط لودوفيكو سفورزا، وهي تنتمي إلى المرحلة التي بلغ فيها الفنان ذروة نضجه التقني والفكري، إذ لم يعد البورتريه مجرد تسجيل ملامح، بل صار مساحة لاختبار العلاقة بين الداخل والخارج، بين النفس والجسد.

 

بين الهوية والغموض

لم يُحسم حتى اليوم اسم المرأة المصوَّرة، طُرحت فرضيات عدة: زوجة أحد نبلاء ميلانو، أو عشيقة الدوق (وفي هذه الحال ستكون السيدة، لوكريزيا كلايفيللي التي كانت واحدة من أحب عشيقات لودفيغو سفورزا إلى قلبه، بل حتى إلى عقله لفرط ذكائها واتساع ثقافتها، وهما الأمران اللذان لا شك أن ليوناردو قد صرف وقتاً طويلاً للتعبير عنهما)، أو سيدة أخرى تنتمي إلى الطبقة الأرستقراطية، لكن اللافت أن ليوناردو — بخلاف معظم رسامي عصره — لا يمنحنا إشارات اجتماعية واضحة: لا خلفية معمارية، لا رموز مكانة، لا مجوهرات فاخرة، كل ما لدينا هو وجه، وهنا يكمن جوهر اللوحة: إنها لا تسعى إلى تثبيت هوية اجتماعية بقدر ما تبحث عن هوية إنسانية. المرأة هنا ليست "شخصاً" بقدر ما هي "حضور". النظرة المباشرة، المائلة قليلاً، تخلق علاقة شبه حوارية مع المشاهد، كأنها على وشك الكلام، أو كأنها تخفي فكرة لم تُفصح عنها. ونعرف على أية حال أن هذا التعليق بين البوح والكتمان هو سمة ليوناردوية خالصة، ولعل هذا ما ينقلنا بصورة مباشرة إلى ما يمكننا أن نسميه، هندسة النظرة، إذ من الناحية التكوينية، يعتمد ليوناردو على بناء هرمي مستقر: الرأس في القمة، والكتفين في القاعدة، لكن هذه الصرامة الهندسية تُكسَر بانعطافة خفيفة في العنق وباختلاف اتجاه العينين عن محور الجسد. هذا الانزياح البسيط يضخّ حياة داخل الشكل، ويمنع تحجّره، تقنية الـsfumato — ذلك التدرج الضبابي بين الظل والنور — تظهر هنا بوضوح في الانتقالات الناعمة حول الخدين والفم والعينين. لا خطوط حادة، بل ذوبان مستمر للأشكال في الضوء، الوجه يبدو كأنه يطفو خارج الزمن.

من الملامح إلى الحالات

ليوناردو لا يرسم ملامح، بل يرسم حالات، ومن هذه الحالات أن الجبين يحتل مساحة واسعة نسبياً، وهو أمر مقصود. في ثقافة النهضة، كان الجبين العالي علامة على الذكاء والسمو العقلي. الشريط المعدني (الفيرونيير) لا يعمل فقط كزينة، بل كخط أفقي يقسّم الوجه بين فضاء التفكير وفضاء الإحساس، كأن ليوناردو يضع العقل في مواجهة العاطفة، أما الفم — المغلق بإحكام — فيحمل صرامة طفيفة، توحي باستقلالية الشخصية وربما ببرود أرستقراطي. إنها ليست ابتسامة الموناليزا المراوغة، بل كتمان أكثر وضوحاً، أقرب إلى التحدي الصامت. الجسد كامتداد للروح، كما الثوب الداكن الخالي من الزخرفة يوجّهان الانتباه كلياً إلى الوجه. الصدر محجوب، الكتفان ثابتتان، وكل الحركة متركزة في الرأس. هذا الاقتصاد في التفاصيل يعكس، كما يرى كبار دارسي فن ليوناردو ومنهم سيرج براملي وبخاصة دانيال آراس، فلسفة ليوناردو: "الجسد ليس مسرح الاستعراض، بل وعاء النفس"، حتى الخلفية — سوداء تقريباً — لا تقدّم أي سياق يشرح لنا المكانة التراتبية التي تشغلها هذه السيدة في المجتمع، أو حتى في حياة ليوناردو دافنشي نفسه، إذا شئتم. المرأة معلّقة في فراغ وجودي، كما لو أنها خرجت لتوّها من العدم، أو ستعود إليه بعد لحظة. ولعل في مقدورنا أن نوافق هنا على أن هذه اللوحة، وفي هذا المضمار بالذات، تبدو وكأنها إرهاص بالأسلوب الذي من خلاله سيصور ليوناردو خلال المرحلة التالية من مساره المهني، أي بعد أعوام عدة، وفي فلورنسا هذه المرة، المرأة بصورة أكثر عمومية ولكن تلك المرة من خلال السيدة ليزا ديل جوكوندو التي ستعرف بـ"الموناليزا" وتضحى أشهر امرأة رسمت في تاريخ الفن النهضوي!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

صورة للإنسان الحديث

ومهما يكن من أمر هنا، وفي عودة بالطبع إلى اللوحة التي نحن في صددها، لا بد من أن نرى أن ما يميّز "الحسناء فيريرونيير" عن معظم بورتريهات عصرها، هو بعدها التأملي، إذ إن ليوناردو، (ودائماً بحسب دارسي أعماله ومنهم دانيال آراس طبعاً) ليوناردو، العالم قبل أن يكون رساماً، يتعامل مع الوجه كبنية تشريحية ونفسية في آن، وهذا ما يمكننا من أن نرى أن هذه اللوحة بالذات، ومهما كان من شأن قدر الجمال الماثل فيها الذي لا يمكن أحداً من أن ينكره، ليست فقط احتفاءً بالجمال بقدر ما هي دراسة في الوعي، فنحن لا نُفتن بالمرأة لأنّها جميلة، بل لأننا نشعر أنها تفكّر. وهنا يلتقي الفن بالفلسفة: الفرد - هذه المرأة هنا -، يتحول إلى نموذج للإنسان الحديث، ذلك الكائن الذي يراقب نفسه ويعرف أنه مراقَب. وذلك في سياق مشروع ليوناردو الأكبر حيث إذا وضعنا اللوحة إلى جانب "الموناليزا" أو "سيدة مع قاقم"، نلاحظ أن ليوناردو كان مشغولاً، خلال هذه المرحلة، بسؤال واحد: كيف يمكن للوحة صامتة أن تنقل حياة داخلية؟ فهلا لاحظنا بالتالي كيف أن ثمة هنا على أية حال، نظرة ربما يكون في وسعها وبأكثر من أي عنصر آخر، أن تعطينا ما سيمكننا اعتباره جواباً حاسماً عن السؤال. الجواب الذي للوصول إليه احتاج ليوناردو (وقد استبدت به رغبته في أن يعبر عن مشاغل خاصة به ليس من الإنصاف اعتبارها تتعلق بكون الموديل المرسوم، امرأة بصورة خاصة) إلى كل تلك الأعوام كي يضعها ألواناً وخطوطاً، ولكن روحاً قبل أي شيء آخر، على مسطح لوحته. باختصار، "الحسناء فيريرونيير" تمثل محطة أساسية في مشروع الرسام العالم الكبير هذا. مشروع يقوم على تجربة مبكرة في جعل البورتريه مساحة للتفكير الوجودي، لا مجرد سجل اجتماعي.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة