Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"التجريدة" رواية الوجه العنفي من حكم الخديوي إسماعيل

أحمد الشريف يستعيد الإرث المأسوي الناجم عن ثورات الصعيد

مصر في فترة حكم الخديوي إسماعيل (وزراة السياحة المصرية)

ملخص

ترصد رواية "التجريدة: ثورة الصعيد المقدسة"، للمصري أحمد إبراهيم الشريف، تاريخاً من عنف السلطة، عبر سرد متعدد الأصوات يستعيد إبادة قرية قاو، في عهد الخديوي إسماعيل التي امتدت من 1863 إلى 1879.

ترصد رواية "التجريدة: ثورة الصعيد المقدسة" (دار الربيع 2026) لأحمد إبراهيم الشريف، جريمة تدمير قرية الفاو، التابعة لمحافظة أسيوط في جنوب مصر، وتشريد من تبقى على قيد الحياة من سكانها، رداً على ثورتها ضد حكم الخديوي إسماعيل. وهي واحدة من ثورات عدة قام بها سكان الجنوب، في عهود مختلفة، منها ثورة العربان 1301م، في العصر المملوكي والتي انتهت بمذبحة مروعة. وبعد نحو 50 عاماً شهد صعيد مصر ثورة أخرى وتحديداً عام 1353م في عهد السلطان المملوكي صالح بن محمد بن قلاوون، وانتهت بمذبحة أخرى وبسن قانون يمنع العامة من ركوب الخيل، ومن حمل سيف أو رمح.

مفردة التجريدة تعني هنا حملة عسكرية. وتستعيد رواية "التجريدة" هذا الإرث الدموي، عبر سرد أجواء الاستخدام المفرط للقوة الذي محا قرية قاو وأباد معظم أهلها في بداية عهد الخديوي إسماعيل، الذي أمر بضرب هذه القرية بالمدافع، ومن ثم تخريبها تماماً، ونفي من بقي حياً منهم إلى مدينة دمياط (شمال مصر) وتحريم عودتهم إليها مرة أخرى.

حلقات التيه

يأتي السرد في الرواية على لسان عدد كبير من الشخصيات، التي كانت ضحية لتلك النكبة، التي بدأت بفتنة طائفية مفتعلة صنعها جريس برهومة، الذي أشاع في القرية أن لديه جارية مسلمة يضاجعها مضاجعة الأزواج، مدفوعاً برغبة هائلة في تدمير مجتمع يرى أنه يمشه، "جدودي رضوا المذلة ولكني لن أرضاها أبداً، حتى لو تربص بي الموت، سأظل شرارة نار تقضي على قاو كلها" (ص11). يتحقق له ما أراد حين يهاجم شباب القرية بيته لتخليص الجارية، وتدور معركة عنيفة يكون هو من بين ضحاياها.

وقبيل نشوب تلك المعركة أرسل برهومة إلى بابا الكنيسة الأرثوذكسية خطاباً يشكو فيه من أنه مهدد بالقتل بغرض سبي نسائه. وأرسل إلى الخديوي إسماعيل رسالة مفادها أن أهالي قاو اعتدوا عليه بالضرب وأفسدوا تجارته، لمجرد أنه أخبرهم أن حاكم البلاد لا يقبل بالظلم وسيقتص من تعديهم عليه.

تدور أحداث الرواية في أربعة فصول "الغارة، الخراب، التيه، العودة" يتتبع كل فصل حقلة من حلقات رحلة أهالي قاو من الاستقرار، إلى الغارة وما تبعها من خراب وتشريد، وصولاً إلى عودة من بقي منهم سراً بعد سنوات إلى القرية، ما يحيلنا إلى حلقات السيرة الهلالية الأربعة "المواليد، الريادة، التغريبة، الأيتام"، فهناك شخصية في الرواية تدعى "شمعة عبداللاه" تقوم بالدور الذي قامت به "الجازية" عندما جمعت أيتام بني هلال بعدما نكل بهم دياب وشردهم في البوادي وقامت بتربيتهم وتدريبهم على الفروسية إلى أن كبروا وصاروا أبطالاً. وهو ما قامت به شمعة التي جمعت عشرات الأطفال، ممن نجوا من المذبحة، وتولت تربيتهم، سراً.

زخرت الرواية بحمولات معرفية ربما تكون مفارقة للوعي الجماعي في هذه الفترة، مثل ما حملته لشخصية "أحمد الطيب" الذي كان يهيج الجماهير ضد ظلم حكم أسرة محمد علي، "إن الوالي في قلعته يعرف أنني لو انتصرت في معركة فسأعيد سيرة همام، لكنني لا أريد دنيا لنفسي كما أراد شيخ العرب، بل أريد للناس أن يعيشوا حياة طيبة" (ص133). و"شيخ العرب" هو لقب همام بن يوسف (1709- 1769)، زعيم قبائل الهوارة التي استقرت في صعيد مصر وتمتعت بقدر كبير من الثروة والنفوذ وسيطر شيوخها على مقاليد الأمور في الصعيد، قبل أن تقضي السلطة المركزية على تمردهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي رواية "التجريدة" هناك أيضاً وفي السياق ذاته، شخصية "سعدان مخيمر" الذي يتحول إلى جهاز إعلامي يدور في الأسواق ليحكي ما جرى من خراب ودمار في قاو، "زرت كل أسواق مصر أبيع الحكايات وأروي الحكاية وفي كل مرة أرى وجوهاً جديدة تستمع إلى وقد خوفني البعض بأن ذلك سيعرضني للألم ولم أهتم، أنا جزء من الحكاية نفسها أنا لسانها الذي يرويها للناس" (ص154).

بذخ إسماعيل

تقدم الرواية رؤية سياسية رافضة للظلم وبذخ إسماعيل غير المبرر في بناء القصور الفخمة وفرضه الضرائب الضخمة على المصريين، واستخدام القوة المفرطة من دون تثبت من الحقيقة، كما فعل في قاو، التي أرسل إليها حملة عسكرية لتدمرها، "أصدرت أوامري أن تظل قاو خرائب لا يمسها العمار وأن يصبح اسمها قاو الخراب كي يتعظ من يراها، ويعرف أن التمرد ضدي سيكون مصيره الدمار التام والقتل والتهجير" (ص168)، كاشفاً عن سياسته الدموية في التعامل مع الشعب، أو كما يقول الحكواتي داخل الرواية: "هذا واجبي سأتحدث حتى يعرف الناس أن القصور التي بنيت في المحروسة (المقصود عاصمة البلد) كان ثمنها دم الناس".

تكشف الرواية عن أن التجريدة التي ارتكبت هذه المجزرة لم تكن من المصريين، "كل هؤلاء الجنود أغراب ليسوا من بلادنا، ليس لهم أهل في الأساس، اختطفوا من بلادهم، فهم لا يعرفون أحداً" (ص120)، وكذلك حتى فعل الخيانة الذي سهل من تخريب قاو جاء من غريب "راغب الشامي" تاجر الأعشاب الذي يحمل نقمة في صدره من عدم حصوله على المكانة اللائقة وسط أهالي القرية، فيساعد التجريدة ويخلص قائدها من الأسر ويحصل في النهاية على منصب العمدة ومساحة واسعة من الأرض الزراعية مكافأة له على خيانته.

ومن الرسائل التي تحرص الرواية على تأكيدها، وحدة النسيج الوطني المصري، فحتى المتسبب في الفتنة "جريس" مغضوب عليه من الكنيسة ومن عائلته، "هو أخي ولم يجلب لنا طوال حياته سوى قلة القيمة. منذ صغره وهو مسكون بالشر وكأنما العفاريت ترعى في قلبه" (ص30). وعلى جانب آخر تكون الكنيسة هي الملاذ الذي يلجأ إليه المسلمون لإنقاذ أولادهم من المذبحة، وحين يهدم القصف برجها يرفض الكهنة الكنيسة عرض جيش إسماعيل بإعادة بنائه، "ظل جرس الكنيسة ملقى إلى جانب الطريق أسقطه رجال الوالي بمدافعهم، لأنني قلت لهم لا وقت له الآن سيأتي وقته عندما يريد الرب" (ص184). ويظل البرج على حتى كبر أيتام القرية الذين آوتهم الكنيسة ويقومون ببنائه وإعادة الجرس إلى مكانه.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة