ملخص
منطقة في ريف حلب، غالبية سكانها أكراد، كان العثمانيون يسمونها رسمياً "عرب بينار"، وتعني عين العرب، فيما يُتداول على نطاق واسع اسم "كوباني"، وتختلف الروايات على التسمية بين من يقول إن اسمها عربي، ومن يرى أن الاسم كردي مشتق من مصطلح ألماني.
في أقصى الشمال السوري، حيث تلتقي الحدود التركية بالأراضي الخصبة شرق الفرات، تتربع مدينة عين العرب (كوباني)، وعشرات القرى والبلدات المحيطة بها، ذات الغالبية الكردية.
وبينما يتحدث سكان المنطقة اللغة العربية بالإضافة للكردية، ينتشر على العالم الافتراضي نقاش وجدل حول اسم المنطقة، بين من يُصر على عربيتها على رغم كردية سكانها، ويسميها "عين العرب"، وبين من يصر على كرديتها ويسميها "كوباني" خلافاً لرواياتٍ تاريخية، فأيهما الصواب؟
تقع منطقة عين العرب (كوباني) في الشمال السوري بريف محافظة حلب، تتصل حدودها بولاية شانلي أورفا التركية، ويبغ عدد سكان المنطقة السورية 44 ألفاً و821 نسمة، وفق الإحصائية الرسمية التي صدرت عام 2004. إلا أن التغيرات العسكرية والسياسية التي تعاقبت على سوريا خلال الأعوام الـ20 الأخيرة قد تكون أثرت في زيادة أو نقصان عدد السكان، خصوصاً أن تلك المنطقة شهدت واحدة من أعنف المعارك مع تنظيم "داعش" الإرهابي عام 2014.
أقلية عربية في مدينة الأكراد
تبعد مدينة عين العرب (كوباني) نحو 30 كيلومتراً عن نهر الفرات من الجهة الشرقية، و150 كيلومتراً تقريباً عن مركز مدينة حلب، ويشكل الأكراد الغالبية العظمى من سكانها بنسبة تصل إلى 90 في المئة وفق إحصاءات غير رسمية، مع وجود عرب وتركمان وأرمن في المنطقة، إلا أن أعدادهم محدودة.
قرية سورية بين العثمانيين والألمان
مدينة عين العرب (كوباني) ليست ضاربة في التاريخ، إذ تعد حديثة العهد، نشأت كقرى صغيرة في القرن الـ19، وأصبحت مدينة صغيرة للمرة الأولى في عام 1892 قبيل نهاية العهد العثماني. وعلى رغم حداثتها كتجمع سكاني، فإن المنطقة تحوي على كهوف أثرية قديمة.
وفق الوثائق الرسمية العثمانية، كان اسم المنطقة "عرب پينارى"، التي تعني "نبع العرب"، وفي عام 1937 في عهد الانتداب الفرنسي، صدر قرار بإنشاء منطقة إدارية تحت اسم "عين العرب"، مركزها مدينة "عرب بينار".
جميع القرارات التي صدرت من المجلس النيابي السوري بعد عام 1937 حملت تسمية "عين العرب"، وهي التسمية ذاتها التي اتخذها الأكراد بترجمتها الكردية "كاني عربان"، والتي تعني "عين العرب".
وتوجد في المنطقة عيون ماء عدة، منها نبع "مرشد بينار" و"عرب بينار"، وكلمة بينار باللغة التركية تعني "نبع"، وأثناء بناء السكة الحديد في المنطقة بقي اسمها "عرب بينار".
أما الرواية الثانية، التي تقول إن المنطقة اسمها "كوباني"، فلها تشعباتها وتبايناتها، الأولى تقول إن الاسم مشتق من كلمة "كومباني" الألمانية، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى الشركة التي أنشأت سكة حديد بغداد والتي بنت محطة لها قريبة من المنطقة.
والرواية الأخرى تقول إن اسم "كوباني" مشتق من كلمة "بان" الألمانية، التي تعني "طريق"، والتسمية أيضاً مرتبطة بسكة الحديد التي ذكرناها أعلاه.
وهناك رواية ثالثة تقول إن اسم المنطقة مشتق من كلمة "كوم باني" الكردية، التي تعني بالعربية "الاتحاد الأعلى"، وهذا الاسم جرى إطلاقه على تحالف عشائري كردي نشأ في تلك المنطقة، ومما يدعم هذه الرواية هو أن غالبية سكان المدينة هم أكراد من قبائل عدة تحت مسمى "اتحاد قبائل برازي".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الحدود التي فرقت الأقارب
تقع منطقة عين العرب (كوباني)، في سهل يعد امتداداً لسهل "سروج" جنوب تركيا، وعندما جرى ترسيم الحدود الجديدة بين تركيا وسوريا في عام 1921، اعتبرت سكة الحديد هي الحدود بين البلدين. وبما أن سكة الحديد تمر جزئياً من داخل المنطقة، فقد باتت غالبية المنطقة ضمن الأراضي السورية، وجزء منها داخل الأراضي التركية، وهذا ما يفسر سبب وجود أقارب سوريين وأتراك على الحدود من المنطقة ذاتها.
بسبب طبيعتها السهلية وأرضها الخصبة، تشتهر المنطقة بالزراعة، وتعد خزاناً غذائياً خصوصاً لمنتجات رئيسة مثل القمح والقطن والفستق الحلبي والجوز وكثير من المحصولات الأخرى، وتوجد فيها أيضاً معامل لصناعة بعض المعدات الزراعية كالجرارات وغيرها.
لعنة الحرب والجغرافيا
كغالبية المدن السورية، لم تنجُ عين العرب (كوباني) من الحرب الطاحنة في البلاد، إلا أن المدينة لم تشهد في العام الأول أي تغييرات جذرية أو أعمال عنف. وفي الـ19 من يوليو (تموز) 2012، انسحبت قوات النظام السوري السابق من المنطقة، وخضعت منذ ذلك الحين لمجموعات كردية مسلحة عمودها الفقري فصيل "وحدات حماية الشعب"، وبدورهم قاموا بإنشاء إدارة ذاتية في المنطقة ضمن ما يسمى "كردستان سوريا". وفي مطلع عام 2014، شن تنظيم "داعش" هجوماً باتجاه المدينة، وتعرضت لحصار خانق من قبل التنظيم الذي استطاع السيطرة على أجزاء واسعة من المدينة، لكنه لم يتمكن من الاستيلاء عليها بالكامل بسبب الغارات العنيفة التي شنها التحالف الدولي ضده. وفي نهاية أكتوبر (تشرين الأول) من العام ذاته، أرسلت قوات "البيشمركة" الكردية العراقية و"الجيش السوري الحر"، تعزيزات عسكرية لمساندة المقاتلين الأكراد المحاصرين في عين العرب، واستمرت المعارك بين كر وفر حتى إعلان هزيمة "داعش" في الـ26 من يناير (كانون الثاني) 2015.
منذ عام 2015 وحتى مطلع 2026، لم تشهد المدينة أي تغييرات جذرية، لا على الصعيد السياسي أو الخدمي أو العسكري، حتى شملها الاتفاق الشامل بين الحكومة السورية الجديدة و"قسد"، الذي ينص على الاندماج الكامل لـ"قسد" بالدولة السورية، على أمل أن ينبذ أهل المنطقة وبقية السوريين الخلافات القومية، وتنعم المدينة مع بقية البلاد بسلام بعد حرب طويلة خلفت جراحاً يتجاوز حجمُها الخلافَ على تسمية يحيط بها كثير من الروايات المتباينة.