Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هكذا جندت "قسد" آلاف القاصرين خلال 10 أعوام

يأمل الحقوقيون أن تتم عملية اندماج "قوات سوريا الديمقراطية" بالدولة السورية بما يسهم في تسريح هؤلاء الأطفال

خلال سنوات الحرب السورية عملت أطراف النزاع المسلح على تجنيد الأطفال وفق بيانات الأمم المتحدة (أ ف ب)

ملخص

الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية، وكذلك الخارجية الأميركية، أصدرت تقارير رسمية تتهم "قسد" بخطف وتجنيد الأطفال للقتال.

بدورها اعترفت "قسد" بجزء من هذه الانتهاكات، وتعهدت بوقف التجنيد للقاصرين، لكن التجنيد مستمر إلى اليوم، وسط مطالبات بتجنيب الأطفال أي صراع عسكري، من قبل أي طرف.

في صبيحة يوم الـ14 من أبريل (نيسان) عام 2024، ترتدي السورية أمارة محمود خليل (16 سنة)، ألبستها وتحمل حقيبتها المدرسية، فتودع والدتها على موعد العودة ظهراً من المدرسة في مدينة عين العرب (كوباني) بريف حلب الشرقي، إلا أن أمارة لم تعد إلا مطلع عام 2025 محملة بتابوت خشبي وهي جثة هامدة ذهبت ضحية تجنيد قسري يرقى إلى جرائم الحرب وفق القانون الدولي.

في يوم اختطافها من قبل ما تسمى "الشبيبة الثورية"، وهي جماعة مسلحة تابعة لـ"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، خرجت الأم المكلومة بتسجيل مصور تناشد فيه قائد "قسد" مظلوم عبدي بإعادة ابنتها، إلا أن كلمات الأم لم تلق أذناً صاغية.

اختطفت "الشبيبة الثورية" الطفلة أمارة من أمام مدرستها، ونقلتها مع فتيات مخطوفات أخريات إلى حي الشيخ مقصود في حلب، وأجبرتها على القتال لصالح مشروع لا يعني للفتاة شيئاً ولا تفقه سبب القتال أصلاً، ومع احتدام المعارك في حي الشيخ مقصود كانت أمارة إحدى الضحايا، لتصدر قوى الأمن الداخلي التابعة لـ"قسد" (الأسايش)، بياناً تعلن فيه مقتل أمارة، إلا أن ما زاد غضب عائلة الضحية هو تغيير اسم الفتاة لتصبح "كريلا أمارة".

الأطفال وقود حرب لا تعنيهم

أمارة ليست حالة وحيدة أو فريدة في سجل تجنيد الأطفال بالحرب السورية خلال الـ 14 عاماً الماضية، ففي الشهر الذي اختطفت فيه أمارة تم توثيق اختطاف ثلاثة أطفال من منطقة عين العرب، هم أحمد محمود بوزان (14 سنة)، وريباس جالمش فاضل (15 سنة)، و‎سلافة إسماعيل (17 سنة)، يُضاف إلى هؤلاء آلاف الأطفال الذين قضوا ضحية حرب لا يعرفون معناها.

خلال أعوام الحرب السورية، عملت أطراف النزاع المسلح على تجنيد الأطفال وفق بيانات الأمم المتحدة، إلا أن "قسد" كان لها حصة الأسد من هذه الانتهاكات، ففي التقرير السنوي الصادر عن الأمين العام للأمم المتحدة نهاية عام 2023، اتهم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش "جميع أطراف النزاع في سوريا بتجنيد الأطفال، تحققت الأمم المتحدة من تجنيد 231 حالة في عام 2023 على يد ’قسد‘ وحدها"، في وقت أصدرت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، تقريراً يدين بشدة تجنيد الأطفال.

في هذا السياق قال نائب مديرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة، آدم كوغل "مع إعلان ’قسد‘ التزمها إنهاء جميع أشكال تجنيد الأطفال، فإن الانخراط الصارخ لمجموعات مثل حركة الشبيبة الثورية والعدد المستمر لحالات تجنيد الأطفال كل سنة يُبيّنان تقاعساً خطراً، يتعين على ’قسد‘ أن تتخذ إجراءات فورية وحازمة لضمان التزام جميع المجموعات العاملة في مناطق سيطرتها سياسات صارمة لعدم تجنيد الأطفال، وحماية الأطفال من الاستغلال"، إلا أن خروج 126 طفلاً تراوح أعمارهم ما بين 12 و17 سنة من سجن الأقطان بريف قبل أيام ينفي جملة وتفصيلاً إعلان "قسد" التزامها عدم تجنيد الأطفال.

غضب وضغوط ونتائج محدودة

بالعودة إلى تقرير "هيومن رايتس ووتش"، قالت المنظمة الحقوقية إنها قابلت في الفترة "ما بين يونيو (حزيران) وأغسطس (آب) عام 2024، سبع عائلات في مناطق خاضعة لسيطرة الإدارة الذاتية قالت إن حركة الشبيبة الثورية أخذت أطفالها، ست فتيات وفتيان تراوح أعمارهم ما بين 12 و17 سنة، بين مارس (آذار) عام 2023 ويوليو (تموز) عام 2024، بين هؤلاء الأطفال أربعة دون سن الـ15 سنة".

تجنيد "قسد" للأطفال، بدأ منذ إعلان تأسيس التنظيم المسلح عام 2015، إلا أن الأمم المتحدة مارست ضغوطاً شديدة على الإدارة الأميركية لإجبارها على وقف تجنيد الأطفال والفتيات، فتوجهت الجهود الأممية عام 2019 بتوقيع ما سمي "خطة عمل" بين الأمم المتحدة و"قسد"، تنص على "التزام قسد اتخاذ تدابير ملموسة ومحددة زمنياً لإنهاء تجنيد الأطفال، ومنع استخدامهم لأغراض عسكرية"، وعلى رغم البطء والتقاعس في تطبيق الاتفاقية، فإنها أسفرت عن إعلان "قسد" تسريح 150 طفلاً من صفوفها عام 2020، و180 طفلاً عام 2021.

تسريح الأطفال من صفوف "قسد"، يقابله في الوقت ذاته تجنيد لأطفال آخرين، ولفتت "هيومن رايتس ووتش" إلى أنه "في عام 2022، ارتفع عدد الأطفال الذين جندتهم ’قسد‘ إلى حده الأقصى، فبلغ 637 حالة تم التحقق منها، وفي العام نفسه وصل تسريح الأطفال إلى حده الأدنى، إذ بلغ 33 طفلاً فقط، مما يعكس تراجعاً مقلقاً في عمل الإجراءات التصحيحية، بينما ارتفعت أعداد الأطفال المجندين في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2022 إلى 60 حالة تم التحقق منها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حين يغضب أكبر داعمي "قسد"

عدم التزام "قسد" وقف خطف الأطفال وتجنيدهم، دفع الأمم المتحدة إلى ممارسة مزيد من الضغوط على الولايات المتحدة لتضغط بدورها على "قسد"، الأمر الذي دفع الخارجية الأميركية إلى إصدار تقرير موسع في عام 2022 يتحدث عن الانتهاكات في سوريا، ويشير بوضوح إلى انتهاكات "قسد" في حق المدنيين عموماً والأطفال على وجه الخصوص، ومما ورد في تقرير وزارة الخارجية الأميركية أن "’قسد‘ تواصل احتجاز المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال، تعسفياً، من دون توجيه أي تهمة، إذ تم توثيق 633 حالة احتجاز غير قانوني لـ’قسد‘ خلال العام، من بينها 93 طفلاً و10 نساء، كذلك وقعت حالات احتجاز لمدنيين من قبل مقاتلي ’قسد‘، بمن فيهم صحافيون ونشطاء حقوقيون وأعضاء في أحزاب معارضة وأشخاص منتسبون إلى قوات المعارضة السورية، وفي بعض الحالات، ظلت أماكن احتجاز المعتقلين مجهولة، فعلى سبيل المثال، قامت ’قسد‘ باحتجاز الطبيب محمد الحسين، الذي يعمل في مستشفى الكندي بدير الزور، وشقيقه أسامة الحسين في الـ13 من نوفمبر أثناء وجودهما في المستشفى، ونُقلا إلى مكان غير معلوم، ومنذ تأسيسها وحتى ديسمبر (كانون الأول)، احتجزت ’قسد‘ أو أخفت قسراً ما لا يقل عن 4487 سورياً، من بينهم 792 طفلاً و525 امرأة، من بين هؤلاء، بقي 2837 شخصاً رهن الاحتجاز غير العادل أو اختفوا، بمن فيهم 179 طفلاً و109 نساء، وقد خصصت الهيئة الوطنية للأمن الاجتماعي خطوطاً هاتفية للأشخاص في الحسكة والرقة للاستفسار عما إذا كان أقاربهم قد احتُجزوا خلال العام"، وعلى رغم التقرير الذي أثار صدمة لدى "قسد" كونه صادراً عن الداعم الأكبر، فإن عمليات التجنيد للقاصرين مستمرة إلى اليوم.

ماذا يقول القانون؟

المحامي السوري محمود الفتيح قال إن "القانون الدولي ينظر إلى تجنيد الأطفال بوصفه انتهاكاً جسيماً، بغض النظر عن الجهة التي تقوم به، سواء كانت دولة أو فاعلاً مسلحاً غير حكومي مثل ’قسد‘، إذ تحظر اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 والبروتوكول الاختياري الملحق بها في شأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة تجنيد أو استخدام أي شخص دون سن الـ18 سنة في الأعمال القتالية، ويصنف نظام روما الأساس للمحكمة الجنائية الدولية تجنيد الأطفال دون الـ15 سنة أو استخدامهم في القتال كجريمة حرب، وعلى هذا الأساس، تدرج الأمم المتحدة قسد منذ أعوام ضمن تقارير (الأطفال والنزاع المسلح)، كطرف ارتكب انتهاكات، على رغم توقيعها خطة عمل مع الأمم المتحدة عام 2019 تعهدت فيها بإنهاء هذه الممارسات، أما على صعيد القانون السوري، فإن التشريعات الوطنية، لا سيما قانون العقوبات وقانون الأحداث، تجرم استغلال القاصرين في الأعمال العسكرية أو المسلحة وتؤكد حمايتهم، حتى في حالات النزاع، وعلى رغم غياب نص خاص بتجنيد الأطفال في سياق الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، فإن القواعد العامة في القانون السوري تعتبر تجنيد القاصرين شكلاً من أشكال الاعتداء على الطفل وانتهاكاً لحقوقه الأساسية، وبذلك فإن تجنيد ’قسد‘ للأطفال يعد مخالفاً في آن للقانون الدولي والقانون السوري، ويعرض المسؤولين عنه للمساءلة القانونية، سواء على المستوى الوطني، أو أمام الآليات الدولية المختصة".

بالمحصلة، تُتهم "قسد" وفق التقارير الدولية والأممية والحقوقية، بتجنيد الأطفال والقاصرين في صفوفها، لكن اليوم مع قيادة دولة سورية جديدة، يأمل الحقوقيون أن تتم عملية اندماجها بالدولة السورية بما يسهم في تسريح الأطفال المجندين، ووقف التجنيد القسري للأطفال على أمل أن يعيشوا حياتهم بعيداً من أي نزاعات سياسية أو عسكرية، في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

رد قسد

من جانب آخر، ينفي مجلس سوريا الديمقراطية، وهو الذراع السياسي لـ "قسد"، الاتهامات الموجهة للفصيل، ويقول المجلس في رده على سؤال "اندبندنت عربية"، إن "الانتقادات الموجهة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) بشأن تجنيد الأطفال غالباً ما تُقدم بشكل مبالغ فيه وانتقائي، لأغراض سياسية تهدف إلى شيطنة القوة التي حققت أكبر انتصارات على تنظيم داعش الإرهابي، وحمت ملايين المدنيين في شمال شرقي سوريا، قسد وقعت اتفاقيات مع الأمم المتحدة منذ 2019 لمنع تجنيد من هم دون 18 سنة، وأعادت آلاف الأطفال إلى عائلاتهم عبر مكاتب حماية الطفل، وتعاقب المخالفين داخل صفوفها".

ويضيف المجلس أن "كثيراً من الحالات المروّجة تتعلق بحركة الشبيبة الثورية التي تعمل في سياق أيديولوجي واسع، لكنها لا تمثل سياسة رسمية لقسد، بل انحرافات فردية أو تأثيرات خارجية مرتبطة بتجربة مقاومة طويلة ضد الإبادة والإرهاب، وفي ظل حرب مستمرة، يصبح من السهل استغلال أي حالة فردية لتصوير المقاومة الكردية ككل على أنها إجرامية، ونحن نرى أن الحل الحقيقي يكمن في دعم عملية سياسية شاملة تضمن أمن المنطقة وتسمح بعودة الأطفال إلى مدارسهم بدلاً من الحملات الإعلامية الانتقائية التي تخدم أجندات معادية للقضية الكردية وللاستقرار في سوريا".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات