ملخص
تكشف الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الزراعة والجهات الأمنية عن حجم المأساة التي تتعرض لها الثروة الحرجية، إذ تظهر التقارير السنوية تسجيل ما بين 800 و1200 قضية اعتداء سنوياً على الغابات.
وتتنوع الانتهاكات ما بين التحطيب لغايات التجارة والحرائق المفتعلة والزحف العمراني غير القانوني.
في وقت يصارع العالم التغير المناخي وتداعياته، تواجه الغابات في شمال الأردن حرباً من نوع آخر، أبطالها "مافيات التحطيب" وسلاحها المناشير الصامتة التي تستهدف ما بقي من الغطاء النباتي للمملكة.
وخلف أبواب المنازل الموصدة في شتاء الأردن القارس، تدور رحى معركة صامتة وقودها "أشجار معمرة" تباع في أسواق خفية. فبينما يبحث المواطن عن دفء أقل كلفة، تتربص "عصابات التحطيب" بما بقي من غابات المملكة التي لا تتجاوز مساحتها الأصلية واحداً في المئة من إجمال المساحة الكلية.
أرقام مقلقة
ويصف مراقبون هذه الظاهرة بأنها "اغتيال لذاكرة الأردن البيئية وتهديد لأمنه المناخي"، وتكشف الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الزراعة والجهات الأمنية عن حجم المأساة التي تتعرض لها الثروة الحرجية، إذ تظهر التقارير السنوية تسجيل ما بين 800 و1200 قضية اعتداء سنوياً على الغابات، وتتنوع الانتهاكات ما بين التحطيب لغايات التجارة والحرائق المفتعلة والزحف العمراني غير القانوني، في حين تبلغ المساحة الحرجية في الأردن نحو 1.1 مليون دونم، وهي نسبة ضئيلة جداً تجعل خسارة كل شجرة "جريمة كبرى" لا يمكن تعويضها بسهولة، بحسب ناشطين بيئيين.
ووفقاً لتقرير إحصائي صادر عن وزارة الزراعة، يمثل الغطاء النباتي ما نسبته 3.7 في المئة من مساحة الأردن، حيث تشكل الأشجار 63.7 في المئة من هذا الغطاء.
ودفع الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات كثيراً من الأردنيين إلى البحث عن بدائل، إحداها التدفئة باللجوء إلى الحطب الذي تضاعف عدد مستخدميه بعدما كانت نسبتهم لا تتجاوز نحو 7.5 في المئة.
وضمن دراسة قامت بها جامعة العوم والتكنولوجيا، اتضح انخفاض مساحات الغابات لمحافظات الشمال بنسبة 25 في المئة، وامتدت الدراسة على مدى 15 عاماً ليتبين أن الزحف العمراني كان السبب الأكبر بالتعدي على المساحات الخضراء بنسبة تصل إلى 50 في المئة.
تجارة الدفء القاتل
في منطقة الصبيحي التابعة لمحافظة البلقاء، أطلق عدد من المزارعين صرخة تحذير بعد تفاقم ظاهرة الاعتداء الجائر على مزارعهم، حيث أقدمت عصابات ليلية مجهولة على قطع عشرات أشجار الزيتون التاريخية المعمرة، إضافة إلى أشجار حرجية نادرة بهدف الاحتطاب والمتاجرة بأخشابها.
ولا تشير المعطيات المتوافرة إلى تحرك عشوائي لمافيا التحطيب في غابات عجلون وجرش والبلقاء، بل إلى عمل منظم ينشط خلال فصل الشتاء وبموازاة ارتفاع أسعار الوقود حين تزداد الحاجة إلى وسائل التدفئة.
ويصف مراقب أحد الأحراش في شمال مملكة من يمتهنون هذه المهنة بالقول، "هؤلاء لا يبحثون عن أغصان جافة للتدفئة، بل يستهدفون الأشجار المعمرة مثل السنديان واللزاب، ويقومون بتقطيعها ونقلها تحت جنح الظلام بمركبات مموهة لبيعها في الأسواق السوداء بأسعار مرتفعة".
وتشير تقارير رسمية إلى أن حطب الوقود يحصد بصورة غير قانونية في مناطق عدة بمعدلات تفوق قدرة الغابة على التجدد الطبيعي.
ففي ناعور وغيرها من المناطق الأردنية، يتزايد الإقبال على مدافئ الحطب كبديل اقتصادي لمشتقات النفط، إذ يبلغ سعر طن الحطب ما بين 140 و170 دولاراً ويكفي لموسم كامل، مقارنة بالكلف الباهظة للغاز والكيروسين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الأمن البيئي مستهدف
يؤكد خبراء البيئة أن التحطيب والاعتداء على الأشجار الحرجية المعمرة يتجاوزان مجرد فقدان شجرة، إلى تدمير التنوع الحيوي وفقدان موائل الطيور والحيوانات البرية النادرة، إضافة إلى خطر انجراف التربة وتفاقم الاحتباس الحراري، فالأشجار تشكل جزءاً كبيراً من البيئة الطبيعية في الأردن، بما في ذلك غابات البلوط والصنوبر في المناطق الشمالية والغربية.
وعلى رغم تغليظ العقوبات في قانون الزراعة، فإن الواقع يواجه تحديات جسيمة، أبرزها وعورة التضاريس التي تصعب مهمة الدوريات المعنية بملاحقة المعتدين، إضافة إلى نقص الكوادر المتخصصة في المساحات التي يجب حمايتها في الغابات الحرجية، فضلاً عن لجوء بعض الحطابين إلى افتعال حرائق لإخفاء آثار التحطيب الجائر.
ويشير تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة "فاو" إلى أن ضعف إنفاذ القوانين والأنظمة والفشل في اتخاذ إجراءات قانونية رادعة ضد بعض الانتهاكات يظلان الثغرة الأكبر التي تستغلها هذه العصابات.
وعلى رغم أن الأردن يسهم بنسبة ضئيلة جداً في الانبعاثات العالمية (0.1 في المئة)، فإنه من أكثر الدول تأثراً بالتبعات المناخية.
ولا يبدو أن خسارة الأشجار تقتل الغطاء الأخضر وحسب وفق مراقبين، بل تهدد المخزون المائي الجوفي، إذ تقوم الغابات بدور حيوي في امتصاص المياه وتغذية الخزانات الجوفية التي تعاني أصلاً تراجعاً حاداً.
يوضح أحد الحراس العاملين في منطقة الشمال كيف تختار عصابات الحطب أوقات التحطيب بعد منتصف الليل، بتنسيق جماعي مع تجار آخرين، فيخرجون بمجموعات إلى مناطق متقابلة، ويضيف أن "بعضهم يعتلي رؤوس الجبال لمراقبة الموقع وبعضهم الآخر يرصد دوريات الزراعة والشرطة البيئية".
تراجع المساحات الحرجية
يعتقد مراقبون بأن حماية ما بقي من غابات الأردن ليست مسؤولية وزارة الزراعة وحدها، بل معركة تتطلب تكاتفاً مجتمعياً، وسط تحذيرات من أنه إذا استمرت وتيرة الاعتداءات الحالية فإن الأجيال المقبلة قد لا تجد في شمال المملكة سوى تلال جرداء وذكريات.
في المقابل، لا توجد إحصاءات دقيقة تحدد النسبة المئوية للتحطيب الجائر في الأردن، إلا أن التقارير تشير إلى أن هذه الظاهرة تتكرر سنوياً وتسبب تراجعاً في المساحات الحرجية.
ويؤكد محافظ عجلون علي المجالي أن هذه المحافظة الشمالية واحدة من أكثر مناطق الأردن تضرراً بظاهرة التحطيب، بخاصة أثناء فصل الشتاء.
بينما تقول السلطات إن كوادر وزارة الزراعة وبالتعاون مع الشرطة البيئية وبعد المراقبة وعمل الكمائن، تمكنت من اعتقال كثير من المعتدين على الثروة الحرجية من أجل التحطيب والمتاجرة.
يُذكر أن محافظة عجلون التي تبلغ مساحتها 419 ألف دونم، تشكل نسبة الأحراج فيها 34 في المئة، فتُعد من أعلى النسب على مستوى المملكة، في حين تنتج المشاتل الحرجية الـ14 ضمن المملكة نحو 5 ملايين شتلة سنوياً، في محاولة لترميم ما دُمر.
مواجهة هشة
في المقابل، تبدو إمكانات المواجهة "هشة" أمام تغول المعتدين، ففي وقت تتوزع الغابات على مساحات شاسعة وعرة، لا يتجاوز عدد طوافي الأحراج 700 طواف لعموم المملكة، وهو رقم يطالب المتخصصون بمضاعفته.
ويرى رئيس اتحاد الجمعيات البيئية عمر الشوشان أن إدارة الغابات تعاني "ضعفاً مؤسساتياً ومالياً"، داعياً إلى تحويل مهمة الحماية من مجرد "ضبط عدلي" إلى "جهد أمني يلاحق الجناة قضائياً ويجرم الاعتداء بنصوص رادعة لا تقبل التساهل".
وأمام هذا الواقع، فإن اختفاء الغابات الأردنية جراء "التحطيب العشوائي" والتغير المناخي ليس مجرد خسارة لمنظر طبيعي، بل هو تسريع لزحف التصحر الذي يغطي أصلاً 80 في المئة من مساحة المملكة، كذلك يرجح أن يترك استمرار تغليب "الدفء الرخيص" على "الأمن البيئي" الأجيال المقبلة أمام تلال جرداء، مما يفاقم ظاهرة الاحترار المناخي.