ملخص
هذا الالتزام يتحول أمام دائرة التنفيذ القضائي إلى دين ثقيل، وبموجبه يمكن الحجز على راتب الشاب الأردني، أو منعه من السفر، أو حتى إصدار مذكرة حبس بحقه، ليجد نفسه يدفع ثمن "حلم لم يعِشه" لأعوام طويلة مقبلة.
لم تعُد أروقة المحاكم الشرعية في الأردن تقتصر على قصص الطلاق والشقاق والنزاع والخلافات الزوجية، بل برزت على السطح ظاهرة أطلق عليها شعبياً اسم "الزواج التجاري"، وهي رحلة تبدأ بابتسامة "الخطوبة" وتنتهي في ردهات التنفيذ القضائي خلال أسابيع، تاركة وراءها شباباً مثقلين بالديون ومجتمعاً يفقد الثقة بقدسية الرباط.
ويتحدث محامون شرعيون عن مئات القضايا التي تتسم بالسيناريو المريب ذاته، فتيات يطلبن الطلاق أو يدفعن الأزواج إلى اتخاذ هذا القرار مرغمين، بعد عقد القران مباشرة وتثبيت مهور مرتفعة للحصول على الأموال، وما يلبثن أن يتوجهن إلى ضحية أخرى باعتماد الطريقة ذاتها.
فهل تلاشت قدسية الرابط؟ أم أننا أمام جيل بات يعاني "تسليع العلاقات"؟
سلاح ذو حدين
ويقول مراقبون إن الإجراءات القانونية الحالية جعلت الانفصال أسرع مما كان عليه سابقاً، مما يراه بعضهم سلاحاً ذا حدين.
فبينما يسهّل على المتضررين الخروج من علاقات سامة، تستغله فئة من الفتيات وأهاليهن كـ"ثغرة" للحصول على مكاسب مادية سريعة تشمل المهر المقدم كاملاً، ونصف المؤخر، ونفقة العدة والمتعة، ليخرج الطرف الآخر "خاسراً" لكل مدخرات عمره في أيام معدودة.
وتوضح المحامية لبنى محمد أن "الطلاق كان قراراً ثقيلاً يمر بمسارات إصلاحية معقدة، لكنه أصبح اليوم يحسم بكلمة واحدة أمام القاضي في قضايا الشقاق والنزاع، مما جعل بعض المتصيدين والباحثين عن الأموال يستغلونه بطريقة بشعة".
في المقابل، يحذر متخصصون اجتماعيون من أن الزواج لم يعُد لدى بعضهم مشروع بناء أسرة، بل تحول إلى صفقة قصيرة المدى، بعد أن أصبحت القوانين مرنة لدرجة الاستغلال المادي.
ويقول عاملون في أروقة المحاكم تحدثوا إلى"اندبندنت عربية" أن الشباب هم الضحية الأكبر، إذ يساقون خلف "الحياء الاجتماعي" عند كتابة المهر، فيوافقون على أرقام تفوق قدرتهم المادية، ظناً منهم أنها "مجرد حبر على ورق"، ليكتشفوا لاحقاً أنها التزام قانوني واجب النفاذ فوراً.
ويدعو هؤلاء المقبلين على الزواج إلى الحذر والواقعية في المهور كي لا تتجاوز قدراتهم لحماية نفسهم وضمانة لاستمرار العلاقة على أسس سليمة، إضافة إلى عدم الاستعجال في "كتب الكتاب" إلا بعد التأكد التام من أخلاق الطرف الآخر ونواياه.
فخ محكم
داخل أحد أروقة دائرة التنفيذ القضائي في العاصمة عمان، يجلس أحمد العشريني وهو يتصفح ورقة صفراء تحمل شعار "إخطار تنفيذ".
ولم تكُن تهمة أحمد سرقة ولا مشاجرة، بل كانت "مؤخر صداق" لزواج لم يدُم أكثر من 40 يوماً.
في المقابل وأمام مكتب الموظف، تقف محامية الزوجة ببرود تام، وهي تراجع أرقام المطالبة المالية، بينما يحاول أحمد الإجابة عن سؤال "كيف سأدفع 15 ألف دينار؟".
لكن أحمد اليوم أمام دين واجب النفاذ إما بالدفع أو التعميم بطلب الحبس، لقصة زواج بدأت بـ "نصيب" وانتهت بـ"نصب" تحت غطاء شرعي وقانوني.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما محمد (25 سنة)، فيحكي قصته مع فتاة تقدم لخطبتها قبل نحو عام، ويقول "تغير تعاملها معي بمجرد كتب الكتاب والحصول على المهر وصارت تفتعل المشكلات لإجباري على الطلاق، مما تم بالفعل لاحقاً بعد ممارسة البلطجة والتهديد من قبل ذويها، لأكتشف أنها المرة الثانية التي تقدم على إجراء كهذا وأنني لست الضحية الأولى".
ويرتاد محمد المحكمة الشرعية في مدينة الزرقاء شهرياً للوفاء بالتزاماته وهو يندب حظه العاثر، وتقول "أم سليم" التي تعمل خاطبة منذ أعوام إن الخوف الحقيقي اليوم ليس من الخسارة المادية وحسب، بل من عزوف جيل كامل عن "الحلال" خوفاً من الوقوع في فخ "الزواج التجاري"، مضيفة أن "ثمة فتيات امتهن هذه الظاهرة، وأوقعن في شراكهن كثيراً من الشبان".
وتؤكد أن منصات التواصل الاجتماعي مثل "تيك توك" و"إنستغرام" أسهمت في تعزيز هذه الظاهرة، فيكون الهدف من الزواج هو "اللقطة" والحصول على الهدايا والمهر ثم الانسحاب بأقل الخسائر لبدء حياة أخرى.
زواج قانوني ولكن
ويصف المراقبون هذا الزواج بـ"القانوني لكنه يستغل لتحقيق مكاسب مالية أو ضغوط قانونية عبر الطلاق".
وفي الأردن، يعد الزواج رسمياً وموثقاً فقط إذا سجل لدى المحاكم الشرعية ودائرة الأحوال المدنية، أما العقود غير الموثقة قانونياً التي تسمى "عرفية"، فإنها تفتقر إلى الحماية القانونية وقد تعرض الطرفين لأخطار كبيرة.
وتظهر بيانات المجلس الأعلى للسكان أن معدلات الطلاق في الأردن مستقرة نسبياً خلال الأعوام الأخيرة، لكن نسبة الحالات التي تنتهي بالطلاق خلال الأعوام الـ10 الأولى من الزواج مرتفعة نسبياً، بخاصة بين الشباب تحت سن الـ30.
ولا يعد الزواج التجاري في الأردن مجرد مشكلة اقتصادية أو اجتماعية فقط، بل تتداخل فيها جوانب قانونية وثقافية، ومع توسع الظاهرة ثمة مطالب عدة بتأهيل المقبلين على الزواج ووضع سقف للمهور أو ربطها بالقدرة المالية المثبتة للزوج عند العقد، إضافة إلى اجراء تعديلات تشريعية تمنع استحقاق المهر كاملاً في حال ثبت أن مدة الزواج لم تتجاوز فترة زمنية قصيرة جداً.
مصيدة قانونية
ويرى خبراء قانونيون أن قانون الأحوال الشخصية الأردني، على رغم مرونته التي تهدف إلى حماية المتضررين، فتح "ثغرة" استغلها بعضهم لتحويل الزواج إلى صفقة رابحة. ففي السابق، كانت قضايا الطلاق تتطلب إثبات "ضرر" ملموس كالضرب، أو الهجر وعدم الإنفاق، مما قد يستغرق أعواماً. أما اليوم، فباتت دعوى "الشقاق والنزاع" هي المسار الأسرع والأكثر ضماناً.
ويوضح المحامي محمد عبيدات أن القانون منح صلاحيات واسعة للمحكمين في تقدير نسب الإساءة، لذلك في حالات الزواج التجاري تستغل المادة المتعلقة بـ"الشقاق والنزاع" للالتفاف على مبدأ الضرر المبرر.
فبمجرد إعلان الزوجة استحالة العشرة، تدخل القضية في نفق التحكيم الذي ينتهي غالباً بتغريم الزوج مبالغ تفوق طاقته، مما يجعل الطلاق مشروعاً استثمارياً بدلاً من كونه حلاً أخيراً".
ويشرح محامون شرعيون كيف تدار هذه اللعبة بالقول "تبدأ الخطة فور عقد القران، وقبل الدخول أو بعده بأيام قليلة. فتعمد الزوجة في هذه الحالة إلى افتعال خلافات جذرية أو طلب الطلاق من دون أسباب واضحة، دافعة الزوج إلى طريق مسدود. وعند لجوئها إلى القضاء ورفع دعوى شقاق ونزاع، يجري تعيين حكمين من أهل الطرفين أو من الخبراء".
المعضلة تكمن في تقرير الحكمين كما يوضح أحد المحامين الشرعيين، فغالباً ما يحمل الطرفان المسؤولية بنسب متفاوتة. فإذا قرر الحكمان أن الإساءة مشتركة أو من طرف الزوج، تُطلق الزوجة وتستحق جزءاً كبيراً من المهر المقدم والمؤخر، إضافة إلى نفقة العدة والمتعة، لتبدأ فور انتهاء عدتها رحلة البحث عن ضحية جديدة بالسيناريو ذاته".
أما الجانب الآخر من "الفخ" فهو الضغط الاجتماعي والنفسي الذي يمارس على الشاب عند توقيع العقد، فخلال جلسة "الجاهة" أو العقد، يطلب منه رفع قيمة المهر كـ "قيمة معنوية" للعروس، مع عبارات تخديرية مثل "نحن نشتري رجلاً، والمهر مجرد حبر على ورق".
وهذا "الحبر" يتحول أمام دائرة التنفيذ القضائي إلى دين ثقيل، وبموجبه يمكن الحجز على راتب الشاب، أو منعه من السفر، أو حتى إصدار مذكرة حبس بحقه، ليجد نفسه يدفع ثمن "حلم لم يعِشه" لأعوام طويلة مقبلة.
"الطلاق السريع" يتصدر
ولا تبدو قضية "الزواج التجاري" مجرد هواجس اجتماعية، بل تترجمها لغة الأرقام الصادمة. فوفقاً للبيانات الإحصائية السنوية الصادرة عن المحاكم الشرعية، تشكل حالات الطلاق قبل الدخول (أي خلال فترة عقد القران أو "كتب الكتاب") نسبة تراوح ما بين 25 و30 في المئة من إجمال حالات الطلاق السنوية في الأردن التي يقارب عددها نحو 25 ألف حالة سنوياً. أما الشباب والشابات تحت عمر الـ30 سنة فهم الفئة الأكثر تضرراً.
وهذه الإحصاءات تعني أن حالة من كل ثلاث حالات طلاق تقريباً تقع قبل أن يبدأ الزوجان حياتهما تحت سقف واحد. ويرى مراقبون أن هذا "الطلاق المبكر جداً" يعزز فرضية "الزواج التجاري"، إذ يُستثمر عقد القران كأداة قانونية لتحصيل مبالغ مالية (نصف المهر المسمى) من دون وجود نية حقيقية لبناء أسرة، مستغلين سرعة إجراءات التقاضي في دعاوى "الشقاق والنزاع".
وتتقاطع هذه الأرقام مع دراسة أجرتها جمعية معهد تضامن النساء الأردني، وتشير إلى أن العوامل المادية والمهور المرتفعة تقوم بدور في 45 في المئة من حالات الخلاف المبكر، مما يعزز فرضية استغلال الزواج لتحقيق مكاسب آنية.
أمام هذا المشهد، لم تقف دائرة قاضي القضاة مكتوفة الأيدي، فأكدت مصادر داخل الدائرة لـ"اندبندنت عربية" أن هناك توجهاً لتكثيف دور "مكاتب الإصلاح والوساطة التوفيقية"، وفرض دورات تأهيلية إجبارية للمقبلين على الزواج تهدف إلى توعيتهم بالحقوق والواجبات القانونية، والتحذير من مغبة المبالغة في المهور الصورية التي تتحول إلى كابوس قانوني.