Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من القصة القصيرة إلى الخشبة: ولادة تشيخوف المسرحي

المسرحية الروسية الخالصة التي أبكرت بصورة أخاذة في افتتاح حداثة القرن الـ 20

أنطون تشيخوف (1860 – 1904) (غيتي)

ملخص

تتناول مسرحية "إيفانوف" لتشيخوف، والتي كتبها قبل أن يتجاوز سن الـ 26، شخصية مثقف روسي مثقل بسوداوية عصره، وعاجز عن إيجاد معنى أو خلاص لحياته على رغم الفرص المتاحة أمامه، والسوداوية هنا ليست حالاً فردية بل تعبير عن أزمة جيل وزمن.

بين عامي 1886 و1887 كتب المؤلف الروسي أنطون تشيخوف أول أعماله المسرحية وقدمها في موسكو للمرة الأولى، وكان تشيخوف في ذلك الحين لا يزال في مستهل شبابه وشهرته، إذ لم يكن تجاوز الـ 26 من عمره بعد، وصحيح أنه كان قد نشر بعض القصص القصيرة، وأن تلك القصص التي نشرها في بعض المجلات المحدودة الانتشار قد جعلت اسمه متداولاً، وإن في شكل محدود لدى بعض الأوساط الأدبية في موسكو، غير أن ذلك التداول كان محدوداً فلم يتمكن من أن يحقق له أمنية كانت غالية عليه منذ باكر شبابه، بأن يصبح وبسرعة أديباً مرموقاً.

وللوصول إلى هذا كان عليه أن يعمل أكثر وأن يكتب ويفرض حضوره وحضور كتاباته في بيئة كانت من الازدهار الأدبي إلى حدّ التخمة، مما يجعل من الصعب على المبتدئين أن يبرزوا.

والحال أن قصص تشيخوف القصيرة الباكرة ما كان من شأنها أن تساعده في البروز، لكن تقديم المسرحية الأولى التي حقق بها نقلته من عالم القصة القصيرة إلى عالم المسرح، وهي مسرحية "إيفانوف"، سرعان ما لوحظ وفتح له الآفاق موسعاً من دائرة شهرته، وبدأ يفرضه في المناخين الأدبي والفني فرضاً، حتى وإن كان كثر سيتحدثون، للمناسبة، عن عميق تأثره بالنروجي هنريك إبسن، فالمقاربة بين "إيفانوف" وبعض أعمال هذا الأخير كانت واضحة في ذلك الوقت الباكر، خصوصاً أن عمل تشيخوف الأول وأعمال إبسن كانت تشي معاً بنظرة كونية كانت سائدة، حتى حدود مرضية، عند تلك المرحلة الفاصلة ليس فقط بين قرنين بل بين زمنين، ونمطين أو أكثر من التعامل مع الحياة نفسها.

خصوصية روسية

ومع هذا سيتحدث كثر أيضاً، وإن لاحقاً، على ضوء أعمال تالية وأكثر أهمية لتشيخوف، عن تلك الخصوصية الروسية التي تطبع ذلك العمل المسرحي الأول له، وهي خصوصية ما كان في الإمكان تلمسها إلا على ضوء تراكم الشخصيات والمواقف، فيما سيكتب تشيخوف للمسرح طوال العقود التالية من مساره الإبداعي وحياته، وفق واحد من دارسي أعماله، وهذه الخصوصية تتمثل بنظرة سوداوية خالصة إلى الحياة ونزعة انتحارية لا مفر منها تترتب على تلك النظرة، ومهما يكن من أمر هنا فلا بد من القول إن تشبيه عمل تشيخوف بأعمال سلفه النروجي الكبير في ذلك الحين لم يُسئ إلى الكاتب الروسي بل جعله ينال حظوة، ولا سيما لدى نقاد كانوا منذ زمن يتساءلون، عن حق عما إذا كان الأوان قد حان كي يكون للأدب الروسي المسرحي كاتب من طينة إبسن.

والحال أن الذين اكتشفوا من خلال هذه المسرحية حداثة فكرية تفتح المسرح الروسي على العالم، وبخاصة من خلال كاتب شاب، تساءل كثر يومها عمّا إذا كانت سنّه الباكرة قد مكنته حقاً من أن يقرأ إبسن إن لم يشاهد مسرحياته، ويدرك حقاً ما تعنيه تلك المسرحيات بالنسبة إلى الصورة التي يعكس فيها المسرحي أحوال بلاده، وبخاصة أحوال أجيالها الجديدة.

 

سوداوية محلية

وإذ نقول هذا نعود هنا لمسرحية "إيفانوف" نفسها لنتوقف عند ما أشار إليه النقاد وما لاحظه الجمهور على الفور، من تلك الخصوصية الروسية المفعمة بالسوداوية، لنشير إلى أن معنى هذا بالطبع أنه بدلاً من أن ترد سوداوية "إيفانوف" إلى الكاتب نفسه، ردّت لزمنها ولسمتها الاجتماعية الخالصة، فتشيخوف إذاً، وفق هذه النظرة، لم يكن يعبّر عن حال خاصة ترتبط به بل عن حال عامة، ولعل هذا كان كافياً للقول في ذلك الحين، رداً على فريق معين من النقاد الذين اتهموا الكاتب الشاب، بأنه "ينشر السوداوية والتشاؤم بين قرائه ومتفرجيه"، بأن الكاتب على العكس من هذا إنما كان يدق نواقيس الخطر في مسرحيته، مشيراً إلى حال سائدة كترياق مسرحي فني ضد تلك الحال، أما اليوم فيمكننا القول إن الحقيقة لا تكمن لا هنا ولا هناك، والحقيقة هي أن تشيخوف عبر "إيفانوف" كان يعبّر عن نفسه وزمنه في وقت معاً، مستخلصاً في نهاية الأمر أن الفن - البوح هو ترياق شافٍ، ومن هنا كتب المسرحية، فمن هو إيفانوف هنا؟

إنه، وهذه حقيقة لا بد من قولها قبل أي كلام آخر، كل إنسان روسي في ذلك الزمن إلا تشيخوف نفسه، فصحيح أنه مثله ابن زمنه وابن أحزان ذلك الزمن وضروب يأسه، ولكن إذا كان تشيخوف نفسه قد سعى عبر الفن والكتابة إلى البحث عن خلاص فإن إيفانوف على العكس من هذا كان رافضاً لكل خلاص، وكان كمن يعرف أن دربه تقوده إلى جحيمه لكنه لا يود أن يرده عن ذلك الهبوط إلى الجحيم، لا شيء ولا خلاص، ومن هنا نراه طوال المسرحية يرفض كل يد تمتد إليه لتنقذه، خصوصاً يد تلك الحسناء التي أُغرمت به ورغبت في أن تشكل له، عن حب حقيقي لا عن شفقة كما قد يخيّل إليه، خشبة خلاص، فهو بكل بساطة يرفض يدها الممدودة ويؤثِرُ الهلاك على الحب.

ما قبل الجنون

إيفانوف في المسرحية مثقف روسي شاب اختل توازنه ذات يوم، ومن دون سابق إنذار كما يبدو للوهلة الأولى اختل توازنه ولكن من دون أن يوصله ذلك حد الجنون، ولئن كنا سندرك معه نحن منذ البداية أن في شعوره الدائم بالإخفاق ما يبرر ذلك الاختلال، فإنه هو عزز منه برفضه أن يجرب أي شيء يرد ذلك الإخفاق عنه، ولسوف ندرك نحن ما كان في البداية غير واضح بالنسبة إليه هو نفسه، وهو أن كبرياءه وعزة نفسه هما ما يجعلانه يقبل الإخفاق ويواكبه من دون أي تطلع حقيقي إلى أية مقاومة، فهو الذي كان أول الأمر قد بدأ حياته رجلاً ناجحاً وتزوج امرأة حسناء اختطفها خطفاً من أهلها اليهود المتدينين المتعصبين الذين لم يكونوا ليريدوا لابنتهم أن تتزوج من غير دينها وبدأ يشق طريقه، غير أنه سيحدث له ذات لحظة أن يتوقف فجأة ليمعن التفكير في ما إذا كان كل ما فعله أو يفعله الآن عبثاً في عبث، وفي الحقيقة أن هذا التساؤل الوجودي ظهر لديه متزامناً مع موت زوجته، وإن لم يكن ذلك بسبب موتها، كما سيتبين لنا بسرعة، إذاً ذات لحظة وفي صورة مفاجئة يرى إيفانوف أن كل ما حوله ليس أكثر من دمار وخراب، وهكذا على حين غرة ومن دون سابق إنذار أيضاً يتخذ الماضي، لا الحاضر ولا المستقبل، بالنسبة إليه سمات براقة زاهية، وأملاً لا يمكن الوصول إليه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إن الأمل، وهذا الذي يمكننا في لغة اليوم أن نسميه العصر الذهب، صار وراءه لا أمامه، وهو إذ يبدو في لحظات تجليه وهدوئه متحدثاً بارعاً ومثقفاً ممتازاً، يحدث أن تغرم به وبولهٍ الحسناء ساشا، ويخيل إليه للحظة أنه يمكن أن يبادلها هذا الحب، كما يمكن الحب أن ينفخ فيه روحاً جديدة وثابتة، لكن الحب وبدلاً من أن ينمي لديه مثل هذا الشعور ويغدو بالنسبة إليه أشبه ببارقة أمل، نراه يرفض هذا كله، وفي لحظة يبدو الاختيار أمامه ممكناً، فموت زوجته ووصوله إلى لحظة انعطافية في حياته وضعاه أمام اختيارات ممكنة ومفتوحة، أهمها الغرام الجديد والانفتاح على الحياة، لكنه يرفض هذا كله ويختار بدلاً من ذلك أن ينهي حياته في اللحظة نفسها التي يكون فيها قادراً على عكس ذلك: البدء في حياة جديدة.

بداية لعبثية حديثة

إن هذا بالتحديد ما يجعل من "إيفانوف" مسرحية تفتح القرن الـ 20 وعبثيته، ويجعل من شخصية إيفانوف نفسها إرهاصاً بكثير من الشخصيات الوجودية العبثية التي ملأت القرن الـ 20 (مثل مارسو "غريب" ألبير كامو مثلاً، و أو.ك في "المحاكمة" لكافكا)، وبالتالي يجعل من تشيخوف كاتباً شديد العصرية.

 والحال أن هذا النزوع إلى ولوج العصر قد ميّز كل أعمال أنطون تشيخوف (1860 - 1904) التالية، فهو الذي وعلى رغم أنه لم يعش سوى 44 سنة، كتب كثيراً من المسرحيات والأعمال النثرية الأخرى التي مهدت لأفكار القرن الـ 20 وعبثيته غالباً، ومنها "الشقيقات الثلاث" و"القبرة" و"شجرة الكرز" و"المبارزة"، وغيرها من أعمال لا تزال حية وتمثل وتقرأ على نطاق واسع حتى اليوم.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة