Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عن "بطل" تشيخوف المضاد وعنوانه المزيف

"حياتي" القصة القصيرة التي خدعت قراءها وأدخلتهم في فساد الحياة الريفية

أنطون تشيخوف (1860 – 1904) (موقع الأدباء الروس)

ملخص

تشيخوف لا يسعى هنا إلى تقديم حكاية بالمعنى المعهود للكلمة، بل إلى رسم صورة ما لشرائح من الحياة تتقاطع مع مواقف تتمثل في نهاية الأمر بالسجالات الطويلة والمتشعبة التي يخوضها بولزيونوف مع الشخصيات التي لا يبدو لنا أنه على تضاد معها، بل الشخصيات التي تبدو الأقرب إليه من أية شخصيات أخرى.

في خريف عام 1896، وفي الوقت نفسه تقريباً الذي كان فيه الكاتب الروسي أنطون تشيخوف يضع اللمسات الأخيرة على مسرحيتيه "طائر النورس" و"إيفانوف"، اللتين سرعان ما ستضحيان من أشهر أعماله ومن أفضل ما قدمه "مسرح الفن" عند نهايات القرن الغارب، وأتت هذا الكاتب نزوة لم يدرك حتى هو نفسه سرها. نزوة احتار هو نفسه بصدد العنوان الذي يبدو أنه انطلق منه مع أنه لن يكون، وباعترافه، سوى عنوان مزيف. فالنص الذي نتج من تلك النزوة، حمل عنواناً بدا على الفور خادعاً: "حياتي"، مما يوحي بأنه، أي النص، نوع من سيرة للكاتب الذي كان قراؤه الأشد إخلاصاً له، يريدونه أن يكتب "أخيراً... عن حياته"، حتى وإن كانوا يعرفون عنها كثيراً، لكن بالتواتر طبعاً.

ومهما يكن، فإن "حياتي" حين صدر على صورة قصة طويلة حمل عنواناً ثانوياً هو "عالم رجل ريفي"، ما نفى على الفور كون النص سيرة للكاتب المعروف بكونه ابن مدينة. ومع ذلك سيرى كثر من النقاد ملامح كثيرة، جوانية غالباً، مما كان يطرأ فكرياً على حياة تشيخوف خلال تلك المرحلة من حياته. وهي ملامح من المؤكد أنه زاوج بينها وبين حكايات عدة جمعها من هنا وهناك ووحدها في مشاهد تكونت منها تلك القصة التي لا شك أنها قالت كثيراً حول مجمل أعمال الكاتب تبعاً للمفهوم القائل إن نصوص الكتاب القصيرة والثانوية قد تقول عنهم وعن حياتهم وأفكارهم أضعاف ما قد تقوله أعمالهم الكبرى.

سيرة فكرية

ومن هنا يمكن النظر مع متابعي عمل تشيخوف إلى هذا النص، ليس كسيرة لحياة كاتبه، وهو لم يكن كذلك بالتأكيد، بل كسيرة فكرية له وبالأحرى كما وصفت من النقد في زمانها "قصة مؤثرة تغوص بنا في عالم رجل ريفي، تصف بصدق نادر تجارب وتأملات ذلك الرجل طوال حياته"، إذ "يأخذنا الكاتب في رحلة عبر حلقات متنوعة، تتراوح بين رحلات غنية ولقاءات لا تنسى ولحظات يومية".

من هنا يبدو كل فصل من فصول هذا النص أشبه بنافذة تطل على قصص عادية تشهد على نماذج مما في الوجود من لحظات مفرحة وأخرى محزنة، بيد أن الأهم من ذلك كله هو أن تشيخوف استخدم هنا في كتابة هذا النص الذي يمكن وفي جميع الأحوال اعتباره ذاتياً، ولو من منطلق ما كان الكاتب نفسه يقوله من تفضيله إياه على كثير من نصوصه الأخرى- استخدم أسلوب كتابة سلس ومثير، يجعل القارئ يشعر بالقرب من الشخصيات ومحيطها، ولا سيما في مضمار وصف المناظر الطبيعية ومشاهد الحياة والعواطف وصفاً حيوياً لدرجة أنه يوقظ شعوراً حقيقياً بالحنين لدى قارئ تنطلي عليه "خدعة أخرى من خدع تشيخوف، إذ يحس وكأن ما يقرأ هو سيرته نفسه وقد انتهى من كتابتها وها هو يراجعها بفرح لا يوصف".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مع ذلك، رأى نقاد معتادون على تحليل كتابات تشيخوف أن بعض الأجزاء قد تبدو طويلة بعض الشيء، مما قد يوحي بجمود الحبكة أحياناً، لكنهم يستطردون أن بطء هذا الإيقاع قد يكون صحياً، يعمق أحياناً تأمل القارئ ويبرز عمق المشاعر التي يشعر بها. وبخاصة "بالنسبة إلى أي مهتم بالحالة الإنسانية وقصص الحياة"، إذ يقدم الكتاب "تأملاً بديعاً في الهوية والجذور والتحولات التي نمر بها طوال حياتنا". فيبدو في النهاية عملاً يدعو إلى التأمل والتعاطف، ويعد بترك أثر دائم في نفس القارئ. من خلال ذلك الغوص في روح رجل وواقع الحياة الريفية، من دون أن تكون لذلك الرجل أية علاقة بأنطون تشيخوف نفسه.

غريب في عالم الفساد

ذلك الرجل هو هنا المدعو مسيل بولزونيوف الذي يطالعنا عند بداية النص وقد طرد أخيراً وللمرة السابعة من الوظيفة التي يعمل بها، لقد كان مسيل وعلى الدوام منذ صباه يرغب في العمل اليدوي، لكن والده أراد منه أن يكمل إرث العائلة الفكري العريق. وضمن محاولاته المتواصلة للتوفيق بين ما يريده أبوه وما يتمناه هو، نراه هنا منصرفاً، في أوقات فراغه في الأقل، إلى التطوع في مسرح للهواة، إذ يساعد في تنسيق الديكور ومهمات أخرى غير مرئية للعامة، ثم حدث أن أعطته صديقة أخته كليوباترا، آنا بلاغوفو، توصية لوظيفة في السكك الحديدية، فعين عامل تلغراف في محطة دوبشنيا، التي تقع على بعد 17 فرسخاً من المدينة. وهناك وجد الفساد مستشرياً ولا سيما في أوساط مهندسي السكك الحديدية الذين وجدهم يطلبون رشوة لمجرد أن يوافقوا على بناء المحطة في المدينة.

 

والحقيقة أن معرفته هذا الواقع جعل صاحبنا يشعر بالملل والقرف، لذلك عندما أخبره مدير الخط أنه سيفصل خلال أسبوعين، غادر على الفور للعمل دهاناً عند صديق له يدعى ريدكا. وهناك سرعان ما شعر وكأنه ولد من جديد، إنه حر، لم يعد يعيش مع والده. علاوة على ذلك، فهو محبوب من الرسامين.

صعوبة الوصول إلى السعادة

لكن الحصول على السعادة لم يكن على مثل تلك السهولة كما تخبرنا القصة هنا من جديد، حيث مرة أخرى، وكما يحدث دائماً في مسيرة هذا الشاب، تأتي لحظة خيبة الأمل: فبين الفساد وبطء وصول الأجور، وسرقات العمال، وظلم ذوي النفوذ القليل أو الكثير، كل هذا يدفع بولزونيوف إلى معاناة القرف والملل من جديد، وذلك على رغم أنه ليس وحيداً، بل يهتم به شخصان ويدافعان عنه ضد أصحاب الفكر السليم في المدينة: الدكتور بلاغوفو وماريا دولجيكوف. وهو من خلال تواصله معهما، يشعر أنه بحاجة إلى معرفة المزيد، لكن سلوك بولزونيوف يقلق السلطات فيتم استدعاؤه إلى مكتب المحافظ الذي يحذره من أن سلوكه يخاطر بإغراء الآخرين. عليه إذاً إما أن يغير موقفه أو يغادر. تقضي ماريا وقتاً أطول معه، وينتقلان للعيش قرب محطة قطار دوبشنيا ويتزوجان. كلاهما يدعمان "المسيرة نحو الشعب" التي أطلقتها الحركة الشعبية، وهي نوع من اليوتوبيا التي سيحطمها جهل الفلاحين والسرقة وإدمان الكحول، لم تعد ماريا تطيق هذا الرجل، فتتركه، وتسافر إلى سانت بطرسبورغ.

ولادة ما للبطل المضاد

من الواضح من خلال هذا التلخيص لما لا يمكننا اعتباره على أية حال أحداثاً درامية في هذه الحكاية، إذ إن تشيخوف لا يسعى هنا إلى تقديم حكاية بالمعنى المعهود للكلمة، بل إلى رسم صورة ما لشرائح من الحياة تتقاطع مع مواقف تتمثل في نهاية الأمر بالسجالات الطويلة والمتشعبة التي يخوضها بولزيونوف مع الشخصيات التي لا يبدو لنا أنه على تضاد معها، بل الشخصيات التي تبدو الأقرب إليه من أية شخصيات أخرى.

ففي نهاية المطاف حين يلتفت المهندس دولجيكوف في مرحلة مبكرة من القصة إلى الراوي، أي بولزيونوف، قائلاً له بكل بساطة: "أنت غريب! لست طبيعياً! لا أريد أن أبدو كنبي، لكن مصيرك سيكون سيئاً"، أو حين تجابهه ماريا غاضبة وبعنف قبل لحظة القطيعة بينهما، متحدثة عن الفلاحين "ماذا تتوقع من هؤلاء الناس؟"، إذ يبدو وكأن ماريا استيقظت من حلم، ففوجئت الآن كيف سقطت، وهي امرأة ذكية ومثقفة ونقية، في هذا الدرك الريفي البائس، بين أناس لئيمين كهؤلاء. حين يرى القارئ نفسه أمام مواقف من هذا النوع في لحظات حاسمة من لحظات القصة، من المؤكد أن هذا القارئ سيفكر كثيراً قبل أن يقرر تبني وجهة نظر الراوي، الذي لا يفوته أن يقدم نفسه هنا كضحية دائمة لتعسف مجتمع يحيط به بل يحاصره مضيقاً الخناق عليه.

ومن هنا ما يمكننا قوله من أن بطل تشيخوف هذا، وعلى رغم كل التعاطف الذي يبديه الكاتب تجاهه، وبخاصة من خلال إعطائه دور الراوي الذي يفترض أول ما يفترض تمييزه في نظر القارئ بجعل هذا الأخير مناصراً له، على رغم التعاطف لا شك أن في رسم الكاتب لشخصية راويه هذا ما يجعل هذا الأخير بطلاً مضاداً، ربما يمهد لأبطال مضادين سنراهم في روايات تالية، لا شك أنها نهلت من هذا النص التشيخوفي بصورة أو بأخرى، من جوزف ك. في "المحاكمة" لكافكا، إلى ميرسو في "الغريب" لكامو، مروراً بمعظم أبطال سيلين وجويس ورهط كبير من روايات القرن الـ20 التي، وعلى خطى بولزيونوف جعلت من البطل المضاد بطل القرن الـ20 بامتياز.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة