ملخص
في زمن تُهيمن فيه الصورة على الوعي المعاصر، وتتحول الرؤية إلى سلطة معرفية شبه مطلقة، يأتي ديوان "قصائد العمى" للشاعرة والمترجمة التونسية لمياء المقدم، الصادر عن منشورات المتوسط، ليقترح انقلاباً هادئاً على هذه المسلّمة.
لا تتعامل لمياء المقدم مع العمى بوصفه نقصاً فيزيائياً أو حالة استثنائية، بل يقدّمه كـبرنامج إدراك بديل، يعيد ترتيب العلاقة بين الحواس، ويشكّك في مركزية العين باعتبارها الطريق الأوحد إلى المعنى.
تنطلق تجربة المقدم من سؤال جوهري: ماذا لو لم تكن الرؤية هي الوسيط الأصدق لفهم العالم؟ وماذا لو كان الإدراك الحقيقي يبدأ حين تتراجع العين قليلاً، لتتقدم حواس أخرى طالما وُضعت في الهامش: اللمس، السمع، والحدس؟ بهذا المعنى، لا يكتب الديوان عن العمى، بل يكتب من داخله، بوصفه شرطاً معرفياً يسمح بإعادة التفكير في علاقتنا بالأشياء وبأنفسنا.
إدراك بديل
منذ الصفحات الأولى، يعلن الديوان قطيعته مع الفهم التقليدي للرؤية. العمى هنا ليس حادثاً طارئاً، بل حالة أصلية. تستبدل الشاعرة مفهوم العمى بـ"الغثيان"، في دلالة على فقدان البوصلة الوجودية لا البصرية فحسب: "لم يبدأ العمى الآن إذن؟ جميعنا نولد عمياناً… العنوان الحقيقي هو: جميعنا نولد مصابين بالغثيان".
بهذا الطرح، يصبح العمى تمريناً على إعادة الإدراك. فالحواس، كما تقترح المقدم، تعمل بوصفها شبكة متداخلة، وأي حاسة تُمارَس بمعزل عن الأخرى تفقد معناها. تقول في أحد مقاطع الديوان: "الإبصار الحقيقي هو أن تراك أشياؤك، وتمتد يدها باتجاهك"
إنها كتابة تقاوم استبداد الصورة في زمن تحوّلت فيه الرؤية إلى استهلاك بصري متواصل، وتعيد الشعر إلى وظيفته الأولى: ليس وصف ما يُرى، بل إيقاظ ما لا يُرى، والإنصات إلى ما هو خافت ومهمل.
تفكيك سلطة االعين
في"قصائد العمى"، لا تُستبدل العين بحاسة واحدة، بل يُعاد توزيع الأدوار الحسية. تحتلّ الأذن موقعاً مركزياً، لا بوصفها أداة لسماع الأصوات، بل كمنفذ أول إلى الظلمة الداخلية: "يبدأ العمى من الأذن. أذن لا تسمع ستكون المنفذ الأول للظلمة".
الظلمة هنا ليست نقصاً في الضوء، بل مساحة للتأمل والانكفاء، حيث تتحرر القصيدة من مطلب الوضوح والشرح. فالمقدم لا تسعى إلى نصوص "مضيئة" بالمعنى البلاغي السائد، بل إلى كتابة تقبل الالتباس، وتعتبره شرطاً للفهم، لا عائقاً دونه. بهذا المعنى، يصبح العمى موقفاً جمالياً وأخلاقياً من العالم، لا حالة حسية فحسب.
لا تشتغل لمياء المقدم على المشهد الاستثنائي أو التجربة الكبرى، بل على التفاصيل العابرة والمنسية. تعترف بأن كتابتها تولد من "أوقات الفراغ"، من لحظات الجسد اليومية: "أكتب فقط في أوقات الفراغ… الدقائق والساعات القليلة التي أقضيها في الحمام والبانيو والأكل والمشي والنوم".
هذه اللحظات، التي غالباً ما تُقصى من الفعل الإبداعي، تتحول في الديوان إلى مخازن حسّية للمعنى. ففيها يغيب الاستعراض البصري، ويحضر الجسد في علاقته المباشرة بالأشياء. حتى الطعام يُعاد التفكير فيه خارج المثل الشائع القائل إن الإنسان يأكل بعينيه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
"هل يأكل المرء بعينيه حقاً كما يقول المثل؟" هنا، يتراجع اللون والشكل، ليحلّ الطعم والملمس والذاكرة محلّهما، فتقترب القصيدة من النثر اليومي من دون أن تفقد توترها الشعري.
الوحدة والاغتراب
تظهر العزلة في الديوان بوصفها حالة صفاء أكثر منها جرحاً. تتجسد في صورة "الغريب" الذي يسكن قبالة الشاعرة، ولا يتحدث إليه أحد: "لا أحد سيُحدّثك عن الغريب الذي يسكن قبالة بيتك… ظلاله التي تنعكس على يديك ومعلّقتك".
هذا التماس البصري العابر- ظلّ بلا علاقة- يكرّس وحدة مشتركة، حضوراً بلا اعتراف. وعندما تنطفئ أضواء الغريب، لا تختفي الصورة فحسب، بل يتكثف الإحساس بالعتمة الداخلية، عمى متقاسم بين ذاتين لا تلتقيان. ومع ذلك، لا ينتهي الديوان عند الحزن أو اليأس، بل يقترح خفّة وجودية، كأن العمى يمنح الروح قدرة على التحليق: "قبل أن تشعر بخفّة الكائن البشري، فتطير كالغبار في الجو".
بهذا المعنى، لا يقدّم ديوان "قصائد العمى" تجربة شعرية معزولة، بل يندرج ضمن مسار إبداعي واضح في مشروع لمياء المقدم، يقوم على تفكيك البديهيات الحسية والمعرفية، والانحياز إلى كتابة تُنصت أكثر مما تُظهر. فالمقدم، التي راكمت حضورها في المشهد الثقافي العربي شاعرةً ومترجمة، ونسجت تجربتها بين تونس وأوروبا، تواصل في هذا الديوان مساءلة العلاقة بين اللغة والجسد، وبين الإدراك والاغتراب، بلغة مكثفة وحساسية عالية. لقد استطاعت أن تحوّل العمى من استعارة مألوفة إلى أداة معرفية، ومن فقدان ظاهري إلى بصيرة شعرية، مؤكدةً أن الشعر، حين يتحرر من هيمنة العين، يصبح أكثر قدرة على لمس الإنسان في جوهره.