Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

 الغرب تاريخ جديد لأسطورة قديمة ليست غربية الأصل 

الباحثة البريطانية نيشا ماك سويني تعاود النظر في التاريخ انطلاقا من وقائع ومسلمات غير أيديولوجية

انحدار الغرب بريشة الرسام الأميركي توماس كول (متحف نيويورك التاريخي)

ملخص

تطرح الباحثة البريطانية نيشا ماك سويني في كتابها "الغرب - تاريخ جديد لأسطورة قديمة" الصادر حديثاً عن منشورات تكوين -الكويت، (ترجمة الباحثة إيمان معروف) إشكالاً أساسياً مفاده بأن "السردية الكبرى للحضارة الغربية خاطئة من الناحية الواقعية". أما الإشكال الثانوي فمفاده بأن "اختراع السردية الكبرى للحضارة الغربية ونشرها، واستمرارها طويل الأمد، إنما كان بسبب فائدتها الأيديولوجية".

نيشا ماك سويني باحثة بريطانية، مولودة في لندن من أصول مختلطة (صينية وإيرلندية)، تعنى بدراسة تاريخ الأناضول وأساطيرها وعلاقاتها بغيرها من الأمم، منذ ما قبل المسيحية بسبعة قرون، حتى العصور الحديثة. تعاود النظر في تاريخ الغرب، بناء على الوقائع، وليس على تصورات مسبقة، ومسلمات أيديولوجية قائمة على مصالح وتقسيمات وتمييز عنصري واضحة.

رفض النقاء

في مستهل كتابها وفي الفصل الأول منه، تمضي الباحثة في تجريد أهم المسلمات المعتمدة لتسويغ مفهوم الغرب من صدقيتها، وهي المسلمات التي لطالما اتكأ عليها المنظرون الموالون للغرب لتسويغ صورته الحالية، وأعني بها الاعتداد بسردية أبي التاريخ هيرودوت منقوصة ومحرفة، إذ بينت الباحثة، وبالاستناد إلى "تواريخ" هيرودوت نفسها، أن فكرة الغرب القائمة على دول أوروبية متماسكة، على ما برح يزعم الداعون المتعصبون إليها، لم تكُن كذلك في الواقع. فما يُستفاد من سردية هيرودوت عن "تواريخ" شعوب البحر الأبيض المتوسط وما وراءها، أن حضارات عدة، غير الحضارة اليونانية والرومانية مثل الحضارة الفينيقية والمصرية والفريجية وحضارة بلاد ما بين النهرين، كان لها إسهامها وفضلها على تكوين ما سمي لاحقاً "الحضارة الغربية".

 

بالتالي فإنه من السخف، بحسب هيرودوت نفسه، "تسمية هذه القارات بأسماء نساء عشوائية"، كتسمية البلدان الواقعة شمال البحر الأبيض المتوسط "أوروبة"، وهي تسمية مستمدة من أسطورة فينيقية إغريقية تدور حول اختطاف زيوس للأميرة الفينيقية أوروبا، وسفر أخيها قدموس بحثاً عنها. وبناء عليه، تخلص الباحثة إلى لزوم عدم الاعتداد بنقاء شعوب أوروبا التي كانت، لأمد قريب خلا، أمماً ممالك وإمارات متصارعة في ما بينها. بالتالي، يغدو منطقياً أن يتخلى المرء عن فكرة النقاء العرقي، أو الحضاري التي زعم وجودها خلال تكوين الحضارة اليونانية التي اعتمدها منظرو الغرب منطلقاً لهم في صوغ أسطورة التفوق والتمايز عن بقية شعوب العالم وحضاراته.

"نحن"- "هم" البرابرة

ومن ثم تطرقت نيشا ماك سويني إلى خرافة ألحقها منظرو الغرب المتعالي بمفهوم أوروبا السالف وصفه، وعنيتُ بها اعتبار الحضارة الأوروبية سلالة راقية متحضرة، في مقابل شعوب وأعراق تتسم بالبربرية. وفي أول رد لها على هذه الثنائية الضدية التي لطالما استخدمتها الأيديولوجيات الأوروبية، بل الغربية في تسويغ سلطانها الاستعماري الذي لم تتوانَ عن إرسائه، سواء على الشعوب الأفريقية، خطفاً لملايين البشر واستعبادهم، والتصرف بهم أشبه بالبهائم، أو احتلالاً لبلدان بحجة السعي إلى تحضرها بغية استغلال ثرواتها، عادت للجذر، أصل الفكرة المغلوطة، أي خطاب هيرودوت، وبيّنت بطلان هذا الادعاء.

 هيرودوت نفسه عاب على الهللينيين، أي سكان أثينا إطلاق الصفات المسيئة على عموم الشعوب الأخرى، وحتى سكان طروادة، واعتباره ذلك التصور عن وجود صراع بين هؤلاء وسكان أثينا تخيلاً ووهماً، لا أساس له من الصحة. بالتالي، فإن اعتماد هذا التصنيف من قبل منظري التيارات الحديثة نسبياً، أي منذ نشأة أوروبا الحديثة، في القرن الـ16، المحافظة منها والمتشددة، إنما كان سنداً وحجة أيديولوجية لمصلحة النهج الإمبريالي المتبع، وإن يكُن مغلوطاً وفاقداً للأساس الواقعي، على ما بيّنته نيشا ماك سويني.

الأمة الهجينة

 

وبالعودة لتاريخ البلدان الغربية الذي أدركته الباحثة سويني بالعمق، وتقصت أصوله، فقد تبين لها أن الإمبراطورية الرومانية قد تكون أقل الإمبراطوريات اهتماماً بالنقاء الثقافي والعرقي، ذلك أن غالبية سكانها، على ما يؤكده المؤرخ ليفي، كانوا مهاجرين، تدفقوا من كل حدب وصوب، استجابة لسياسة رومولوس الذي كان نفسه من سلالة مهاجرين من طروادة وهاربين من حروبها. ولئن كان حكام روما معجبين بثقافة الإغريق، فإنهم كانوا حريصين على إثراء حياة شعوبهم غير المادية بما كان وافداً من ديانات في بلدان المتوسط، فكنت ترى في روما معابد لعشتروت وملقارت الفينيقيين، وعشتار البابلية، إضافة إلى ميثرات الفارسية، وكيبيلي الفريجية، فضلاً عن معابد لأبولو وفينوس وجوبيتر ومارس وغيرها.

ولم يكُن غريباً على الإطلاق، أن تجتمع على المائدة الرومانية أطباق من بلدان المتوسط وخبز من القمح المصري وزيت الزيتون من ليبيا وصلصة السمك من البرتغال. ولم يقتصر الأمر على الجوانب الحياتية المدينية، بل تعداها أيضاً إلى اختيار الأباطرة الرومان. فكان ثمة أباطرة من الليبيين والعرب (فيليب العربي) ومن السوريين (إيليغابالوس) ومن البلقان وكرواتيا وألبانيا وبلغاريا وغيرها. وإن لم تكُن هذه الحجة الأخيرة كافية لدحض صفة النقاء المزعوم للعرق الأوروبي الغربي، هذا إن وُجد هذا العرق، فإن دعوة فيرجيل، في ملحمته الشهيرة الإينياد، إلى طمس الحدود بين الآسيويين (الأناضول وطروادة) وبين بلاد الرومان قاطبة، هي خير دليل على وحدة الحال بين بلاد الأناضول الواقعة في طرف آسيا الغربي، وبين بلدان الإمبراطورية الرومانية التي عدها بعضهم (الفيلسوف بيكون) أواسط القرن الـ16 الغرب المعتد به.

ورثة الغرب

ثم إن الباحثة تروح تناقش مسألة متصلة بهاجس الهوية الغربية عبر فصول كتابها المستفيضة، هاجس لم يكُن ليبرز للعيان، لولا المراجع الكثيرة الـ448، ومفاد ذلك بأن مسألة وراثة الغرب، بمعنى إعادة تقييم مفهوم الغرب، والنظر في أسلافه من غير الأوروبيين الذين أخذوا على عاتقهم تفعيل الإرث الفكري والفلسفي والحضاري الذي تركته أثينا للبشرية جمعاء، هذه المسألة حملت الباحثة على تقصي الدواعي الحقيقية لاهتمام قادة الشعوب بوراثة الغرب، ولا سيما بعد سقوط القسطنطينية بيد الفاتح العثماني محمد الثاني عام 1453، ولطالما كانت المدينة مركزاً دينياً وحضارياً سابقاً للمسيحية، ومن ثم عاصمة لها ومنبراً لنشر عقائدها إلى جانب روما.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومما تكشف لدى الباحثة أن الموروثات الثقافية للعالمين اليوناني والروماني لم تتوجه غرباً فقط، كما يشاع، وإنما توجهت جنوباً إلى أفريقيا، وإلى سائر البلدان العربية التي كانت لا تزال تعتمد اللغة اليونانية لغة تدوين رئيسة في إدارات بلدانها حتى القرن السابع، وقرار الخليفة عبدالملك بن مروان بتعريب السجلات فيها. وأيّاً يكُن من أمر التدوين، فإن سويني تقف عند بعض منجزات بيت الحكمة الذي بدأت فعالياته من القرن الثامن وامتد أثره إلى القرن الـ13. ولئن تجاوزت الباحثة موضوع إسهامه (بيت الحكمة) في إحداث نهضة علمية وفكرية في العالم الإسلامي، فإنها شاءت التركيز على بعض المترجمين الأفذاذ من اليونانية إلى العربية الذين نقلوا أعظم الآثار اليونانية أعني بها فلسفة أرسطو وسقراط وأفلاطون وأفلوطين إلى العربية، وكثيراً من العلوم الهندسية والرياضيات وعلم الفلك عن الفارسية والهندية. وكان كثرٌ من النصارى فاعلين في هذا المجال، إضافة إلى إخوان لهم من المسلمين من أمثال حنين بن إسحق وإسحق بن حنين وبختيشوع وغيرهم.

أما الكندي الذي خصته الباحثة بالذكر، صاحب كتب "رسالة في العلة والمعلول" و"في إلهيات أرسطو" و"رسالة في الموسيقى" وغيرها، وقد بلغت المئتين وفقاً لبعض المؤرخين، فقد مثل بنظرها نموذج المفكر والفيلسوف الآخذ بثقافة الغرب، ولا سيما المنطق اليوناني، والصائغ بها أعمالاً فريدة تسهم إسهاماً جليلاً في تكوين الحضارة العربية الإسلامية المستنيرة والمنفتحة على رسالات الوحي قاطبة. ولكن مأثرة الكندي الكبرى، بنظر الباحثة سويني، تكمن في أنه خلُص إلى حقيقة مفادها بأن "التقليدين الفكريين، اليوناني والإسلامي، ينتميان في جوهرهما إلى تقليد واحد مشترك".

أو ليس هذا دأب عشرات، بل مئات المفكرين والفلاسفة والمخترعين العرب من زملائه، على مر العصور العباسية وصولاً إلى القرن الـ14 من أمثال الفارابي وابن سينا وابن الهيثم، وابن رشد آخرهم الذي شكل بفكره المنطقي الثاقب أعظم نقلة من الفكر الديني المتزمت إلى الفكر المستنير بالعقل، في عز صعود الحروب الطائفية في المغرب العربي وفي البلاد الأوروبية الغارقة في صراعات دامية بين البروتستانت والكاثوليك.

الغرب أسطورة

من يقرأ كتاب الباحثة سويني من أوله إلى آخره، بفصوله الكثيرة ومراجعه الأكثر، يحسب أن كل فصل منه هو مرافعة تدحض بها سمة من سمات الغرب التي لطالما اعتد بها منظرو الأيديولوجيات الشوفينية والقومية الضاربة أطنابها هذه الأيام في أوروبا القرن الـ21، فمن نقاء العرق، إلى الاكتفاء بحدود الإمبراطورية الرومانية القديمة دون سواها، فإلى وهم تمثيله الديانة المسيحية وحده، دون سائر الشعوب والأمم التي كانت أول من تلقف البشارة، وإلى اعتبار الإسلام والمسلمين خصوماً للغرب وفق مزاعم فوكوياما، وليس استمراراً للديانات الإبراهيمية، وإلى الأمية التي ما زالت تسود جماعات المسلمين والعرب منذ حلولهم في الأندلس، وقد كانت مكتبة سلاطين بني نصر في قصر الحمراء، تضم أكثر من 250000 كتاب.

للكاتبة الباحثة نيشا ماك سويني كثير من الكتب والأبحاث مثل "طروادة: الأسطورة، والمدينة، والأيقونة"، و"أسس الأساطير والسياسات في بلاد اليونان" وغيرهما.

اقرأ المزيد

المزيد من كتب