ملخص
فيما يمتلك الأردن واحدة من أعلى نسب تعليم الإناث في المنطقة، يمتلك أيضاً واحدة من أدنى نسب مشاركة المرأة في القوى العاملة عالمياً. ويرى مراقبون في هذه الأرقام "قنبلة اجتماعية موقوتة" أمام التناقض الصارخ بين الاستثمار في تعليم الإناث والعائد الاقتصادي الضعيف، وأن البحث عن عمل قد لا يكون السبب الأساس والوحيد للهجرة.
في وقت يواصل محللون رصد مشهد الشباب الأردنيين المصطفين أمام السفارات الأجنبية بحثاً عن تأشيرة خروج، يتشكل بهدوء تحول اجتماعي أكثر عمقاً وأقل ضجيجاً، تقوده النساء هذه المرة، فهناك أرقام غير مسبوقة تشير إلى أن نحو 39 في المئة من الأردنيات يبدين رغبة حقيقية في الهجرة، مما يدل بوضوح على تغير في المزاج الاجتماعي وتبدل في الأولويات والطموحات.
اليوم تعيش آلاف الأردنيات تجربة الاغتراب بمفردهن، بين ناطحات السحاب في مدن الخليج، بعيداً من الدوائر العائلية التقليدية، بحثاً عن فرصة عمل وحياة مختلفة، في رحلة غالباً ما تكون اضطرارية أكثر منها خياراً مثالياً، لكنها في الوقت ذاته لا تصطدم بسقف الطموح، داخل مجتمع اعتاد أن يستثمر في تعليم بناته.
وفي واحدة من أكثر التحولات الاجتماعية جرأة في الأردن خلال العقد الأخير، لم يعُد سفر الفتاة "العزباء" للعيش والعمل في الخليج أو الدول الغربية مجرد حالة فردية أو استثناء قابل للتبرير، بل بات ظاهرة اجتماعية آخذة في الاتساع، تكسر القوالب النمطية وتعيد صياغة مفهوم الاستقلالية النسوية في مجتمع محافظ تقليدياً.
زلزال صامت وناقوس خطر اجتماعي
المتخصص الاجتماعي حسين الخزاعي الذي كشف عن هذه الأرقام الصادمة استناداً إلى إحصاءات شبكة الباروميتر العربي، دق ناقوس خطر اجتماعي واقتصادي مقبل، بخاصة في مجتمع يوصف بأنه محافظ ومرتبط بالأرض والأسرة، قائلاً "نحن اليوم أمام جيل من الأردنيات اللواتي كسرن القاعدة، ليس فقط بحثاً عن ’الذات المهنية‘ ورغبة في تحسين الدخل، بل هي صرخة احتجاج ضد واقع يمنح المرأة شهادة جامعية بيمينه، ويضع أمامها معوقات للعمل بيساره".
ويوضح متخصصون أن ثمة عقبات غير مرئية تمنع المرأة الأردنية من التطور على رغم تفوقها الأكاديمي، وأن هجرة الأردنيات قد تكون هرباً من التهميش المهني والاجتماعي فضلاً عن الفقر.
ووفق إحصاءات وزارة الخارجية الأردنية فإن عدد الأردنيين المقيمين في الخارج يزيد على مليون شخص من الذكور والإناث معاً معظمهم في دول الخليج.
مفارقة أردنية
وفيما يمتلك الأردن واحدة من أعلى نسب تعليم الإناث في المنطقة، يمتلك أيضاً واحدة من أدنى نسب مشاركة المرأة في القوى العاملة عالمياً، ويرى مراقبون في هذه الأرقام "قنبلة اجتماعية موقوتة" أمام التناقض الصارخ بين الاستثمار في تعليم الإناث والعائد الاقتصادي الضعيف، وأن البحث عن عمل قد لا يكون السبب الأساس والوحيد للهجرة.
وتشير أرقام "دائرة الإحصاءات العامة" ومنظمة العمل الدولية إلى أن معدل البطالة بين الإناث المتعلمات يتجاوز أحياناً 70 في المئة ببعض المحافظات الأردنية، مما يعد هدراً استراتيجياً بالنظر إلى إنفاق الدولة مئات الملايين لتعليم الفتيات.
وبحسب تقارير الفجوة بين الجنسين، يحتل الأردن مراتب متأخرة في "التمكين الاقتصادي"، لكن الفجوة ليست في التعليم، بل في الوصول إلى المناصب القيادية وتساوي الأجور، إذ تظهر دائرة الإحصاءات العامة الأردنية أن معدل مشاركة الأردنيات في القوى العاملة بلغ نحو 15.1 في المئة عام 2023، في حين أن نسب التعليم عند النساء مرتفعة جداً مقارنة بالذكور.
تحول مجتمعي
على جانب آخر يرى آخرون أن ثمة تحولاً في المجتمع المحافظ، بخاصة في ما يتعلق بتغير فكرة ارتباط المرأة بالأرض والأسرة، مما يعني أن العقد الاجتماعي التقليدي قد انكسر، ولم يعُد المنزل والأسرة هما الأمان المطلق للمرأة الأردنية في ظل غلاء المعيشة وصعوبة الاستقلال المادي، فضلاً عن أن هجرة النساء تعني هجرة "العقول المربية" وهي بمثابة تغيير ديموغرافي في بنية الأسرة الأردنية، مما يؤدي إلى انخفاض معدلات الزواج والخصوبة.
وهذا التناقض ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج عوائق هيكلية أكدتها الدراسات الأكاديمية، إذ صدرت دراسة عن "المغتربات الأردنيات" أشارت إلى أن الشركات والمؤسسات غالباً ما تبدي "مقاومة" لإرسال النساء في مهمات دولية أو ترقيتهن لمناصب قيادية. وتفضل كذلك الاستثمار في تدريب وتطوير الموظفين الذكور، ظناً منها أن النساء سيتركن العمل باكراً بسبب الالتزامات الأسرية، مما يدفع النساء إلى البحث عن مخرج دولي لاستغلال طاقاتهن.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتتحدث الدراسة عن وجود عوائق وتوقعات جندرية في طريق عمل المرأة وتطورها وظيفياً، إذ ينظر إلى المرأة الأردنية في المجتمع على أنها مقدمة رعاية بالدرجة الأولى وليس على أنها موظفة، وهذا الضغط يجعل التوفيق بين العمل والمنزل في الأردن شبه مستحيل من دون منظومة دعم، مما يجعل الهجرة خياراً للحصول على بيئة عمل أكثر تقديراً.
وتورد الدراسة أن المحسوبية (الواسطة) في سوق العمل المحلية تؤثر سلباً في فرص تطور المرأة المهني، وتدحض خرافة أن النساء لا يردن الاغتراب، وتقول إن الأردنيات لديهن رغبة قوية في العمل الدولي لتطوير مسيرتهن المهنية، تماماً مثل الرجال، وتلمح أيضاً إلى أن النساء اللواتي ينجحن في الاغتراب يواجهن تحديات تتعلق بـ"النظرة النمطية" في الخارج أيضاً (بسبب الحجاب أو الدين)، لكنهن يثبتن كفاءة عالية.
قيود اجتماعية
بالنسبة إلى لينا، مهندسة البرمجيات البالغة من العمر 30 سنة التي تخرجت بمرتبة الشرف في إحدى الجامعات الحكومية في الأردن، كانت الزغاريد تملأ المكان خلال حفلة تخرجها، وكانت الشهادة بمثابة تأشيرة دخول لحياة عملية كريمة، لكن الواقع كان مختلفاً تماماً.
تقول لينا "أمضيتُ عامين في عمان أبحث عن فرصة. في كل مقابلة عمل كان السؤال دوماً، هل تنوين الزواج قريباً؟ وهل ستتحملين ساعات العمل المتأخرة، وفي النهاية عرض عليّ راتب لا يكاد يغطي مواصلاتي".
وتعتقد لينا بأن المرأة لا تختار وظيفتها بناءً على كفاءتها فقط، بل بناءً على ما هو مقبول اجتماعياً كساعات العمل والاختلاط والقرب من المنزل.
لكن في الخارج أو في بلاد الاغتراب تسقط هذه القيود، وتُعامل ككفاءة، مما يفجر طاقاتها التي كانت مستنزفة في محاولة إرضاء التوقعات الاجتماعية في الداخل.
وتكشف لينا عن واقع مرير في كثير من المؤسسات المحلية على حد تعبيرها، حيث تقوم شبكة العلاقات الذكورية بدور كبير في الترقية، بينما تنجح هي في الخارج لأن الأنظمة المؤسسية في دول الاغتراب، بخاصة الغربية أو الشركات العالمية في الخليج كونها تعتمد نظام الجدارة ومسطرة قياس عادلة، فتقفز وظيفياً بسرعة تذهل أقرانها، مما حدث معها شخصياً، فانتقلت من كونها مبرمجة إلى رئيسة فريق تقني.
تضعنا قصة لينا وأرقام الـ39 في المئة أمام حقيقة لا يمكن القفز فوقها، وهي أن المرأة الأردنية لم تعُد تهاجر بحثاً عن المال فقط، بل بحثاً عن ذاتها، كطليعة لجيل يرفض أن تحاصر أحلامه بين جدران المنازل أو في أدراج المكاتب الروتينية.