ملخص
تواجه كابول وأفغانستان عموماً انهياراً متسارعاً في منظومة المياه بسبب تراجع الثلوج والجفاف وتلوّث الموارد واستنزاف المياه الجوفية، في ظل عودة ملايين اللاجئين وتقلص المساعدات الدولية. ومع تصاعد الضغط السكاني وضعف الاستثمار في البنية التحتية، تتحول الأزمة إلى تهديد صحي واقتصادي وإنساني وأمني، وسط عجز حكومي وتردد دولي في التمويل.
عندما زار أرشاد مالك كابول في وقت سابق من هذا الشهر، كانت أولى مؤشرات الخطر ماثلة في المشهد الطبيعي المحيط بالعاصمة الأفغانية، فجبال هندوكوش التي تشكل خزاناً طبيعياً للمياه بدت شبه خالية من الثلوج، ويقول المدير الإقليمي لمنظمة "أنقذوا الأطفال" Save the Children في آسيا، مالك لـ "اندبندنت"، إن "كمية الثلوج على الجبال المحيطة بالمدينة كانت أقل بكثير مما اعتدت رؤيته"، مضيفاً "قيل لي إن تساقط الثلوج كان خفيفاً ولم يحدث سوى مرة واحدة فقط هذا الموسم، وهو أمر غير طبيعي إطلاقاً، وبدا واضحاً أن المدينة تعاني تلوثاً شديداً بسبب غياب الأمطار والثلوج".
ويُتوقع أن يؤدي هذا الضعف غير المسبوق في تساقط الثلوج خلال موسم الأمطار الحالي، وهو الأدنى منذ 25 عاماً في هذا التوقيت من العام، إلى انخفاض خطر في مستويات المياه الجوفية، مما يهدد بجفاف الآبار ومصادر الري، وسيؤدي ذلك إلى تراجع كميات المياه المخزنة خلف سد قرغة، وهو سد متهالك شُيد خلال ثلاثينيات القرن الماضي، ولا يزال يشكل ركناً أساساً في تزويد نحو 6 ملايين من سكان كابول بالمياه.
وسيمتد تأثير نقص المياه إلى قطاعي الزراعة وتربية المواشي اللذين يعتمد عليهما قرابة ثلاثة أرباع السكان، مما سيزيد حدة انعدام الأمن الغذائي، وبحسب تقرير صادر عن المنظمة الإنسانية الأميركية "Mercy Corps" العام الماضي، فقد بات من المعتاد أن تنفق أسر كابول ما يصل إلى 30 في المئة من دخلها على المياه، وفي الوقت نفسه يُعتقد أن نحو 80 في المئة من المياه الجوفية في العاصمة غير صالحة للاستخدام بسبب تلوثها بمياه الصرف الصحي والمياه المالحة ومواد ملوثة أخرى.
وقد جف ما يقارب نصف آبار المدينة، بينما تُستنزف طبقات المياه الجوفية، وهي الخزانات الطبيعية تحت الأرض، بمعدل يعادل ضعفي سرعة تجددها، مع توقعات بنضوبها بالكامل بحلول عام 2030.
وتقول مديرة برامج Mercy Corps في أفغانستان، ماريانا فون زان، إن "مستويات المياه الجوفية في كابول تراجعت خلال العقد الماضي لما بين 25 و 30 متراً، وهذا الاتجاه يتكرر في مناطق أخرى من البلاد"، مضيفة أن "الأمر تحول إلى أزمة صحية وأزمة واقتصادية، وفي نهاية المطاف أزمة تمس أمن المدنيين، فقرابة 40 في المئة من النزاعات القبلية في أفغانستان باتت اليوم مرتبطة بالمياه".
ولا تقتصر أزمة المياه على أفغانستان وحدها، فمع تصاعد آثار التغير المناخي دخل العالم ما تصفه الأمم المتحدة بـ "عصر الإفلاس المائي"، وبحسب تقرير أممي صدر الأسبوع الماضي فإن 4 مليارات إنسان يعيشون حالياً في ظل نقص حاد في المياه مدة شهر واحد في الأقل كل عام، فيما فقدت مناطق واسعة قدرتها على التعافي بعد موجات الجفاف.
"في الإفلاس المالي تبدو إشارات الإنذار الأولى غالباً قابلة للاحتواء، تأخر في السداد، أموال مستدانة، وبيع أشياء كنت تأمل الاحتفاظ بها، ثم تضيق الدوامة"، قال كافيه مدني، المؤلف الرئيس للتقرير، مضيفاً أن الإفلاس المائي يسير على نحو مشابه.
في البداية تسحب الدول قدراً إضافياً من المياه الجوفية خلال أعوام الجفاف وتلجأ إلى مضخات أكبر وآبار أعمق، ثم تبدأ البحيرات في الانكماش وتواصل الدول الحفر إلى أعماق أكبر، وتفقد الأنهار جريانها الدائم فتغدو موسمية وتتسلل المياه المالحة إلى شبكات المياه العذبة على السواحل، وقد تبدأ الأرض نفسها بالهبوط، وبحسب مدني فإن مدناً أخرى حول العالم تواجه خطراً جدياً من هذه الآثار، من بينها جاكرتا ومكسيكو سيتي وبانكوك.
عودة أكثر من 5 ملايين خلال ثلاثة أعوام
ما يجعل أزمة كابول أكثر تعقيداً هو التحول الديموغرافي السريع الناتج من عودة ملايين اللاجئين، فمنذ عام 2023 عاد أكثر من 5 ملايين أفغاني من إيران وباكستان لبلادهم، بعضهم طوعاً لكن كثيرين أُجبروا على المغادرة، وقد أدى ذلك إلى رفع إجمال عدد سكان البلاد لأكثر من 10 في المئة.
وجاء هذا التدفق في وقت بات وجود الأفغان قضية سياسية حساسة في دول الجوار، إذ أطلقت باكستان عام 2023 "برنامج إعادة الأجانب غير الشرعيين"، فيما صعدت إيران عمليات طرد جماعي تتولاها الدولة للمهاجرين الأفغان عقب اشتباكاتها مع إسرائيل أواخر يونيو (حزيران) 2025، وقد عاد نحو 2.9 مليون أفغاني من إيران وباكستان عام 2025 وحده.
"في الصيف الماضي كنا نشهد وصول نحو 40 ألف عائد يومياً، وقد تراجع ذلك إلى بضع مئات من الأسر يومياً، لكننا نتوقع أن تعود الأرقام للارتفاع مجدداً"، تقول فون زان، مضيفة "إنها واحدة من أكبر أزمات الهجرة في آسيا إن لم تكن الأكبر، ولا أعتقد أن الناس يدركون حجمها الحقيقي".
"من الخضرة إلى التصحر"
تفرض الزيادة الهائلة في عدد السكان ضغطاً كبيراً على البنية التحتية للمياه في البلاد، وبحسب تقييم ميداني أجرته Mercy Corps أواخر العام الماضي وشمل 292 أسرة، أفادت ثلاثة أرباع الأسر في مناطق رئيسة تستضيف العائدين بأن الحصول على مياه نظيفة "صعب أو صعب جداً"، فيما قال 70 في المئة إن إمكان الحصول على المياه ساء بسبب تدفق العائدين.
"كانت هناك جماعة سكانية في هرات [إحدى مناطق أفغانستان] قمنا بإعادة تأهيل شبكة المياه فيها، لكن هذه الجماعة استقبلت بعد ذلك 300 أسرة إضافية عائدة من إيران، وهو ما يعني أننا أصبحنا نوفر الآن 50 في المئة فقط من المياه المطلوبة"، تقول ماريانا فون زان، مضيفة "إنه وضع يتكرر في أنحاء البلاد كلها، ولا يزال هناك ملايين قد يعودون بعد".
ومن بين الأسر الواقفة على خط المواجهة الأول لأزمة المياه المتفاقمة أسرة واثق، المزارع البالغ 60 سنة ووالد 14 طفلاً، فقد أدت موجات الجفاف الممتدة وشح المياه في ولاية قندهار على مدى أعوام إلى جفاف قناة ري رئيسة، وهو ما أجبر الأسرة على ترك أرضها بحثاً عن عمل في مزارع قرى أخرى.
"مرت ثمانية أعوام مذ غادرت قريتي ومنزلي بسبب شح المياه"، يقول واثق، وزاد "ما كان في السابق أرضاً خضراء بمروج جميلة وأشجار أصبح اليوم صحراء، وقد يتساءل المرء لماذا يعيش الناس في مكان قاحل كهذا، لكنه لم يكن دائماً كذلك، لقد كان أرضاً جميلة وخصبة"، مضيفاً أن الجفاف "قاتل صامت يدمر كل شيء" في مجتمعات مثل مجتمعه، وحتى بعد انتقاله إلى قرى أخرى كان يجد أن الآبار التي تعتمد عليها أسرته كثيراً ما تجف بعد بضعة أشهر فقط.
"خفض قاس في المساعدات يخلف أثراً بالغاً"
لاحت بارقة أمل لقرية المزارع واثق عندما استثمرت منظمة "أنقذوا الأطفال" في إنشاء نظام جديد لإمدادات المياه يعمل بالطاقة الشمسية، بات يزود القرية يومياً بـ 25 ألف لتر من المياه النظيفة، وقد أتاح ذلك للأسرة العودة لأرضها للمرة الأولى منذ ثمانية أعوام، واثق قال إنه "سعيد جداً وممتن لنظام المياه الجديد في قريتنا، لقد أنهى حقاً معاناتنا ومعاناة آخرين في هذه القرية، لدينا مياه شرب نظيفة ونقية، وبصراحة كنت قد تعبت من الانتقال من قرية إلى أخرى".
ويضيف واثق أن "أمنيته الكبرى" هي بناء سد جديد في المنطقة من شأنه أن يساعد أكثر في ضمان ألا يعود الجفاف بالطريقة نفسها كما في السابق، لكن عاماً من خفض المساعدات الخارجية من دول بينها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وهو ما أدى إلى تراجع تدفقات المساعدات الإنسانية إلى أفغانستان بـ 37 في المئة عام 2025 مقارنة بعام 2024، يجعل احتمال تنفيذ تدخل واسع النطاق كهذا أبعد فأبعد، وقد اضطرت منظمات الإغاثة الدولية غير الحكومية إلى إجراء خفض كبير في الخدمات التي تقدمها، إذ أدت الاقتطاعات في خدمات منظمة "أنقذوا الطفولة" التي توظف 1500 شخص في البلاد وتعمل داخل 20 مقاطعة إلى تضرر الخدمات الصحية لنحو 700 ألف شخص، وانقطاع الخدمات التعليمية عن أكثر من 100 ألف طفل، إضافة إلى تعثر إمدادات المياه النظيفة والصرف الصحي والنظافة العامة لـ 400 ألف شخص، ويقول أرشاد مالك إن "الاقتطاعات التي أجريناها كانت قاسية للغاية وتركت أثراً بالغاً في الأطفال والأشخاص الذين يعتمدون على هذه الخدمات، ويأتي هذا في وقت تواجه أفغانستان عدداً كبيراً من الأزمات خلال الأعوام الأخيرة، بما في ذلك الزلازل والجفاف والفيضانات، فضلاً عن أزمة العائدين".
أما منظمة "مرسي كور" فقد اضطرت من جهتها إلى تقليص حضورها داخل البلاد بنسبة 50 في المئة على مدى العام، وبحسب فون زان فإنه عندما صدر قرار الولايات المتحدة بوقف العمل بالمنح والمساعدات في يناير (كانون الثاني) 2025، أُجبرت المنظمة على التخلي عن عدد من مشاريع البنية التحتية للمياه في منتصف مرحلة التشييد، قبل أن يحالفهم الحظ في تأمين تمويل خاص لاستكمالها في وقت لاحق من العام، وقد أصدرت المنظمة غير الحكومية عدداً من التقارير، ونفذت جهود ضغط واسعة في شأن أزمة المياه، لكنها وجدت أن الدول غير مستعدة إلى حد كبير للاستجابة مالياً.
وتقول فون زان إن "الجهات المانحة مثل الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة تشير كثيراً إلى تقريرنا حول المياه وتؤكد أهمية معالجة الأزمة، لكن المؤسف أن ما نراه عملياً حتى الآن هو خفض التمويل في كل مكان"، مضيفة أنه إذا لم تُنفذ تدخلات واسعة في وقت قريب فقد تُضطر أحياء كاملة في كابول إلى النزوح قريباً.
غير أنه من غير الواضح إلى أين يمكن أن يتجه سكانها في ظل الضغط المتزايد على الموارد المائية في أنحاء البلاد وإغلاق الحدود مع إيران وباكستان، وترى فون زان أن الضغوط على خدمات الإغاثة في أفغانستان مرشحة للازدياد خلال العام المقبل، مشيرة إلى أن "عدداً من المنظمات الدولية الكبرى يواجه حالياً خطر إغلاق مكاتبه في كابول"، مضيفة أن جهود الضغط على الجهات المانحة باتت أكثر تعقيداً بسبب استمرار محدودية عدد الدول المانحة التي تحتفظ بوجود دبلوماسي في البلاد منذ استعادة حركة "طالبان" السيطرة على الحكم عام 2021، وتقول إن "السياق في أفغانستان بالغ الصعوبة، فكثير من خفض التمويل يُبرر بانتقادات تتعلق بالقيود المفروضة على النساء وغيرها من قضايا حقوق الإنسان، لكن تقليص التمويل لا يُحسن أوضاع حقوق المرأة وحقوق الإنسان، بل على العكس تماماً فهو يعمق البؤس للجميع".
اتهامات لـ "طالبان" بتهوين حجم الأزمة
في الوقت نفسه تؤكد المنظمات غير الحكومية أنه إذا أُتيحت أموال كبيرة واُستثمرت في بنية تحتية مائية واسعة النطاق، فإن التكيف مع "الواقع المائي الجديد" في أفغانستان يظل أمراً ممكناً إلى حد كبير، وأيضاً فإن عاملاً مساعداً رئيساً آخر يتمثل في إدارة الوضع بكفاءة أكبر، وتقول فون زان "حالياً الناس يحفرون آباراً في كل مكان ويذهبون إلى أعماق أكبر فأكبر، وبعض الآبار يتراوح عمقها ما بين 100 و300 متر في أجزاء من المدينة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واُتهمت حركة "طالبان" من جهة بالتقليل من حدة أزمة المياه، ومن جهة أخرى بتطمين سكان كابول إلى أن آثارها قيد المعالجة، فخلال مراسم تدشين مشروع لمياه الشرب قال حاكم مدينة كابول أمين الله عبيد إن "المشكلات القائمة ستُحل قريباً، وإن [حكومة "طالبان"] تعتزم تزويد الناس بمياه شرب نظيفة من سد شاه توت ونهر بنشير"، غير أن أعمال بناء سد شاه توت لم تبدأ بعد على رغم أن الهند كانت وقعت في الأصل على تمويل المشروع قبيل عودة "طالبان" إلى السلطة.
وفي المقابل يبذل العاملون في مجال الإغاثة قصارى جهدهم للعمل مع المجتمعات المحلية للتكيف مع الموارد المتاحة، وتقول فون زان إن "الأفغان يتمتعون بقدرة عالية جداً على الصمود وليسوا مجرد ضحايا لظروفهم، فهناك كثير من المبادرات التي تحدث بالفعل على مستوى المجتمع المحلي، مثل تقنين استهلاك المياه، ونحن نستكشف أيضاً سبل إشراك القطاع الخاص لتمويل تقنيات توفير المياه أو الترويج لزراعة محاصيل معينة تستهلك كميات أقل من المياه"، وتضيف ختاماً "لكن هذه الجهود لها حدود، ففي نهاية المطاف هناك حاجة ماسة إلى تمويل دولي أكبر بكثير للاستجابة بصورة أكثر فاعلية لحجم هذه الأزمة".
نُشر هذا التقرير بالتعاون في إطار مشروع "اندبندنت" لإعادة التفكير في المساعدات العالمية.
© The Independent