Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يولد السلام الأوكراني من رحم الجبهة المتداعية؟

الحوار حول التسوية ليس مستمراً فحسب بل يتوسع وتتعدد أشكاله وكأنه بلغ مرحلة حاسمة لتحقيق اتفاق شامل لتقاسم مناطق النفوذ

جندي أوكراني في حقل بموقع غير معلن بالقرب من دروجكيفكا، منطقة دونيتسك (أ ف ب)

ملخص

يعود العالم حتماً لمنطق النفوذ، إذ لا يملك الكلمة إلا من يمتلك القوة الحقيقية والاستعداد لاستخدامها. الولايات المتحدة وروسيا والصين تتقاسم العالم بهذه الطريقة اليوم، عبر مفاوضات معقدة ومتعددة الأوجه، من تايوان إلى فنزويلا ومن إيران إلى القطب الشمالي ومن غرينلاند إلى فلسطين. في هذه اللعبة تستطيع روسيا أن تجد مزايا لها، إذا فهمت بوضوح حدود مناطق مصالحها السيادية، وقدراتها الحقيقية على الدفاع عنها.

الحرب في أوكرانيا مستمرة، والجيش الروسي يتقدم يومياً ويسيطر على مزيد من الأراضي والقرى والبلدات. مفاوضات السلام قائمة منذ أشهر، تناوبت فيها الاجتماعات في دافوس وفي الولايات المتحدة والإمارات مع صمت دبلوماسي متوتر، يعبر عن تعقيدات تسوية هذه الأزمة وصعوبات وقف هذه الحرب التي تنهي عامها الرابع هذا الشهر.

الحوار والنقاش حول التسوية ليس مستمراً فحسب، بل يتوسع، وتتعدد أشكاله، وكأنه بلغ مرحلة حاسمة لتحقيق قفزة نوعية ليس اتفاقاً في شأن أوكرانيا، بل نحو اتفاق شامل وجامع لتقاسم مناطق النفوذ بروح "يالطا" جديدة. وأوكرانيا ليست سوى حلقة، وإن تكن بالغة الأهمية، في هذه الترتيبات الهجينة.

يعود العالم حتماً لمنطق النفوذ، إذ لا يملك الكلمة إلا من يمتلك القوة الحقيقية والاستعداد لاستخدامها. الولايات المتحدة وروسيا والصين تتقاسم العالم بهذه الطريقة اليوم، عبر مفاوضات معقدة ومتعددة الأوجه، من تايوان إلى فنزويلا ومن إيران إلى القطب الشمالي ومن غرينلاند إلى فلسطين. في هذه اللعبة تستطيع روسيا أن تجد مزايا لها، إذا فهمت بوضوح حدود مناطق مصالحها السيادية، وقدراتها الحقيقية على الدفاع عنها.

في هذا السياق، لا تعد الحرب في أوكرانيا صراعاً معزولاً، بل هي مركز تحول جذري، ومفاوضات السلام في جوهرها مفاوضات حول بنية جديدة للأمن الأوروبي والعالمي، تلك البنية التي تتحدث عنها موسكو منذ سنوات. إلا أن هذه البنية يجب ألا تبنى عبر حوار مع أوروبا المنهكة، بل عبر حوار براغماتي غير مألوف مع أميركا دونالد ترمب، إذ يجب أن يكون كل تنازل مدعوماً بالقوة. والسؤال الأهم الآن ليس ما إذا كان سيتم التوصل إلى اتفاق، فمن المؤكد أنه سيتم. بل حول موعد التوصل إليه؟ وما الثمن الذي ستدفعه الأطراف في مقابل هذا السلام الجديد الهش والخطر؟

علقت روسيا موقتاً الهجمات على البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا بناء على طلب شخصي من الرئيس الأميركي، وكما أكد المتحدث باسم الرئاسة الروسية، فإن هذا الإجراء يهدف إلى تهيئة ظروف مواتية للمفاوضات في أبو ظبي.

نقطة تحول

لحظة كتابة هذه السطور فجر يوم الثالث من فبراير (شباط) كانت انفجارات عنيفة تهز كييف وسومي ودنيبروبيتروفسك مع إطلاق إنذار جوي في أنحاء مختلفة من أوكرانيا، على رأسها العاصمة كييف ومدينة سومي شمال شرقي البلاد، إضافة إلى انفجارات متكررة في دنيبروبيتروفسك في الوسط، إذ كانت تسمع انفجارات قوية مرة أخرى في تصعيد جديد للعمليات العسكرية.

وفقاً للمحلل العسكري البريطاني ألكسندر ميركوريس، شكلت نهاية العام الماضي وبداية عام 2026 نقطة تحول حاسمة في العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، أسفرت عن حدوث تراجعات واضطرابات كبيرة في مواقع القوات المسلحة الأوكرانية خلال الأسابيع الماضية. يقول ميركوريس "الوضع يتدهور بسرعة، خلال الشهر الماضي فشلت الدول الأوروبية في تقديم الدعم المالي المتوقع لأوكرانيا. بالنسبة إلى الأوكرانيين، كان شهر ديسمبر (كانون الأول) فترة مظلمة وكارثية بكل معنى الكلمة". وبحسبه، فإن الوضع الذي تطور في ديسمبر ويناير (كانون الثاني) وجه ضربة قوية للقوات الأوكرانية، مما قد يؤدي إلى انهيار كامل للقوات المسلحة الأوكرانية في المستقبل القريب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي ختام تصريحه وصف المحلل العسكري البريطاني الوضع الميداني على النحو التالي "الخط الأمامي ينهار، والموارد المالية بدأت تنضب، وكل شيء يشير إلى احتمال تصعيد الأزمة السياسية في كييف. في الأسابيع المقبلة، ستوجه الانتقادات إلى الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي. من المرجح أن يكون موقفه هشاً مثل الخط الأمامي، نحن في المرحلة الأكثر خطراً من هذه الحرب".

بالتوازي مع ذلك، أشار المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف، إلى ضرورة اتخاذ كييف قراراً وبدء المفاوضات، نظراً إلى تضاؤل ​​قدرة أوكرانيا على اتخاذ قرارات مستقلة في ظل هجمات القوات الروسية، وأكد أن استمرار الصراع أمر غير حكيم وقد يشكل خطراً على كييف.

خلال عام 2025، تمكنت روسيا من تكثيف الضغط على طول خط الجبهة بأكمله، مما أدى إلى تطويق عدد من المستوطنات الرئيسة على جميع محاور القتال. وبحلول مطلع عام 2026 قد تقع بوكروفسك وميرنوهراد وسيفيرسك وفوفشانسك وستيبنوغورسك وهوليابولي وكوستيانتينيفكا وكراسني ليمان تحت السيطرة الروسية. وتعد هذه المناطق محصنة وقواعد لوجستية مهمة، مما يسهل حشد القوات بها لعمليات لاحقة.

بعد ذلك، ستتقدم القوات المسلحة الروسية على جبهة واسعة في عمق الدفاعات الأوكرانية في مناطق زابوروجيا ودنيبروبيتروفسك وخاركيف، بما في ذلك تطويق آخر معاقل كييف في دونباس، وهي منطقة سلوفيانسك - كراماتورسك. يهيئ نقص الاحتياطات وخطوط الدفاع المحصنة جيداً الظروف لاختراق الجبهة الأوكرانية وانهيارها في الأشهر المقبلة، مما يشير إلى إمكان شن عملية استراتيجية كبرى، على سبيل المثال، باتجاه زابوروجيا.

وحققت القوات الروسية نجاحاً في عدد من المناطق المأهولة بالسكان التي استولت عليها أخيراً، بما في ذلك بوغوسلافكا في منطقة خاركيف ولوكيانوفسكوي في منطقة زابوروجيا، ودمرت ما يقرب من 1360 آلية أوكرانية، وصاروخين من طراز "غروم"، وآلاف المسيرات والأجسام الطائرة من دون طيار.

بريق التسوية

أثارت أحداث الأسابيع الأخيرة نقاشاً معمقاً حول شكل النصر الروسي المحتمل في الشرق الأوكراني، لا يقتصر الأمر على أن خطة السلام مع الولايات المتحدة وأوكرانيا تبدو واعدة، أو أن مواقف الطرفين قد تقاربت، بل لا تزال هناك تناقضات عديدة. في الوقت نفسه، أكد مسؤولون روس، بمن فيهم الرئيس بوتين، أن بعض المقترحات الروسية المنشورة معروفة ومفهومة جيداً، وتستند إلى "روح أنكوراج". هذا يعني أن روسيا، في سعيها للتوصل إلى اتفاق سلام، تسترشد بالظروف الراهنة (الوضع على الأرض)، وإطار دبلوماسي تم صقله ولم يتغير منذ مفاوضات إسطنبول.
بعبارة أخرى، توافق روسيا على إبرام معاهدة سلام مع خصم جيوسياسي من دون أن يكون لها سيطرة مباشرة على أراضي أوكرانيا أو قيادتها السياسية، تعهد إلى الغرب ونظامه القانوني بضمانات الامتثال، بما في ذلك الالتزام بإزالة جميع الأسس التي قد تؤدي إلى استئناف الحرب. ويبدو هذا في حد ذاته مجازفة كبيرة نظراً إلى تدني مستوى الثقة المتبادلة بين الطرفين وانهيار المؤسسات القانونية العالمية.

العوامل الأخرى التي تثير التساؤل، الظروف المحيطة بالسعي إلى حل وسط. لماذا توافق روسيا على محادثات السلام في حين أن أوكرانيا في أضعف حالاتها منذ ربيع عام 2022؟ دوافع الولايات المتحدة واضحة: يسعى دونالد ترمب بصدق إلى إيجاد أسس للسلام، إذ يريد الاحتفاظ بورقة رابحة بأقل كلفة ممكنة في حال خسارته حرباً هجينة. هذه الظروف الواضحة، وتصرفات بعض المسؤولين الأوكرانيين والأوروبيين الملطخة بسفك الدماء والفساد، لا ينبغي أن تضلل: فالمعارضون العقلانيون يدركون أنه لا يمكن لأية أسلحة أو عقوبات أن تضمن النصر لأوكرانيا، في حين أن شبح الهزيمة العسكرية يلوح في الأفق في كييف، ثمة حاجة إلى هدنة وإعادة ضبط لهذه الورقة الرابحة. هم يدركون ذلك، وروسيا تدركه، لكنها توافق على المفاوضات التي تأمل أن تؤدي إلى تسوية تحقق الحد الأدنى من أهداف عمليتها العسكرية.


الميدان يفرض شروطه

ولتوضيح السياق، دعونا نحاول التنبؤ بإيجاز بالوضع في أوكرانيا على المدى القريب. النقاط الرئيسة: لقد انتصرت روسيا في حرب الاستنزاف، ولم تعد أوكرانيا قادرة على التغطية على نقص قواتها باستخدام الطائرات المسيرة، ولا تستطيع أوروبا تزويد أوكرانيا بالأسلحة من دون المساس بقدراتها الدفاعية، كما لا تستطيع شراء الأسلحة من الولايات المتحدة في ظل تراجع الصناعة وضغوط الإنفاق الاجتماعي. وتظهر النقاشات المستمرة حول الاستيلاء على احتياطات الذهب والعملات الأجنبية الروسية لتمويل أوكرانيا، مدى عزوف الأوروبيين عن إنفاق موازناتهم الوطنية على الحرب، بل إن كثيرين منهم لم يعودوا قادرين على ذلك.

يتدهور الوضع في الخطوط الخلفية الأوكرانية والجبهة الداخلية، فللمرة الأولى منذ عام 2022، يشن الجيش الروسي هجمات متواصلة وقوية على البنية التحتية للطاقة والصناعة في أوكرانيا. منذ أشهر يقضي سكان المدن الرئيسة ساعات طويلة من دون كهرباء، والآن من دون تدفئة في عز الشتاء البارد، ويضطرون إلى المبيت في الملاجئ. ويتفاقم الإرهاق والتوتر المتراكم لدى السكان، بسبب تحقيق ضد أعضاء فريق زيلينسكي بتهمة الفساد في قطاع الطاقة. ويعتمد رئيس أوكرانيا على سمعته كحلقة وصل رئيسة مع الغرب وموحد للجهود العسكرية للدفاع عن البلاد، لكن بات من الواضح أنه في ظل وجود بدائل موثوقة، لن يفوز في الانتخابات المقبلة، ولن يخلد اسمه في التاريخ كـ"منقذ الأمة"، ويبقى التساؤل قائماً في أوكرانيا حول جدوى مماطلة زيلينسكي بقبول مقترحات ترمب للسلام.

 

أما روسيا، فيمكننا أن نفترض أنها على الأرجح قادرة على الاستمرار في تحمل عبء الصراع العسكري: فالموازنة مستقرة، والاقتصاد ينمو، العقوبات مؤلمة ولكن طورت سبل الالتفاف عليها، وتدفق الجنود المتعاقدين لا يزال مستمراً، ولا يزال الدعم الانتخابي القوي للنهج السياسي لبوتين قائماً، إلى جانب مطالبة شعبية واثقة بتحقيق النصر، حتى مع مرارة خوض الحرب المتكررة. في هذا السياق، تبدو موافقة روسيا على محادثات السلام متناقضة ظاهرياً. مع ذلك، تجب محاولة فهم منطق القيادة الروسية، لا استناداً إلى تكهنات وسائل الإعلام حول مواقفها التفاوضية، بل بالنظر إلى أهدافها الجيوسياسية المتوسطة المدى الهادفة للسلام مع أوكرانيا وليس لاستسلامها.

القضية الإقليمية

من السهل أن نرى أن خصوم روسيا الغربيين يختزلون مسألة إنهاء الحرب إلى تقسيم إقليمي، بالنسبة إلى الأميركيين يعد البعد العسكري مهماً: هل تمتلك روسيا القدرة على حل مشكلة الوصول إلى حدودها المفترضة داخل شرق أوكرانيا بالقوة؟ ليس من قبيل المصادفة أن ترمب يحاول أحياناً وصف الجيش الروسي بـ"النمر الورقي"، بينما يبيد زيلينسكي قواته في دفاع مستميت، محاولاً إثبات سيطرته على الجبهة لواشنطن.

من جانبهم، يشدد الأوروبيون على البعد الأيديولوجي لحرمة حدود عالم ما بعد يالطا، على رغم أنهم أسهموا في عدد من السوابق بانهياره، بما في ذلك بجهودهم الخاصة وعلى أراضيهم.
في غضون ذلك، تكرر موسكو باستمرار عبارة "القضاء على الأسباب الجذرية للصراع"، متبعة ذلك عادة بسرد تاريخي مطول لا يصغي إليه شركاؤها الغربيون. ويبدو أن التقدم الدبلوماسي لن يكون ممكناً إلا بعد أن يفهم خصومها التسلسل التاريخي الكامل للأحداث فهماً تاماً، ومن هذا المنطلق يمكن فهم تصريح الممثل الدائم للولايات المتحدة لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو) ماثيو ويتكر، مطلع فبراير (شباط) الجاري، الذي قال فيه إن اتفاق السلام في شأن النزاع في أوكرانيا ليس سوى الخطوة الأولى نحو حل الأزمة الأوكرانية.

إن السبب الجذري للصراع ليس أحداث الميدان عام 2014 المناهضة لروسيا، ولا شبه جزيرة القرم، ولا انقلاب 2014 والحرب الأهلية، ولا حتى انتقال كييف إلى النفوذ الغربي. بل هو تقدم الآلة العسكرية لحلف الـ"ناتو" نحو حدود روسيا، وعدم احترام الغرب لتعهداته بعد انهيار جدار برلين، ولمصالح موسكو الجيوسياسية، وتجاهل قدراتها النووية، والضغوط الاقتصادية (اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، والنية في منع روسيا من الوصول إلى حوض آزوف - البحر الأسود). إن الصراع في أوكرانيا ليس إلا نتيجة لهذه العملية، هذا يعني ضرورة معالجة المشكلة من البداية، لا العكس.

مع ذلك، تتحدث روسيا باستمرار عن ضرورة الاعتراف بالوقائع الميدانية و"الوضع على الأرض"، وتعد شروط استعادة أراضي المناطق الروسية الجديدة محوراً أساسياً في المفاوضات، بدلاً من "تجميد خطوط المواجهة". ويشير ترمب، استناداً إلى اجتماع أنكوراج، إلى أن "التنازل الرئيس لروسيا هو وقف القتال وعدم الاستيلاء على مزيد من الأراضي". هذا يعني أن القضية الإقليمية ليست ثانوية بالنسبة إلى روسيا، وأن الشروط التي ستكون دائماً الأسوأ لأوكرانيا من الشروط المرفوضة حالياً تتضمن التهديد بالاستيلاء على أراض جديدة. أخيراً يمكننا أن نتذكر مبدأ بوتين التوجيهي المقتبس من ستالين "أينما تطأ قدم جندي روسي، تصبح الأرض تحت رايتنا".
 

في خريطة التسوية

ينظر بوتين إلى "التحرير" الكامل لأراضي مقاطعتي لوغانسك ودونيتسك كهدف رئيس تم تحديده في بداية مناورات العملية العسكرية في أوكرانيا، ويرتبط بضمان سلامة السكان المحليين المتحدثين بالروسية، ومن المستحيل التخلي عنه. وكما أوضح الرئيس، لم تكن السيطرة على منطقتي خيرسون وزابوروجيا نتيجة لضرورات عسكرية وقرارات هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية فحسب، بل كانت تهدف أيضاً إلى حماية سكان القرم من العمليات العسكرية للقوات المسلحة الأوكرانية (وقد أثبت الزمن صحة هذه الأخطار).

أصرت موسكو وتصر على ضمانات "التيسير"، أي حق معترف به قانوناً لروسيا في الوصول إلى شبه جزيرة القرم عبر منطقتي خيرسون وزابوروجيا، لكنها لم تطالب بها في البداية. ولم يجر الاستفتاء فيهما إلا بعد رفض كييف لمفاوضات إسطنبول، الذي برر مجدداً بضرورة ضمان الأمن وتلبية تطلعات سكان هذه المناطق، ولكن فقط تلك الخاضعة للسيطرة الروسية. يضفي هذا الأمر تعقيداً قانونياً معيناً، ويمكن أخذه في الاعتبار خلال عملية التفاوض.

لم يكن الاستيلاء على الأراضي الأوكرانية مدرجاً قط ضمن الأهداف المركزية المعلنة للعملية العسكرية، ولم يتغير شيء في هذا الشأن بعد مرور أربع سنوات. وتنظر القيادة الروسية إلى مسائل السيطرة على بعض الأراضي من منظور ضمان أمن السكان وحدود الدولة حصراً، ويشكل هذا الأمر الأساس الرئيس لإطار موسكو التفاوضي برمته.

تتحدث وسائل الإعلام اليوم بصورة متكررة عن مطالبة روسيا للقوات الأوكرانية بالانسحاب من أراضي مقاطعتي لوغانسك ودونيتسك، والموافقة على تجميد الجبهة في زابوروجيا، مع عدم وجود تأكيد رسمي لهذا الموقف. مع ذلك، يمكن إيجاد منطق في هذا: فالقوات المسلحة الروسية ستقلل بصورة كبيرة من الخسائر التي تكبدتها خلال الهجوم على تجمع سلوفيانسك - كراماتورسك المحصن جيداً (لا تزال نسبة 23 في المئة من المنطقة تحت السيطرة الأوكرانية)، وهو ما سيعوض جزئياً تعزيز الجانب الأوكراني، الذي سيحصل، إذا كان مستعداً لحوار حقيقي، على فترة راحة. لكن على الأرجح، ليس هذا هو جوهر المفاوضات، بل مجرد شرط للمضي قدماً نحوها، وبداية حوار، وإظهار كييف استعدادها لمناقشة جوهر المسألة.


شروط روسيا

بالتالي، فإن القضية الإقليمية ليست مجرد "انسحاب"، بل هي جزء لا يتجزأ من البنية الدفاعية لخط التفاوض الروسي. إن امتناع موسكو عن تحديد أهداف هجومية عدوانية هو خيار متعمد يتحدى جميع الروايات الأوروبية حول التهديد القادم من الشرق، فالموقف التفاوضي الروسي من هذا المنظور، يفترض ضرورة التوصل إلى اتفاق مشترك مع الغرب، وبالأخص مع أوروبا حول الأمن الاستراتيجي. من المهم العودة لاتفاقات الحد من التسلح، بما في ذلك الاتفاقات النووية، لوقف العسكرة العامة وحملة الدعاية. ولعل إلزام حلف "الناتو" بوقف تقدمه شرقاً هو المهمة الرئيسة في "القضاء على الأسباب الجذرية للصراع".

يعتمد الأمن القومي الروسي بصورة مباشرة في الوقت الراهن على نزع سلاح أوكرانيا، أما مسألة مستويات القوات، التي يجب الحفاظ عليها في ظل اقتصاد يعاني انخفاض عدد السكان، فهي مسألة ثانوية. ويعد حظر توريد فئات معينة من الأسلحة، بما في ذلك الصواريخ وأنظمة إطلاق الصواريخ المتعددة والدبابات، أمراً ضرورياً. من الممكن أيضاً مناقشة مناطق انتشار قوات الأمن الأوكرانية، ويعد حظر أي وجود للمنشآت العسكرية الغربية، بما في ذلك القواعد العسكرية والبحرية، ضرورياً أيضاً، كما يشترط فرض حظر ملزم قانوناً على انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو).

 

ويعد أمن منطقة النفوذ أمراً بالغ الأهمية، ومن المهم توضيح شروط إعادة ضبط السلطة في كييف، وليس مجرد إضفاء الشرعية على الموقعين على معاهدة السلام. يجب على زيلينسكي التنحي حاملاً معه التزاماته العسكرية تجاه شركائه الغربيين، ومسؤولية التخلي عن مبادرات السلام، وبذلك ستتمتع الحكومة الجديدة في كييف بحرية أكبر في الاتصالات الخارجية، بما في ذلك مع موسكو، وستكون قادرة على انتهاج سياسات سيادية مسؤولة، وينبغي أن يستند ذلك إلى إعادة ضبط دستورية: إلغاء القوانين القمعية ضد اللغة والثقافة الروسية، والدين، والرموز الشيوعية، وعودة التعددية الحزبية.

كما يعد أمن التنمية أمراً أساسياً، إن رفع العقوبات والقيود الثانوية والقيود التجارية، فضلاً عن العفو المتبادل، والاعتراف القانوني بالحدود الجديدة لروسيا من الغرب، والتزام أوكرانيا المسجل رسمياً بعدم إعادة الأراضي بالقوة أو استعادتها بموجب القانون الدولي. كل هذا سيوفر لروسيا موارد للتنمية الاقتصادية الآمنة محلياً وفي الأسواق العالمية، وراحة بال المستثمرين، والتدفق الحر لرأس المال. بعبارة أخرى، إعادة دمج روسيا بالكامل في الاقتصاد العالمي.

بطبيعة الحال، تبدو تلبية كل هذه الشروط لضمان الأمن الروسي بمثابة استسلام كامل من جانب كييف (مع أنه ليس كذلك في الواقع)، لكن أوكرانيا خسرت هذه الحرب حتى في مرحلة التخطيط لمواجهة قوة نووية كبرى، في الواقع عام 2022، ولأنها لم تستطع مواصلة القتال إلا بأموال وأسلحة مقترضة لم تنتج دروعها أو ذخيرتها أو ستراتها الواقية، ولا حتى طائراتها المسيرة الحديثة آنذاك، ناهيك بالطائرات وأنظمة الدفاع الجوي وأنظمة إطلاق الصواريخ المتعددة، ولولا "صفقة المساعدات العسكرية لتغذية الحرب" لكان الجيش الأوكراني قد دمر خلال المحاولة اليائسة لاستعادة خيرسون.

إنقاذ أوكرانيا

إن قبول شروط روسيا يسمح للدولة الأوكرانية بالبقاء والتطور بصورة أساسية، ويمنح الشعب فرصة أخرى لتحديد توجهه الأيديولوجي السيادي بصورة مستقلة. بمعنى ما، لا نشهد نسخة جديدة من اتفاقات إسطنبول فحسب، بل نشهد أيضاً نسخة جديدة من اتفاقات مينسك، التي وقعت، كما عام 2015 خلال أزمة عسكرية حادة للقوات المسلحة الأوكرانية في ديبالتسيف، التي بدت وكأنها تنازل كبير من جانب موسكو لصالح أوكرانيا مسالمة ومتعددة الجنسيات، لكن تم خداع روسيا ليس فقط من جيرانها أنفسهم، بل أيضاً من الضامنين الأوروبيين لذلك الاتفاق.

الأخطار هي نفسها تماماً الآن، ولكن ثمة اختلافات. فالولايات المتحدة، المحرك الرئيس للحرب، هي الشريك والضامن في المفاوضات، وينبغي أن يكون موضوع الحوار التزامات الغرب. هذا جزء أساس من حل الأزمة، ومن دونه يستحيل ضمان الأمن والسلام. وللأسف، في هذا المجال، نحن أبعد ما يكون عن تحقيق النتيجة المرجوة: فأوروبا لا تبدي أية رغبة في التحدث بهدوء ووضوح، بروح السياسة الواقعية، كما يفعل ترمب غالباً. لهذا السبب تحديداً تعلن روسيا ترددها في رؤية ممثلي الاتحاد الأوروبي على طاولة المفاوضات، إذ يسود شعور كبير بالقصور والهستيريا، تماماً كما هي الحال مع نظيرهم الأوكراني. ولا يسع العالم إلا أن يأمل بأن يدفع الواقع الميداني الصعب لأوكرانيا، والحاجة إلى تقديم ضمانات أمنية لكييف، وهو أمر نوقش مطولاً، المؤسسة الأوروبية إلى الاهتمام بالخطر الحقيقي للاشتباك مع روسيا، بالتالي البحث عن سبل لتخفيفه.

مصالح ودستور

وفي حين أن النهج الدبلوماسي الروسي العام لحل الأزمة الأوكرانية قائم أساساً على ضرورات الدفاع، فإنه لا يمكن إغفال إمكاناته البناءة والإصلاحية. إن تحقيق جميع النقاط المذكورة أعلاه، بل وحتى التحرك الدبلوماسي نحو تنفيذها، لا يقتصر على إمكان إعادة ضبط علاقات روسيا مع الغرب فحسب، بل يتيح أيضاً فرصة إعادة بناء الدولة الأوكرانية، التي لها جذور روسية لا جدال فيها في أسسها الثقافية والفكرية.

فأي قرارات تتعلق بتغيير حدود أوكرانيا تتطلب استفتاء وطنياً، إن التخلي عن عضوية "الناتو" يستلزم تغيير دستور البلاد، مما يتطلب غالبية ثلثي أعضاء البرلمان الأوكراني (فيرخوفنا رادا). وهذا شبه مستحيل في الوضع الراهن، ولكن تحت ضغط شديد من الشركاء، والنكسات العسكرية، والظروف المحيطة، فإن تصويت ممثلي الشعب سيؤدي في حد ذاته إلى واقع سياسي مختلف تماماً يتعين على البلاد فيه إعادة بناء نفسها.

وتشير التوقعات الإيجابية إلى تجديد العقد الاجتماعي وانتخاب حكومة تضع مصالح المواطنين والبلاد فوق أي اعتبار، أما التوقعات السلبية فتشير إلى أن أوكرانيا ستتفكك ببساطة بسبب عدم القدرة على التوصل إلى توافق في الآراء داخل الدولة. ويبدو أن رئيس الوزراء الروسي السابق سيرغي ستيباشين، ربما كان يفكر في هذا السيناريو عندما تحدث عن احتمال "إعادة توحيد أوديسا وميكولايف طوعاً مع روسيا".

مع ذلك، تعتزم روسيا الاحتفاظ بفرصها القانونية للتأثير الثقافي في الدولة الأوكرانية، وترسيخها في منظومتها القيمية والأيديولوجية عبر اللغة الروسية والكنيسة الأرثوذكسية، فضلاً عن العلاقات التجارية الحتمية، والمشاريع الإنسانية، وأعمال إعادة الإعمار، ونزع السلاح وإزالة الألغام من المناطق، وبرامج المصالحة، ولم شمل الأسر. ستظهر كل هذه الفرص حتماً ومباشرة بعد توقيع معاهدة السلام، ولن يكون الدافع وراء هذه العمليات مسؤولين أو سياسيين، بل الشعب نفسه، على رغم كل الانقسامات بين البلدين.

سلام لا استسلام

يستند منطق "الكرملين" التفاوضي إلى معاهدة سلام، لا على استسلام أوكرانيا (أي الاعتراف بالهزيمة في الحرب بشروط المنتصر، وهو ما سيترتب عليه كلف باهظة لروسيا). كثيراً ما نظر إلى الاستسلام على أنه فصل مهين ومخز في التاريخ، فهو يفقد الإرادة الحرة، وغالباً ما يؤدي إلى تنامي النزعات الانتقامية والقومية. ومن الأمثلة البارزة على ذلك صعود الفاشية في ألمانيا في ثلاثينيات القرن الـ20، الذي غذته شعبية الشعارات المطالبة بمراجعة نتائج الحرب العالمية الأولى.
مع ذلك، فإن استسلام كييف يفضي أيضاً إلى سيناريوهات سلبية لموسكو على المدى القصير. من الممكن حدوث تمرد داخل الجيش الأوكراني وانفصال كتائب النازيين الجدد، فضلاً عن ارتفاع معدلات الجريمة، وظهور حرب عصابات، وكلها أمور خطرة بصورة خاصة نظراً إلى نقص قوات الأمن الروسية في الأراضي الأوكرانية الشاسعة.

كما لن يسهل استسلام أوكرانيا إعادة فتح قنوات الاتصال مع الغرب، الذي لن يتقبل عواقب هزيمتها، وسيجمد العلاقات مع روسيا لفترة طويلة. وسيتم تشديد العقوبات، بما فيها العقوبات الثانوية، وستسرع الولايات المتحدة وأوروبا معاً من وتيرة عسكرتهما خلف الستار الحديدي برفع القيود المفروضة على جميع معاهدات الأسلحة التقليدية والنووية، مما سيزيد من عدم الاستقرار العالمي، وسيظل الوضع القانوني للأراضي الجديدة محل نزاع دائم.

يدرك خصوم روسيا الغربيون جيداً هذه الأخطار التي تهدد موسكو، لذلك يراهن "حزب الحرب" على استمرار الأعمال العدائية، معتمداً على استنزاف روسيا بينما يعيد المجمع الصناعي العسكري الأوروبي تنشيط نفسه، ويتم تلقين المجتمع روايات التهديد الأبدي من الشرق.

مع ذلك، تحتاج موسكو إلى أوكرانيا كنقطة تفاوض مع الغرب، وكمنطقة عازلة منزوعة السلاح ضد حلف "الناتو"، وكدولة قادرة على الحفاظ على النظام على أراضيها، وكمجتمع اختار مساراً سلمياً وسيادياً للتنمية من دون أخطار الانتقام والتطرف. لكن إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، فبدلاً من اتفاق مربح للطرفين وإعادة دمج تدريجية للأراضي، ثمة خطر الوصول إلى "قطاع غزة" أوكراني بكل أهوال الصراع الذي لا نهاية له.

في ظل هذه الظروف، لا تغير روسيا المبادئ الأساسية لتفاهمات إسطنبول، حتى مع اقتراب النصر العسكري والسياسي بفعل التوغلات الميدانية على الأرض. لأن هذا الحد الأدنى من "النصر" لا يزال يسمح بخوض المعركة من أجل أوكرانيا بأكملها، وليس فقط من أجل جزء من الشرق الناطق بالروسية.

المزيد من تقارير