ملخص
خير لنا ونحن نفكر في الحياة التي نريدها، أو نسعى إلى تحقيقها، أن نتساءل: من أين تأتينا أصلاً أفكار هذه الحياة المأمولة؟ وما الذي نفعله - أو نعجز عن فعله - لكي نحصل عليها فعلاً؟
يظل بعضنا يقول لبعض، بل وأحدنا لنفسه: أحِبَّ ما تعمل إلى أن تعمل ما تحب. ثم يدرك المرء آجلاً أم عاجلاً، أن وعد هذه العبارة يظل وعداً، وأن المرء سيظل يكرِه نفسه على حب ما يعمل، لأن الطور الموعود هذا لا يبدو أنه يتحقق أبداً. أو هكذا هي حال غالبية الناس في ما يبدو. وبشكل شخصي تماماً، اعتبرت أنني وصلت إلى أول النضج عندما توصلت إلى أن السعادة - شأن الحب والعدل والطمأنينة وكل ما في هذا القبيل من أشياء جليلة - هي في أحسن الحالات موزعة بين ثلاثة عوالم: الماضي والحاضر والمستقبل، وأن نصيب الحاضر منها لا يكاد يتجاوز الذكرى أو الأمل، ومع ذلك فالذكرى والأمل معاً هما زادنا الوحيد في محاولتنا احتمال الحاضر، ورفضه، ومحاولة تغييره، في آن واحد.
غير أن هذا الذي قد يبدو لشخص نضجاً، قد يبدو لغيره يأساً، أو عدمية، أو انسحاباً متخاذلاً من السباق. فكيف يحصل المرء على الحياة التي يريدها؟ ثمة كتاب حديث الصدور عنوانه "الحياة التي تريدونها" للمحلل النفسي البريطاني آدم فيليبس. وهو كتاب لا يتجاوز 160 صفحة مقسمة إلى سبع مقالات، لكنه على صغر حجمه قد لا يكون يسيراً في القراءة.
سبق أن عمل فيليبس كبير المعالجين النفسيين للأطفال في مستشفى تشارينغ كروس بلندن، وهو محلل نفسي ممارس وأستاذ زائر في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة "يورك"، له عديد من المؤلفات في التحليل النفسي والنقد الأدبي، وهو عضو في الجمعية الملكية للأدب، فضلاً عن عمله في سلسلة "كلاسيكيات بنغوين" محرراً عاماً لترجمات فرويد، وهذه إشارة يجدر بالقارئ أن يحتفظ بها في ذهنه وهو يقرأ كتابه الحديث هذا أو يقرأ عنه.
الحياة التي نريد
خير لنا ونحن نفكر في الحياة التي نريدها، أو نسعى إلى تحقيقها، أن نتساءل: من أين تأتينا أصلاً أفكار الحياة التي نريدها؟ وما الذي نفعله - أو نعجز عن فعله - لكي نحصل عليها فعلاً؟ هذه من الأسئلة التي يحفز كتاب فيليبس قارئه على طرحها، فهو كما يشير ناشر الكتاب "يستعمل التحليل النفسي ومناهج الأدب ليبين لنا كم نحن مهووسون بفكرة الحياة التي نريد أن ننعم بها لا الحياة التي نقوى على احتمالها أو نقدر على استغلالها الاستغلال الأمثل".
"وعبر سلسلة من المقالات المترابطة، يستكشف فيليبس المصاعب المحيطة بكامل فكرة التنعم بالحياة، وبتشكيلها وصوغها، داخل ثقافات لا تكف عن ترويج المتعة ولا تكف أيضاً عن وضع العراقيل والصعاب دونها بالنسبة إلى كثير من الناس. وباستكشاف الكتاب للتداخل بين الشخصي والسياسي في حياتنا، يمثل درساً عميقاً في التناقض القائم بين التنعم والرغبة".
يشير استعراض "كيركوس رفيو" إلى أن فيليبس يقر بأن الناس لا يحصلون دائماً على ما يريدون، "وفي حين أن التحليل النفسي قد لا يكون العلم الخالي من العيوب، فإنه يطرح سبلاً للتعايش مع العالم وفهم العلاقة بين الرغبة والسعادة. يجمع فيليبس في مقالات كتابه بين إرث سيغموند فرويد والفيلسوف البرغماتي الأميركي ريتشارد رورتي، فكلاهما عني بدمج الاحتياجات الإنسانية في حياة اجتماعية مشبعة. فجاءت النتيجة كتاباً من كتب المساعدة الذاتية لكنه رفيع المستوى، ثري بالاستشهادات من النصوص الأدبية والفلسفية المصاغة بأسلوب حكمي بليغ"، كأن يرد فيه مثلاً أن "الناس دائماً يفعلون الأمور لأسباب وجيهة، وإن لم يعلموا في كثير من الأحيان ما هذه الأسباب. ودور التحليل النفسي هو أن يساعدهم في تحديد ما قد تكونه هذه الأسباب، وما قد يكون رأيهم فيها".
غير أن "كيركوس رفيو" تنبهنا إلى أن العثور على مثل هذه العبارات الواضحة الناصعة أمر غير يسير، إذ "يغوص جزء كبير من الكتاب بعمق في أعمال أمثال دي دبليو وينيكوت وجيل ديلوز، في محاولة للعثور على توافق بين من يركزون على اللاوعي ومن يركزون على الحياة اليومية المعيشة"، وبين المحلل النفسي والمفكر البرغماتي، حيث "المحلل النفسي مؤمن بالجوهر واللاوعي، بينما البراغماتي لا يؤمن بالجوهري ويرفض الحتمية ويلتزم بحرية الإنسان في الاختيار". وحيث "يبدأ التحليل النفسي بالمقاومة، بينما تبدأ البرغماتية بالقبول".
ثمة نقطتان في عرض "كيركوس رفيو" الوجيز هذا يجدر الانتباه إليهما: الأولى هي تصنيف الكتاب باعتباره كتاباً في المساعدة الذاتية، والثانية هي مقابلته بين التحليل النفسي والبرغماتية.
في مقابل تصنيف "كيركوس رفيو" للكتاب بوصفه كتاب مساعدة ذاتية، يميل الأكثر تخصصاً من مراجعي هذا الكتاب إلى نفي هذا التصنيف، فيكتب هارفي فريدنبرغ (شيلف أويرنس) أن من يتناول كتاب "الحياة التي تريدونها" بحثاً عن إرشادات سهلة الهضم لكيفية مواجهة تحديات الحياة تنتظره مفاجأة. فـ"في هذه المقالات السبع الموجزة العميقة، والكثيفة في أحيان كثيرة، يبدو اهتمام المحلل النفسي البريطاني آدم فيليبس بإسداء النصائح من أجل الحصول على الحياة المرادة أقل من اهتمامه بسبر أغوار الوعي الإنساني مثلما استكشفها سيغموند فرويد وأتباعه ومنتقدوه".
أما عن المقابلة بين التحليل النفسي والبرغماتية، فيكتب فريدنبرغ أن فيليبس في "مقالة الكتاب الأولى وعنوانها (عن الحصول على الحياة التي تريدونها)، يقدم موضوع الكتاب المركزي: وهو التناقض بين نظرية فرويد في العقل الباطن [أو اللاوعي الذي يعرفه بأنه "نمط تفكير غريب مختلف فطري مدفوع بالغريزة"] وبين الرؤية (الجديدة قطعاً) التي تبناها الفيلسوف البرغماتي الأميركي ريتشارد رورتي. إذ يصف رورتي اللاوعي (ويسميه "الأنفس اللاواعية") باعتباره رفقة جيدة ومحتملة، بين مجموعة من الأنفس القادرة على التركيز على أفضل مصالحنا". هكذا يتضح الفارق بين فرويد الذي يرى اللاوعي أقرب إلى بعض من الدم الساري في العروق لا نملك من أمره شيئاً، وبين رورتي - الأميركي حتى النخاع - الذي يرى الوعي فرداً في عصابة تعرف كيف تحقق للذات "أفضل المصالح".
يستهل الكاتب البريطاني ستيوارت جيفريز مؤلف كتاب "موجز تاريخ الغباء" استعراضه للكتاب ["ذي ديلي تلغراف" - 20 يناير (كانون الثاني) 2026] قائلاً، "لو أنك تعيش في حي راق ولديك دخل كاف، فلعلك لا تحتاج إلى بذل جهد للحصول على ما تريد. بوسعك أن تسترخي على الأريكة وفي يدك ثمرة كمثرى وأمامك شريحة من جبن الركفور. ولو أنك تفضل المخدرات فبوسع رسالة نصية قصيرة أن تأتيك بها إلى باب بيتك. ومن الممكن في المستقبل القريب أن تحمل الطائرات المسيرة عشيقات وعشاقاً إلى بيتك، وبعد أن تنال متعتك الكئيبة مع الجبن والأفيون، يعادون جواً من حيث جاؤوا. فنحن الآن أباطرة رومانيون بأيديهم هواتف ذكية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ثم يطرح السؤال الصعب: هل التنعم بالملذات هو التنعم بالحياة؟ و"يجيب آدم فيليبس بالنفي ويقدم السبب". يؤكد جيفريز أيضاً أن الكتاب الذي يقدم السبب "ليس بكتاب في المساعدة الذاتية" ويمعن في التأكيد "فلو أن قارئ هذه المقالة يبحث عن تغيير سريع بمناسبة بداية العام فليبحث عنه في مكان غير هذا".
"ما يعرضه فيليبس في كتابه نقد دقيق ومزعزع لفكرة أننا نحن المنغمسين في ملذات القرن الـ21 يمكن أن نجد في هذه الأشياء الرضا أو التشبع. إنما يرى بدلاً من ذلك أن المجتمع بات غارقاً في ندم دائم، يسميه ندم الشُراة".
"تخيل شيئاً تريده. قد يكون شيئاً بسيطاً قريب الأجل، من قبيل جبن الركفور، أو شيئاً أبعد مدى ينطوي على مكانة اجتماعية من قبيل (آيفون 17) أو مجموعة أحذية، أو ساعة (باتيك فيليب)، أو سيارة (ميني كلوبمان) بأبواب جانبية للكلاب. كيف ومتى تقرر أن هذا الشيء هدف لك؟ هل ترغب فيه حقاً، أم أنك ببساطة ملئت بهذه الفكرة؟ كلما ازددنا قبولاً للاحتمال الثاني، ازددنا فقداناً لاستقلاليتنا. فأغلبنا في ما أظن يوافقون على أن هذا صحيح بدرجة ما، ولكننا نرى في المقابل نعرف أن السماح لغيرنا بتشكيل رغباتنا ليس بالطريقة المثلى لعيش الحياة. فماذا نكون في نهاية المطاف إن نحن صرنا محض ما يمليه علينا غيرنا؟".
"هذا التناقض واضح منذ أمد بعيد لفيليبس، صاحب الكتب الرائجة التي تجاوزت الـ20، ومنها كتابه المفضل عندي ذو العنوان منقطع النظير (عن التقبيل والدغدغة والملل)، ومن حسن حظه أنه غير متناغم مع الثقافة التي تزعم أن حصول المرء على ما يريد ليس سوى مسألة اختيار وإرادة. لقد كان فيليبس من قبل كبير معالجي الأطفال النفسيين في مستشفى تشارينغ كروس، وهو يمارس علم النفس الفرويدي اليوم. ويمزج بين الذكاء الفلسفي وسعة الاطلاع المثيرة للإعجاب. وقد حاورته مرة في بيته بغرب لندن، ومن حولنا أكوام من الكتب تهدد سلامتنا فعلاً، وقد تكون أيضاً ذات دلالة رمزية، فكان كلما سئل سؤالاً طأطأ لوهلة قبل أن يجيب، فأحببته، وأحببت فيه ذلك".
الهدية المثلى المستحيلة
يحكي جيفريز أنه قبل 40 سنة حينما كان يدرس الاقتصاد في الجامعة، "كانت نظرية التوقعات العقلانية (وتعني بإيجاز أنه يمكن أن نفترض أن كل شخص يعرف ما يريد ويمكن عن طريق النظرية أن يضع استراتيجية عقلانية لتحقيق رغباته) مطروحة بجدية لتفسير السلوك البشري. وذلك الموقف – على رغم ما يبدو عليه من اختزالية لكل ذي خبرة بالتعامل مع البشر - لا يزال حاضراً في الفكرة البديهية الشائعة فينا اليوم، والقائلة بأن أفضل وسيلة نفهم بها بعضنا بعضاً هي بوصفنا مستهلكين يعرفون ما يريدون، ويسعدون به، ولا يحتاجون إلا إلى الأدوات الملائمة - التي قد تكون خوارزميات أو ربما ذكاء اصطناعياً - للحصول عليه بشكل كفء".
"وليس الأمر كذلك في رأي فيليبس. فهو يصر على الذهاب إلى أن ما نعده طبيعياً تماماً من المشاعر والأمنيات والرغبات هو في الواقع مصطنع. فالمجتمع المحيط بنا، بالإعلانات التي تثب من الشاشات ولافتات الدعاية يدفعنا إلى تحسين حياتنا بالأشياء. ومحض استمرارنا في عمل ذلك شهراً بعد شهر وسنة بعد سنة قد يشير في ذاته إلى أن الهدية المثلى لا تشبعنا لوقت طويل بأية حال. فليتنا ندرك أننا نحاول ملء فراغ وجودي في أنفسنا بهراء باهظ الثمن".
يرى جيفريز أن المشكلة في رأي فيليبس مشكلة جذرية، وهي أن "قليلاً للغاية منا اليوم هم الذين قرأوا فرويد، ولقد كانت للطبيب البندقي العظيم عيوبه، لكنه أظهر لنا في الأقل أن عقلنا الباطن، بدافع من الغريزة، يدير جزءاً كبيراً من العرض البشري. ومأساة سلالتنا بحسب ما يكتب فيليبس هي جهلنا الجوهري والأساسي بأنفسنا، فلا يقتصر حالنا على أننا لا نعرف ما تريد، ولا أننا نريد فقط ما يشجعنا الآخرون على أن نريده، بل إن ورطة البشر أكبر من ذلك. فالإنسان بحسب ما كتب جاك لاكان هو الحيوان الوحيد الذي يريد الهرب من رغبته الخاصة، بمعنى أننا في أعماقنا نشعر بالخجل والاشمئزاز من فكرة الامتلاء والتشبع. لماذا؟ لأننا، خلافاً للحيوانات، بحسب ما يقول لاكان، لا يمكن أن نشبع. فلا نكاد نحصل على ما نريد، سواء أكان حباً، أم سيارة (أودي)، أم خزانة من (أيكيا)، حتى يفقد وهجه. ونشعر من ثم باشمئزاز من أنفسنا لأننا رغبنا فيه في المقام الأول. وننزعج، ونشعر بعدم الارتياح داخل جلودنا. فقد نكون حصلنا على ما نريد لكننا لا نشعر إلا أننا أسوأ حالاً من ذي قبل".
"رأى فرويد أن التحليل النفسي قد ينفع في هذا الصدد، بغرسه في المرضى إدراك مدى خضوعهم لسيطرة دوافع باطنة تضرب جذورها في طفولتنا الأولى. ومع ذلك فغاية ما يستطيع العلاج النفسي أن يحققه هو أن يحول البؤس الهستيري إلى شقاء إنساني عادي".
يدرك جيفيرز أن هذا قد لا يكون بالضبط ما يريد الناس أن يقال لهم، وبخاصة في شهور العام الأولى، إذ "يبدو هذا وكأن عليكم أن تقللوا من توقعاتكم الوجودية. فلعل الإنسان ببساطة كائن لا يعرف الرضا، ولذلك فإننا خلقنا لأنفسنا عالماً يربي مزيداً من عدم الرضا".
"أو يكون الأمر غير ذلك، ولعلنا قادرون على الحصول على مزيد. فمن الأبطال في كتاب فيليبس، المحلل النفسي دونالد وينيكوت المولود في بلايموث بإنجلترا، وقد ذهب إلى أننا في التحليل النفسي نصبح (قادرين على التلاعب بأنفسنا وعلى إدهاشها)، وبهذا، بحسب ما يوضح فيليبس، نتطور على المستوى الفردي. والمشكلة هي أن محض فكرة التلاعب بأنفسنا وإدهاشها تبدو أقل قيمة وأصعب تنفيذاً حينما يكون ما نريده من الحياة محدداً بالامتلاك المادي". وتبقى مشكلة في رأي جيفيرز "وهي أنني حتى مع نهاية كتاب فيليبس القيم العميق لا أعرف في صف من يقف هو نفسه، أفي صف وينيكوت المتفائل أم في فرويد المتشائم؟".
"بالنسبة إليّ، أنا المتفائل بطبعي، أرى التفاؤل أكثر جاذبية. بوسعنا أن نطمح إلى أكثر من القدر المعتدل من التعاسة قبل أن نرحل عن هذه الدنيا الفانية. والحياة شأنها أكبر من قول شوبنهاور الشهير الذي رآها حلقة مزعجة عديمة القيمة في سكون من العدم المبارك. فلنضع ثقتنا في وينيكوت: انسوا الأشياء البراقة اللذيذة، وسلسلة المتع الذاتية التي لا نهاية لها، ولنولِّ جميعاً وجوهنا صوب أنشطة مبهجة، ولننخرط مع العالم والناس من حولنا. وهذا بالنسبة إليّ نوع الحياة التي يصح أن تريدها، فلا يكون في الرغبة فيها نفع وحسب، وإنما خير أيضاً".
العنوان: The Life You Want
تأليف: Adam Phillips
الناشر: Farrar, Straus and Giroux