Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"سيرانو" الذي استعاره الفرنسي روستان من شاعر فوضوي من القرن 17

إنسانيّ يضحي بحبه كرمى لحبيبته وبوهيمي يحارب الشر والدناءة والنفاق

مشهد من تقديم لـ"سيرانو دي بيرجراك" (موقع المسرحية)

بالنسبة إلى الكاتب الفرنسي إدموند روستان (1868 – 1918) كان الكفاح الذي بذله كي يحوز على مكانة له في الحياة الأدبية والمسرحية الفرنسية، عسيراً وأليماً، غير أنه إذ حقق تلك المكانة أخيراً وهو كان يقترب من الثلاثين من عمره وتحديداً بفضل مسرحيته الكبرى "سيرانو دي بيرجراك"، كان يحلو له أن يتندر قائلاً أمام النجاح الذي حققته الشخصية بأكثر مما حققته المسرحية نفسها على أية حال: "كل الشبان يريدون أن يكونوا سيرانو، لكن أياً منهم لا يريد أن يكون ذا أنف طويل ومشوّه!". ولعل الغريب في هذه الحكاية هنا أن سيرانو الحقيقي الذي بنى روستان عليه مسرحيته، لم يكن لا مشوه الأنف ولا طويله. ربما كان أنفه أطول قليلاً من المعتاد ولكن الصورة التي رسمها روستان كانت على قدر كبير من المبالغة. وكذلك قد يمكننا القول هنا إن شخصية فارس المانشا "الحقيقية" التي قد يكون الكاتب الإسباني الكبير تسربانتس قد بنى عليها روايته الكبرى "دون كيخوتي" لم تكن على غرابة أطوار الشخصية الروائية. ولكن أوليس ذلك هو جوهر الفن حين يستقي من الحياة ويتجاوزها؟

من طواحين الهواء إلى الفساد والنفاق

والحقيقة أن ذكرنا دون كيخوتي هنا ليس صدفة فلا شك أن سيرانو دي بيرجراك الحقيقي الذي استخدمه إدمون روستان عند نهاية القرن العشرين عايش النجاح الكبير الذي حققته رواية تسربانتس بعد سنوات من ظهورها عند بدايات القرن السابع عشر وكان بعد يافعاً. ومن هنا يبدو لنا طبيعياً أن يمزج روستان بعد ذلك بنحو ثلاثة قرون بين شخصيته المسرحية ودون كيخوتي. مع فارق أساسي وهو أنه إذا كان بطل الرواية الإسبانية، المؤسسة للشخصيات الإنسانية في الرواية الحديثة، قد حارب طواحين الهواء فإن سيرانو المسرحية حارب الفساد على الأرض وضروب النفاق والشر والتلاعب بأفئدة الناس وعقولهم. كان إنساناً حتى بأكثر مما كانه دون كيخوتي. إذا كان سيرانو دي بيرجراك كما صوره روستان إنساناً. صحيح أنه لم يكن الأول الذي قدّمه المسرح. لكنه كان، على أية حال، من أوائل الأبطال المسرحيين الإنسانيين، الذين "ركّبت" المسرحية من حولهم ومن حول وجودهم الحقيقي. كان سيرانو الذي يقدمه روستان، شاعراً غريباً فوضوياً، ورجل جدال ومشاكسة لا يهدآن، وفيلسوفاً طليعياً وكاتباً مسرحياً، إضافة إلى كونه فارساً مغواراً ومبارزاً من طراز رفيع. غير أن هذا كله لم يوفر له ولو قسطاً ضئيلاً من السعادة التي كان ينشدها. ولكن هنا وقبل أن نسترسل في سياق المقارنة بين سيرانو الحقيقي وسيرانو المسرحي، سيكون مفيداً أن نتذكر هذا الأخير.

بطل التضحية
منذ الفصل الأول في المسرحية يكشف لنا روستان عن طبيعة سيرانو المركبة هذه، حيث نشاهده يمتشق كل قواه الجسدية والفكرية ليمنع تقديم مسرحية في "أوتيل بورغوني" لمجرد أن كاتب هذه المسرحية لا يعجبه. ثم خلال مبارزة يخوضها، نكتشف مدى قدرته على ارتجال الشعر كما مدى حبه الرومانسي لحبيبته روكسانا. لكن روكسانا، وهي في الأصل ابنة عم سيرانو، تهيم بآخر هو ضابط صف شاب من غاسكونيا، يدعى كريستيان، وهو كما يقدّم إلينا منذ البداية، الفتى الوسيم والخالي من أية أبعاد روحية أو عاطفية في شخصيته. ولما كانت روكسانا تخاف على حبيبها كريستيان تحرّش رفاقه العنيفين به، تطلب من ابن عمها المرعب سيرانو أن يتولى حمايته. وإذ يقبل سيرانو توفير هذه الحماية لغريمه، يطلب منه هذا الأخير أن يعلمه كيف يكون رجل فكر أيضاً، في زمن بات رجال الفكر مرغوبين أكثر، من النساء. وهكذا يجد سيرانو نفسه وسط وضعية تسليه من جهة، وتؤلمه من جهة ثانية، إذ ها هو يكتب الرسالة تلو الأخرى مفعمة بالحب، وموجهة من كريستيان إلى روكسانا، من دون أن تعلم هذه عن الخديعة شيئاً. وفي لحظة من اللحظات يقف سيرانو تحت شرفة روكسانا ويبثها لواعجه، على أساس أن المتحدث هو كريستيان ثم ما إن تنحني روكسانا لتقبيل حبيبها حتى يختفي سيرانو ليأخذ كريستيان مكانه ويقبلها. وهكذا تواصل روكسانا اعتقادها أن ما تسمعه أو تقرأه إنما هو من بنات أفكار كريستيان، جاهلة حتى أن سيرانو يحبها.

5 سنوات للترحم على الراحل

ويواصل هذا الأخير لعبته، حين يكتشف أن ثمة مغرماً آخر بروكسانا هو الدوق دي غيش، فيتدخل مفسداً على هذا الأخير كل خططه للدنو من الفاتنة. بعد ذلك، إذ يخلو درب الهوى لكريستيان وروكسانا يتزوج هذان. ولا يكون أمام الدوق دي غيش، إلا أن يسعى إلى الانتقام من سيرانو ومن كريستيان في آن، باعثاً إياهما للمشاركة في حصار عسكري. وخلال ذلك الحصار يقتل كريستيان. وقبل موته يتفق مع سيرانو على ضرورة قول الحقيقة لروكسانا، حيث بات على سيرانو أن يقول لها إنه هو الذي كان يكتب الرسائل، وإنه هو الذي عليها أن تحبّ حقاً، إذا كانت تلك الرسائل قد أشعلت الهوى في أعماقها. غير أن سيرانو، وإذ تصل روكسانا إلى المكان لتلقي النظرة الأخيرة على حبيبها وزوجها المقتول، يجبن عن الإفصاح بما كان يود الإفصاح عنه. أما روكسانا فإنها بعد تلك المأساة تنسحب لتعيش حزنها وذكرياتها في دير. وطوال السنوات الخمس عشرة التالية يحافظ سيرانو على زيارتها كل يوم سبت حيث يتجاذبان أطراف الحديث عن الراحل. وأخيراً إذ يقرر ذات يوم أن يزورها هذه المرة لكي يكشف لها السر العميق الذي احتفظ به، ولكي يرتبط بها أخيراً، لا يتمكن من المتابعة لأنه يموت في شكل غير متوقع. وهكذا تغرق روكسانا في حزنها مرة ثانية وهي في حداد على غرامها الذي خسرته مرتين.

بين الحقيقي وبديله

وطبعاً يمكننا أن ندرك هنا أن كل هذه الأحداث إنما أتت من بنات أفكار روستان وبالكاد تشبه بعض أو كل ما عاشه دي بيرجراك الحقيقي (1619 – 1655) الذي من المعروف أنه كان كاتباً ساخراً يعيش من المزاح وللمزاح ولقد تجلى ذلك في كتابين رئيسيين له بالكاد يمكننا أن نفترض أن سيرانو المسرحي كان من شأنه أن يكتبهما "قصص مضحكة من دول وأمبراطوريات القمر" (1657) و"قصص مضحكة من دول وإمبراطوريات الشمس" (1662) وهما كتابان انتشرا انتشاراً واسعاً في زمنهما واعتبرهما كثر من القراء والمعلقين الفرنسيين "ردّاً فرنسياً" على رواية تسربانتس الكبرى التي صدرت واكتملت بين 1605 و1610.
ومهما يكن من أمر كان واضحاً أن  إدمون روستان إنما فعل هنا في مسرحيته "سيرانو دي بيرجراك" ما كان اعتاد أن يفعله في معظم أعماله المسرحية، حيث زاوج بين الروح والفكر، وبين واقعية مطلقة ورومانسية حادة. ما جعل أعماله المسرحية تترجم إلى لغات عدة منها العربية حيث كانت مسرحيات له مثل "النسر الصغير" و"سيرانو"، جزءاً من الريبرتوار المسرحي العربي أول عهد المسرح، مقدماً من كبار المسرحيين "الشوام" الذين عاشوا وعملوا في مصر وكانوا متشربين بالثقافة الفرنسية التي ترجموا عنها (جورج أبيض مثلاً) هاتين المسرحيتين خاصة. ولكن من دون أن يفكر أحد بالتحري عن سيرانو الحقيقي الذي بقي مجهولاً هو الذي عاش في زمنه حياة بوهيمية مليئة بالفسق والخلاعة ما عرضه لملاحقات الكنيسة والمجتمع وجعله شخصاً ملعوناً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

آلام السنوات الأخيرة ونجاحاتها

وروستان عرف كشاعر وكاتب مسرحي ولد في مرسيليا لأب كان عالم اقتصاد وشاعراً بدوره. وإدمون بعد أن درس الصفوف الابتدائية في مرسيليا أرسل إلى باريس حيث درس الفلسفة والتاريخ والأدب وبدأ يكتب نصوصاً ينشرها في مجلات تلك المرحلة. ولقد أُنتجت أولى مسرحياته "القفاز الأحمر" عام 1888 وكان في العشرين لكنها لم تلق أي نجاح وكذلك سيكون حال عدة أعمال تالية له، حتى واتاه النجاح أخيراً مع "سيرانو" التي قدمت عام 1898 فاعتبرت من فوره آخر مسرحية ما بعد رومانطيقية ما جعل أجيالاً شابة تقبل على مشاهدتها وجعل الشخصية نفسها قبلة أنظار جيل كان قد سئم الشخصيات الرومانطيقية. وهكذا حققت المسرحية نجاحا نقدياً وجماهيرياً سيدوم طويلاً بخاصة أن المسرحية ستترجم إلى لغات عدة وتقدم في مدن أوروبية وغير أوروبية. ولسوف يتكرر ذلك النجاح مع روستان حين عرضت له "النسر الصغير" وهو في الحادية والثلاثين ما أدى إلى قبوله عضواً في الأكاديمية الفرنسية. غير أن سروره بهذا كله لم يطل بسبب اعتلال صحته حيث عاش سنوات أليمة خفّ فيها إنتاجه حتى كتب في آخر سنوات حياته دراما بعنوان "آخر ليلة في حياة دون جوان" لم تنشر إلا عام 1921 بعد موته بثلاث سنوات.

المزيد من ثقافة