ملخص
الكرملين لجأ إلى زيادة الضرائب والاقتراض لتمويل حرب تتجاوز كلفتها 170 مليار دولار سنوياً، وعلى رغم الضغوط الاقتصادية، فلا تبدو موسكو مستعدة لتغيير حساباتها العسكرية في أوكرانيا.
في وقت تجري فيه روسيا وأوكرانيا محادثات سلام مباشرة للمرة الأولى منذ أشهر، يواجه أهم مصادر تمويل الحرب الروسية، وهو النفط، ضغوطاً متزايدة تهدد بتقويض الاستقرار الاقتصادي الذي كثيراً ما تباهى به الكرملين.
تراجع سعر النفط الروسي، وهو الصادرات الرئيسة للبلاد، تحت وطأة وفرة المعروض العالمي وتشديد العقوبات الغربية المرتبطة بالحرب.
ووفقاً لوزارة المالية الروسية، انخفضت إيرادات النفط والغاز بنحو الربع خلال العام الماضي، مما دفع الحكومة إلى اللجوء لرفع الضرائب وتوسيع الإنفاق بالعجز لسد الفجوة.
وعلى رغم ذلك، فلا توجد مؤشرات قوية حتى الآن إلى أن هذه الضغوط الاقتصادية، أو أي استياء قد تثيره لدى رجال الأعمال والرأي العام، ستكون كافية لتغيير حسابات الرئيس فلاديمير بوتين في شأن الحرب، ومن المقرر أن تتواصل المفاوضات الثلاثية بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة، في أبوظبي.
لكن مع ركود الاقتصاد واقتراب الكرملين من حدود ما يمكن استخراجه من الموارد، بات على المواطنين الروس تحمّل نصيب أكبر من كلفة حرب تُقدّر نفقاتها بأكثر من 170 مليار دولار سنوياً.
وقال يفغيني نادورشين، وهو اقتصادي في موسكو يقدم الاستشارات للشركات والبنوك لصحيفة "نيويورك تايمز"، "الوضع قابل للإدارة، لكن لا أحد يشعر بالارتياح".
وعلى مدى عقود حكمه، بنى بوتين سمعته على تحقيق الاستقرار لاقتصاد روسي كان يعاني انهياراً حاداً بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، من خلال خفض الديون، وتبسيط النظام الضريبي، وكبح التضخم. وساعدت عائدات النفط القوية الدولة على تحسين مستويات المعيشة، في معادلة راهن الكرملين من خلالها على الحفاظ على رضا الشارع مقابل تقليص الحريات.
غير أن هذا الاستقرار بدأ يتصدع، فالتراجع الحاد في إيرادات النفط أدخل روسيا مرحلة جديدة تتسم بعجز مزمن في الموازنة، وضرائب أعلى، وتضخم عنيد.
ضربتين لتجارة النفط الروسية
وتعرّضت تجارة النفط الروسية لضربتين أساسيتين، الأولى تمثلت في تراجع أسعار النفط منذ أبريل (نيسان) 2025، بعد قرار منظمة "أوبك" زيادة الإنتاج تدريجاً عقب أعوام من الخفض، أما الثانية فجاءت من العقوبات الغربية الجديدة وتشديد تطبيق القائم منها.
وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، فرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقوبات على أكبر شركتين نفطيتين في روسيا، "روسنفت" المملوكة للدولة و"لوك أويل" الخاصة، مما قلّص بشكل كبير قدرتهما على بيع الخام. وشددت الدول الغربية ملاحقتها لـ"أسطول الظل" من ناقلات النفط التي تستخدمها روسيا للالتفاف على العقوبات.
وخلال هذا الشهر، صادرت القوات الأميركية سفينة ترفع العلم الروسي في شمال الأطلسي كانت تُستخدم لنقل نفط فنزويلي، فيما اعترضت البحرية الفرنسية ناقلة في البحر المتوسط يُشتبه في استخدامها علماً مزيفاً وارتباطها بشبكة روسية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومع فائض المعروض العالمي، بات لدى المشترين بدائل أوسع عن النفط الروسي، مما يمنحهم القدرة إما على الانسحاب بالكامل أو المطالبة بخصومات أكبر لتعويض أخطار التعامل مع نفط خاضع للعقوبات، بحسب المتخصص في شؤون الطاقة لدى "مؤسسة كارنيغي"، سيرغي فاكولينكو، وأضاف أن "انخفاض الأسعار أدى دوراً محورياً في جعل هذه الإجراءات أكثر فاعلية".
واتسعت الخصومات على النفط الروسي بشكل لافت، إذ أعلنت وزارة الاقتصاد أن متوسط سعر البرميل بلغ 39 دولاراً في ديسمبر (كانون الأول) 2025، مقارنة بأكثر من 57 دولاراً في أغسطس (آب) 2025.
كلفة الحرب تلتهم 30%
تفاقمت الضغوط مع تكثيف أوكرانيا هجماتها بالطائرات المسيّرة منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، على ناقلات مرتبطة بروسيا في البحر الأسود والبحر المتوسط، إضافة إلى استهداف مصافي تكرير داخل الأراضي الروسية، وأسهم ذلك في أزمات وقود بمناطق عدة، مما اضطر الحكومة إلى فرض حظر موقت على صادرات المنتجات النفطية.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن "العامل الوحيد القادر على تغيير الوضع هو الضغط الاقتصادي على روسيا"، مضيفاً أن "نفاد المال هو الطريق لإنهاء الحرب".
وليست هذه المرة الأولى التي يواجه فيها بوتين تراجعاً في أسعار النفط، إلا أن هامش المناورة بات أضيق، فخفض الإنفاق أصبح صعباً في ظل أن كلفة الحرب تلتهم نحو 30 في المئة من موازنة سنوية تبلغ 580 مليار دولار، كذلك فإن السماح بتراجع العملة لم يعد خياراً سهلاً، إذ ظل الروبل قوياً.
بدعم من قيود الاستيراد وارتفاع أسعار الفائدة، ارتفع الروبل بنحو 45 في المئة مقابل الدولار خلال 2025، مما يعني أن الحكومة تحصل على إيرادات أقل بالعملة المحلية عن كل برميل نفط يُباع.
وأمام تضاؤل الخيارات، لم يجد الكرملين بداً من زيادة الدين العام ورفع الضرائب على الأفراد والشركات، وشملت الزيادات الضريبية مشاريع صغيرة مثل المخابز والمتاجر، مما أثار احتجاجات نادرة بين أصحابها.
وبلغ عجز الموازنة الروسية 72 مليار دولار في 2025، وهو الأعلى اسمياً منذ 2009، ويتوقع نادورشين أن يتسع العجز أكثر خلال العام الحالي، وقال "الوضع يزداد تعقيداً، ومن الواضح أن وتيرة هذا التعقيد أصبحت مثيرة للقلق".