ملخص
المشكلة المركزية في الفيلم ليست في كثرة المواضيع، بل في غياب الثيمة التي تنظمها. هل هو فيلم عن الحب في زمن الانهيار، أم عن الوطن الذي لا يحتمل، أم عن الذاكرة والطفولة والصدمة، أم عن الاستحالة الوجودية للاستقرار؟
في باكورة أعماله الروائية "نجوم الأمل والألم"، لا يقدم المخرج اللبناني سيريل عريس قصة حب وحسب، بل يحاول أن يحمل هذه العلاقة مهمة سرد تاريخ لبنان الحديث بأكمله، من الحرب الأهلية إلى انفجار المرفأ والانهيار الاقتصادي.
يمنح هذا الطموح الفيلم كثافة رمزية واضحة، لكنه في الوقت ذاته يضعه أمام مأزق بنيوي أساسي، إذ تتحول العلاقة العاطفية إلى وعاء واسع يلقى داخله كل شيء، الذاكرة والسياسة والصدمة والحنين والغضب، من دون أن تُنظم هذه العناصر ضمن ثيمة مركزية واضحة أو مسار درامي متماسك.
يريد الفيلم أن يكون شهادة وقصة حب ومرثية وطن وتأملاً في الذاكرة في آن واحد، فينتهي إلى أن يكون كل ذلك جزئياً، من دون أن يكتمل أيّ منها.
القصة
تبدأ القصة بلقاء الطفلين نينو وياسمينة (مونيا عقل وحسن عقيل) في بيروت خلال أعوام الحرب. وفي مشاهد الطفولة، نرى حباً بريئاً ينمو في بيئة مشبعة بالخوف، القصف في الخلفية، والهروب إلى الملاجئ، وحال القلق الدائم التي تشكل الخلفية النفسية الأولى للعلاقة.
هذه البداية تمتلك قوة عاطفية واضحة لأنها تضع الحب في مواجهة مبكرة مع العنف، وتمنح العلاقة منذ اللحظة الأولى بعداً وجودياً، إذ يصبح الارتباط ليس مجرد عاطفة، بل وسيلة نجاة رمزية، غير أن العمل الذي كتبه عريس لا يستثمر هذه البذرة الأولى بما يكفي لاحقاً، بل يتعامل معها كحنين مؤسس فقط، من دون أن يحولها إلى قوة درامية تتطور مع الزمن.
وبعد هذا اللقاء الأول، يفترق الطفلان، ويعود الفيلم بعد أعوام ليجمعهما في مرحلة الشباب. هنا يحاول العمل أن يبني علاقة ناضجة، لكنها لا تتشكل تدريجاً بقدر ما تُستدعى فجأة من الماضي.
اللقاء الثاني يبدو أقرب إلى استعادة فكرة الحب منه إلى تجربة حب جديدة، فالشخصيتان تدخلان العلاقة وكأنهما تحملان صورتين جاهزتين لبعضهما بعضاً، لا ككائنين تغيّرا بفعل الزمن والصدمة والنضج. وبدلاً من أن يكون هذا التوتر بين الذاكرة والواقع مادة درامية أساسية، يظل هامشياً، فلا يتحول إلى صراع داخلي حقيقي ضمن الشخصيات.
تمر العلاقة بين البطلين بمحطات متكررة من الاقتراب والانفصال، لكنها لا تُبنى كمسار تطور نفسي واضح. والانفصال لا يبدو نتيجة قرار داخلي عميق أو صراع قيمي أو تحول وجودي، بل استجابة مباشرة للظروف الخارجية، الحرب والفوضى والهجرة والانهيار.
وبهذا المعنى، لا تُصاغ الشخصيات كفاعلة داخل التاريخ، بل كضحايا له، وتساق من مرحلة إلى أخرى من دون أن تملك إمكاناً حقيقياً للتأثير في مسارها الخاص. وهذا الخيار السردي، على رغم واقعيته الظاهرة، يضعف البنية الدرامية لأن الدراما تقوم على الصراع الداخلي بقدر ما تقوم على الضغط الخارجي.
في المرحلة التالية، يعود الفيلم لبيروت بعد انفجار المرفأ عام 2020، حيث تلتقي الشخصيتان مجدداً في مدينة مدمرة، مادياً ونفسياً. وتتكثف هنا الرمزية، المدينة المنكوبة تقابل علاقة منهكة، الركام الخارجي يعكس الخراب الداخلي.
لكن هذا التوازي، على رغم قوته البصرية، لا يتحول إلى تحليل سردي أو نفسي معمق، إذ يظهر الانفجار بوصفه صدمة كبرى، لكن لا يعاد تخيّله سينمائياً من داخل الشخصيات، بل يعرض غالباً عبر مشاهد تسجيلية أو لقطات واقعية، مما يخلق فجوة بين العالمين الروائي والوثائقي. وبدلاً من أن يصبح الانفجار حدثاً داخلياً يعيد تشكيل العلاقة، يتحول خلفية كبرى تضاف إلى السرد من دون أن تهضم فيه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويتكرر هذا الخيار في تعاطي الفيلم مع التاريخ السياسي عامة. الحرب الأهلية والاغتيالات والانهيار الاقتصادي، كلها تحضر بوصفها حقائق ثقيلة، لكنها لا تبنى داخل النسيج الدرامي للشخصيات، بل تعرض كوقائع قائمة بذاتها.
وبدلاً من أن يعمق إدخال اللقطات الوثائقية الإحساس بالواقع، يزيد من الانفصال بين ما هو تخييلي وما هو تسجيلي. فلا يعيد الفيلم صياغة الواقع داخل لغته الخاصة، بل يستعيره جاهزاً، مما يحول السياسة من مادة سردية إلى عبء بصري، ومن تجربة معيشة إلى تقرير مرئي.
سينما الحرب
وهنا يكتسب الفيلم بعده الأوسع لأنه ينتمي إلى تقليد راسخ في السينما اللبنانية الحديثة، حيث يعود عدد كبير من المخرجين، بخاصة في أعمالهم الروائية الأولى، للحرب الأهلية بوصفها مادة سردية مركزية.
وهذا التكرار لا يعود فقط لكون الحرب حدثاً تاريخياً مفصلياً، بل لكونها جرحاً نفسياً لم يغلق بعد، فجيل كامل من السينمائيين نشأ وسطها أو في ظل آثارها المباشرة. وبالنسبة إلى هؤلاء، الحرب ليست ماضياً يمكن تجاوزه، بل بنية نفسية ومعرفية تشكل رؤيتهم للعالم والعنف والعلاقات الإنسانية.
كما أن الحرب تؤدي وظيفة سردية جاهزة، فهي توفر صراعاً واضحاً وخطراً دائماً وخلفية درامية مشحونة وشرعية أخلاقية للحديث عن الألم والضياع والانكسار. وبالنسبة إلى المخرج الشاب، تمثل الحرب مادة آمنة نسبياً من ناحية التلقي لأنها تمنحه مشروعية رمزية أمام الجمهورين المحلي والدولي، وتضع عمله ضمن سردية كونية عن العنف والنجاة والذاكرة، لكن هذه الجاهزية السردية، على رغم فائدتها، تحمل خطر التحول إلى قالب جاهز، حيث تُستدعى الحرب لا بوصفها سؤالاً مفتوحاً، بل بوصفها جواباً مسبقاً لكل أزمة نفسية أو اجتماعية.
إضافة إلى ذلك، تقوم الذاكرة غير المحسومة بدور حاسم في هذا الميل المتكرر، إذ لم ينجز لبنان سردية وطنية موحدة حول الحرب، ولا عملية عدالة انتقالية، ولا تفكيكاً جماعياً للذاكرة العنيفة.
وفي غياب هذا العمل المؤسسي، يتحمل الفن، والسينما تحديداً، عبء تفكيك الماضي. ويعود المخرجون للحرب ليس فقط لأنهم يريدون سردها، بل لأن المجتمع لم يسردها بعد. وهكذا تتحول الأفلام إلى مساحات بديلة للذاكرة، لكنها تبقى فردية وجزئية ومحكومة بزوايا نظر ذاتية، مما يكرس بدوره تكرار الموضوع بدلاً من تجاوزه.
لكن هذا التكرار يضع السينما اللبنانية أمام مأزق إبداعي، فحين تصبح الحرب المرجعية السردية الأولى، تتحول بقية التجارب مثل الهجرة والطبقة والجندر والعمل والفضاء الحضري والجسد، إلى مواضيع ثانوية أو مشتقة من الحرب، لا قائمة بذاتها.
في السياق ذاته، يمكن قراءة "نجوم الأمل والألم" بوصفه استمراراً لهذا التقليد، لكنه أيضاً مثالاً على حدوده. لا يسائل الفيلم الحرب بقدر ما يستخدمها، ولا يفكك أثرها النفسي بقدر ما يستعرض نتائجها. وبهذا، يعيد إنتاج العلاقة المأزومة بين السينما اللبنانية وذاكرتها، علاقة تقوم على الاستدعاء أكثر مما تقوم على التحليل.
الشخصيات
على مستوى الشخصيات الثانوية (كميل سلامة وجوليا قصار وتينو كرم ونادين شلهوب) نلاحظ حضوراً واسعاً من ناحية العدد، لكن محدوداً من ناحية العمق، فالجد والأم والأصدقاء يظهرون في لحظات مفصلية، يحمل كل منهم إمكانات درامية وإنسانية كبيرة، لكن الفيلم لا يمنحهم الوقت أو المساحة اللازمة للتطور.
هم موجودون بوصفهم شواهد على الزمن، لا بوصفهم ذوات فاعلة داخله. وبهذا، يختزل المجتمع اللبناني في علاقة ثنائية فقط، مما يجعل الأزمة الوطنية تبدو كخلفية لعاطفة شخصية، بدلاً من أن تكون فضاءً اجتماعياً معقداً تتقاطع داخله الذوات والمصائر.
ويعكس الحوار هذا الارتباك البنيوي، ففي لحظات كثيرة يلجأ الفيلم إلى لغة انفعالية مباشرة، صراخ وشتائم وعبارات حادة في محاولة لإنتاج واقعية عاطفية. وفي لحظات أخرى، ينزلق إلى رومنسية لفظية تقليدية، جمل عن الحب والأمل والفقد تبدو مألوفة أكثر مما هي متفردة.
المشكلة المركزية في الفيلم ليست في كثرة المواضيع، بل في غياب الثيمة التي تنظمها. هل هو فيلم عن الحب في زمن الانهيار، أم عن الوطن الذي لا يحتمل، أم عن الذاكرة والطفولة والصدمة، أم عن الاستحالة الوجودية للاستقرار؟
كل هذه الأسئلة حاضرة، لكنها لا تتحول إلى مركز ثقل دلالي يقود السرد. والتعدد لا يتحول إلى ثراء، بل إلى تشويش. الفيلم لا يختار موقعه داخل هذه الأسئلة، بل يحاول أن يقف وسط جميعها في آن واحد، فيفقد قدرته على الحسم.
حتى مفهوم الأمل الذي يعلنه العنوان، لا يتحول إلى تجربة سردية حقيقية، فالأمل يظهر كشعار لغوي أكثر منه كمسار درامي. ولا نرى كيف يبنى الأمل وكيف يختبر وكيف يتعرض للانكسار وكيف يعاد تشكيله. والألم، على رغم حضوره الكثيف، لا يبنى كحال داخلية متراكمة، بل يعرض كسلسلة صدمات متلاحقة.
مع ذلك، لا يمكن إنكار صدق النوايا خلف العمل، فهناك رغبة واضحة في كتابة شهادة عاطفية على وطن منكوب، وفي استخدام الحب بوصفه عدسة إنسانية لقراءة التاريخ. لكن هذه الرغبة، بدلاً من أن تتحول إلى بنية سردية دقيقة، تتحول إلى فائض تعبيري.
يشبه الفيلم من يريد أن يبكي كل الجراح دفعة واحدة، فيفقد القدرة على البكاء بعمق على جرح واحد.
"نجوم الأمل والألم" فيلم طموح أكثر مما هو منجز، صادق أكثر مما هو محكم، كثيف أكثر مما هو متماسك. يشبه الوطن الذي يصوره، فإنه مزدحم بالأحداث، مثقل بالذاكرة، مفتوح الجراح، لكنه فاقد للبوصلة السردية.