Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"أحلام قطار"... سيرة رجل بلا صوت

فيلم للمخرج كلينت بينتلي عن تحولات كبرى أعادت تشكيل الغرب الأميركي

الممثل الأسترالي جويل إجيرتون (مواقع التواصل)

ملخص

من أهم لحظات الفيلم، شهادة غرينير على جريمة قتل عنصرية لعامل سكة حديد صيني. ويتحول هذا الحدث إلى حضور شبحي في حياته، يعود له في الأحلام والرؤى، رمزاً لذنب لم يحسم قط. ويصور الفيلم هذا المشهد كاختبار للفاعلية الأخلاقية، يفشل فيه غرينير لا بدافع القسوة بل بسبب التردد والخوف.

هو ليس سرداً لسيرة رجل وحسب، ولا مجرد استعادة شاعرية لأميركا الريفية مطلع القرن الـ20، بل إنه تأمل سينمائي في كيفية تشكل الحياة الإنسانية داخل منظومات لا يفهمها الفرد تماماً ولا يملك السيطرة عليها، التقدم الصناعي والعنف البنيوي والذاكرة الانتقائية والصمت بوصفه أسلوب حياة.

في فيلمه الجديد "أحلام قطار" (Train Dreams) الذي تبثه "نتفليكس"، لا يعيد المخرج الأميركي كلينت بينتلي بناء التاريخ عبر مشاهد ملحمية أو صراعات درامية مباشرة، بل يصفي ذلك التاريخ من خلال وعي رجل واحد. روبرت غرينير، عامل سكك حديد وحطاب، تتقاطع حياته الهادئة مع تحولات كبرى أعادت تشكيل الغرب الأميركي مادياً وأخلاقياً وبيئياً.

الفيلم المقتبس من رواية دينيس جونسون القصيرة، لا ينشغل بتتبع الأحداث بقدر ما ينشغل بتتبع الأثر. وما يبقى ليس الوقائع، بل الصدى العاطفي لها والحزن المتراكم والذنب غير المحسوم.

 

 

ومن خلال ذلك، يبني صورة شاعرية شبه مرثوية لرجل تتكشف حياته في صمت، تصوغها الأعمال الشاقة والخسارة وثقل الإخفاق الأخلاقي غير المعلن، غير أن هذه الشعرية نفسها تطرح أسئلة صعبة عما يُترك بلا قول، ومن تُركز معاناته، وما إذا كان الجمال أحياناً ينعم الصدمات التاريخية والأخلاقية بدلاً من أن يضيئها.

ذكرى

تتكشف أحداث "أحلام قطار" كذكرى أكثر من كونها سرداً تقليدياً، إذ بُني الفيلم من لحظات متفرقة من حياة روبرت غرينير، تربطها رواية صوتية هادئة يؤديها ويل باتون. ولا يهيمن هذا الصوت على الفيلم، بل يعمل كتيار خافت، يقدم السياق من دون تفسير والملاحظة من دون توجيه. والنتيجة إحساس بالمسافة التاريخية، كما لو أن حياة غرينير قد انسحبت بالفعل إلى أرشيف المنسيين، ولم يبقَ منها سوى أثر ضعيف للذاكرة.

ويمنح هذا النهج القصصي الفيلم نبرة تأملية، كما لو أننا ننظر إلى حياة لم تفهم تماماً أثناء عيشها، فغرينير ليس بطلاً، ولا هو شرير، بل يُقدم على أنه واحد من عدد لا يحصى من العمال الذين ساعد كدحهم في بناء أميركا الحديثة والذين ظلت أسماؤهم وقصصهم منسية إلى حد كبير.

ويهتم الفيلم بالكلفة الجسدية لهذا العمل، رجال يسحقهم سقوط الأشجار، أو تحرقهم المتفجرات، أو يقتلون في حوادث مفاجئة تكاد تبدو عبثية في عشوائيتها. ولا تعرض هذه الوفيات عبر لقطات قريبة أو انفجارات عاطفية، بل غالباً ما تقع من بعيد، بصرياً مصغرة، كما لو أنها تتلاشى مسبقاً في النسيان.

 

 

ويعكس هذا الاختيار الأسلوبي اهتمام الفيلم بمحو التاريخ، فالرجال الذين بنوا السكك الحديد تركوا وراءهم قضباناً وجسوراً ومدناً، لكن حياتهم الخاصة لم تترك سوى القليل من الأثر.

وتعكس الحياة العاطفية لغرينير هذا المحو ذاته، فهو يختبر الفرح والحزن والذنب والحنين، لكنه نادراً ما يعبر عنها لفظياً. زواجه من غلاديس (فيليسيتي جونز) يمنح الفيلم أكثر لحظاته إشراقاً، لا لأن حبهما عاطفي على النحو التقليدي، بل لأنه قائم على الحضور المتبادل والعمل المشترك والاعتراف الصامت.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتبنى علاقتهما عبر إيماءات لا تصريحات، يرسمان منزلهما بالحجارة، يعملان جنباً إلى جنب، يحمل طفلتهما قرب النهر، لتقدم هذه المشاهد توازناً هشاً أمام العنف وعدم الاستقرار في حياة غرينير العملية، وتلمح إلى إمكان الانتماء في عالم تحكمه الحركة والاقتلاع.

من أهم لحظات الفيلم، شهادة غرينير على جريمة قتل عنصرية لعامل سكة حديد صيني. ويتحول هذا الحدث إلى حضور شبحي في حياته، يعود له في الأحلام والرؤى، رمزاً لذنب لم يحسم قط. ويصور الفيلم هذا المشهد كاختبار للفاعلية الأخلاقية، يفشل فيه غرينير لا بدافع القسوة بل بسبب التردد والخوف. يتكلم، لكنه لا يتحرك بحسم، والعواقب لا رجعة فيها.

 ومع ذلك، يثير هذا التصوير تساؤلات أخلاقية، ففي رواية دينيس جونسون الأصلية، لا يكون غرينير مجرد شاهد، بل مشاركاً نشطاً في محاولة القتل. أما في عمل كلينت بينتلي، فيزيل هذا التعقيد الأخلاقي ويصوره إلى حد كبير على أنه شخص بريء يمرّ من هناك.

على رغم ذلك، يظل "أحلام قطار" قوياً بسبب اتساقه العاطفي، إذ تتسم حياة غرينير بخسارات متكررة، شخصية وجماعية، فيشهد الموت في العمل ودمار الغابات وتهجير المجتمعات، وفي النهاية فقدان عائلته. وتتراكم هذه التجارب لتتحول إلى حزن هادئ يحدد حياته الداخلية.

 

 

ويعد أداء الممثل الأسترالي جويل إجيرتون محوراً أساساً، إذ يؤدي دور غرينير كرجل قليل الكلام، تنقل مشاعره في المقام الأول من خلال وقفته ونظرته وصمته. ويبدو وجهه غالباً وكأنه يحمل ثقلاً لا يستطيع تسميته.

ويتيح هذا التحفظ للجمهور إسقاط تفسيراتهم الخاصة على شخصيته، ولكنه يعزز أيضاً موضوع الفيلم المتمثل في العجز عن التعبير العاطفي. يشعر غرينير بعمق، لكنه نادراً ما يعبر عن تلك المشاعر بصورة مباشرة. وبهذا المعنى، يصبح رمزاً لحال تاريخية أوسع، لجيل من الرجال شكلهم العمل والعزلة والصدمات غير المعلنة.

ويضع الفيلم حياة غرينير ضمن التحول الأكبر للمشهد الطبيعي الأميركي، فقطع الأشجار والسكك الحديد والتنمية الصناعية ليست مجرد خلفيات، بل هي قوى مركزية تشكل القصة.

يتحدث الرجال في الفيلم عن الأشجار والغابات والأرض ليس فقط كموارد، بل كأنظمة حية مترابطة وهشة، ويتجلى هذا الوعي البيئي بوضوح أكبر من خلال الشخصيات الثانوية مثل خبير المتفجرات الثرثار ومساح الغابات الذي يظهر لاحقاً في حياة غرينير. وتعكس كلماتهم وعياً متزايداً بأن التقدم، على رغم فوائده المادية، يحمل كلفاً بيئية وأخلاقية.

بصرياً، يعزز الفيلم هذا الموضوع من خلال تقديم الطبيعة على أنها عنصر عظيم وضعيف في آن واحد، فتصور الغابات بقدسية وتؤطر الأنهار كمساحات مقدسة وتظهر الحياة البرية كجزء من شبكة حية لا كديكور.

وفي الوقت ذاته، لا تخجل الكاميرا من إظهار ندوب النشاط الصناعي، فتسقط الأشجار ويعاد تشكيل التضاريس وتلتهم الحرائق مناطق بأكملها. وبذلك يخلق الفيلم حواراً بصرياً بين الجمال والدمار، موحياً بأنهما لا ينفصلان في قصة الحداثة.

ومع ذلك، يصبح الجمال البصري للفيلم نقطة توتر، فالتصوير السينمائي مؤلف بعناية فائقة ومشبع بالضوء الذهبي والتأطير الفني لدرجة أنه يخاطر أحياناً بـ"تجميل" المعاناة.

وفي نهاية الفيلم، يستخدم مونتاج يستعرض حياة غرينير بينما يظهر وهو في طائرة يتأمل المشهد الطبيعي من أعلى. المشهد مؤثر من الناحية العاطفية، لكنه في الوقت نفسه محكم الصياغة إلى حد يجعله أقرب إلى الخلاصة منه إلى الاكتشاف. فبدلاً من أن يفتح أفقاً جديداً للأسئلة، يوجه المشاهد نحو إحساس بعينه، خليط من حزن هادئ واستسلام متصالح. وتسهم الأدوار المساندة أيضاً في النسيج العاطفي للفيلم، إذ إن شخصيات مثل خبير المتفجرات الثرثار وموظفة الغابات تؤدي دوراً أشبه بأصوات في جوقة أخلاقية تعبر عن القلق البيئي والترابط والمسؤولية الإنسانية، وعلى رغم أن هذه الشخصيات تميل أحياناً إلى الرمزية، فإنها تربط ثيمات الفيلم بتفاعلات بشرية ملموسة.

الموسيقى

موسيقى برايس ديسنر عنصر أساس في البنية العاطفية للفيلم، فبدلاً من الاعتماد على ألحان درامية واضحة أو ثيمات موسيقية صريحة، يستخدم ديسنر خامات صوتية دقيقة وأنماطاً متكررة وآلات محدودة. وغالباً ما تبدو الموسيقى أقل كمرافقة وأكثر كامتداد لجوّ الفيلم، كنظير صوتي للضباب، أو الريح، أو الماء الجاري.

كثيراً ما تطمس الموسيقى الحدود بين الموسيقى التصويرية والصوت البيئي، وفي بعض اللحظات يصعب التمييز بين أين تنتهي الموسيقى وأين يبدأ صوت الطبيعة، ليعزز هذا الاندماج ثيمة الترابط المركزية في الفيلم، ليس فقط بين البشر، بل بين البشر وبيئتهم. ولا تفرض الموسيقى معنى عاطفياً على الصور، بل تعمق رنينها، مما يسمح للعاطفة بأن تتشكل بصورة عضوية.

في مشاهد الخسارة، تبقى الموسيقى متحفظة، معتمدة غالباً على تناغمات قليلة وعبارات غير مكتملة، وهذا الامتناع عن تقديم خاتمة موسيقية يعكس حزن غرينير غير المحسوم، إذ لا تسعى الموسيقى إلى التعزية أو التسكين بالمعنى التقليدي، بل تفسح المجال للحزن كي يبقى حاضراً من دون حل. وهذا التحفظ من أعظم نقاط قوة الموسيقى، إذ يتماشى مع التزام الفيلم العام بالاقتصاد العاطفي.

وفي أفضل لحظاتها، تعزز الموسيقى الطابع التأملي للفيلم، وتشجع المشاهد على الإصغاء بقدر ما تشجعه على المشاهدة. لا تخبرنا بما نشعر به، بل تخلق بيئة يصبح فيها الشعور ممكناً. وبهذا المعنى، تشارك الموسيقى في مشروع الفيلم الأوسع، تحويل حياة صامتة إلى تجربة ذات صدى.

يتمتع فيلم "أحلام قطار" بجمال ملحوظ وتحفظ عاطفي وطموح هادئ. لا يسأل عن نوع العالم الذي نبنيه، بل عن نوع الحياة التي تعاش داخله. وإجابته ليست حاسمة، لكنها صادقة ومعقدة ومؤرقة بهدوء.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما