ملخص
في هذا التقرير ترصد "اندبندنت عربية" قدرات "حماس" قبل الحرب، وماذا دمرت إسرائيل أثناء القتال وما تبقى من عتاد في يد الحركة.
مع دخول المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة، باتت مسألة نزع السلاح من القطاع محورية في نقاشات الخطوة الثانية في بنود الاتفاق الذي وافقت عليه "حماس"، وتصر الولايات المتحدة وإسرائيل على عدم التقدم في تنفيذ نقاط المعاهدة إلا بعد تسليم الفصائل لذخائرها، وهذا يطرح سؤالاً: بعد الحرب الطاحنة ماذا بقي من أسلحة عند الحركة الفلسطينية؟
تجريد السلاح
كانت الخطوة الأولى في المرحلة الثانية تدشين هياكل الحكم في غزة (مجلس السلام، والإدارة التنفيذية، ولجنة التكنوقراط)، وليس كما يعتقد الغزيون أن الخطوة التالية هي إعادة بناء مدينتهم، يؤكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن التالي في خطة غزة هو نزع السلاح وليس بناءها.
يقول نتنياهو "نحن نلتزم بتجريد سلاح ’حماس‘ وسحب سلاح القطاع، هذا وعد، نحن عازمون على استكمال مهماتنا وجعل غزة منطقة منزوعة السلاح، وسننجح في ذلك"، بعد هذا الحديث يقف الغزيون مندهشين، متسائلين "عن أي سلاح تتحدث إسرائيل بعد تدميرها كل شيء في هذه الحرب".
وضعت إسرائيل ضمن أهداف الحرب على غزة ألا يشكل القطاع مصدر تهديد لها بعد ذلك، وتفاهمت مع الولايات المتحدة على أن نزع السلاح من "حماس" شرط لا تراجع عنه، وبناء على ذلك يستعد مجلس السلام ليحدد مهلة نهائية للحركة للوصول إلى تفاهمات تخص تسليم سلاحها.
سلاح لـ"حماس" وسلاح لغزة
على مدار عامي الحرب كانت إسرائيل تشن هجوماً ساحقاً للقضاء على "حماس" وتدمير بنيتها العسكرية وتفكيك أنفاقها ومصانع أسلحتها وقتل عناصرها، ويؤكد الجيش الإسرائيلي أنه نجح في مهمته هذه، لكن رغم ذلك تعترف المؤسسة الأمنية في تل أبيب أن نجاحها نسبي وأن "حماس" لديها عتاد يجب تسليمه وغزة لا يزال بها أسلحة لا بد من نزعها.
في هذا السياق فإن مفهوم نزع السلاح، الذي بات ضرورة يطالب بها العالم، يمتد إلى نوعين: الأول البنية العسكرية التي تمتلكها "حماس" إلى جانب الفصائل الفلسطينية الأخرى التي تؤمن إسرائيل أنها تشكل خطراً أمنياً عليها، والنوع الثاني الأسلحة المنتشرة بيد سكان غزة وهي ذخيرة خفيفة، ووفقاً لخطة عضو المجلس التنفيذي لإدارة غزة جاريد كوشنر فإنه يجب تسليم كلا النوعين.
يطرح ذلك سؤالاً: ماذا تملك "حماس" من أسلحة بعد دمار هائل لغزة؟ الإجابة على هذا الاستفسار تتطلب توضيحاً لبنية الحركة العسكرية قبل الحرب وتوضيح ماذا كانت تملك من عتاد قتالي لمهاجمة إسرائيل به.
سلاح البحرية
على رغم أن "حماس" فصيل عسكري صغير، فإن الحركة كانت تنظم صفوفها بطريقة تشبه التشكيلات العسكرية في الجيوش، إذ كان لديها سلاح بحرية أنشأته حديثاً وتحاول تطويره باستمرار.
من بين العتاد الذي يمتلكه مقاتلو بحرية "حماس" الذين تسميهم الحركة "الكوماندوز" غواصات بدائية الصنع، وطرادات متوسطة السرعة مصنوعة من حسكات بحرية، ومعدات غوص تستخدمها ضمن مهمات تدريب ومحاكاة لمناورات ضد البحرية الإسرائيلية.
وأظهرت "حماس" في فيديو نشرته سابقاً أنها تمتلك طوربيد "العاصف" وهو سلاح محلي الصنع، مصنوع من المركبات البحرية الذاتية أو التي تعمل عن بعد، وكان مصمماً للعمل تحت الماء من دون طاقم بشري على متنها، واستخدمته في هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.
سلاح الجو
أيضاً لدى "حماس" سلاح جوي، وفيه قائمة طويلة من العتاد العسكري وأصناف متنوعة، أولها منظومة الدفاع الجوي ضد الطائرات، وهي عبارة عن قذائف أرض جو محلية الصنع تسميها "متبر 1" وتستخدم لاستهداف الطائرات الإسرائيلية، وخلال الحرب عرض مكتب "حماس" الإعلامي مشاهد لاستخدام المنظومة، وتمتلك "حماس" في عتادها الجوي سلاح المظلات البدائية وتعمل بمحرك دفع يمكنها من الإقلاع عن الأرض ويمنحها قوة دفع تصل إلى نحو 56 كيلومتراً في الساعة وتحلق بالجو إلى حوالى ثلاث ساعات على ارتفاع يصل إلى نحو 5 آلاف متر، وتطلق عليها "سرب صقر" أو "الخفاش الطائر"، وهذا السلاح ساعد عناصرها على التسلل الجوي إلى البلدات الإسرائيلية بغلاف غزة.
وعند الحركة منظومة طائرات مسيرة مختلفة المهمات، من بينها الطائرات العمودية من دون طيار وتحمل ذخيرة صغيرة واستخدمت في الحرب لتدمير رشاشات إسرائيلية ودبابات واستهداف جنود، وتمتلك "حماس" طرازات من المسيرات منها الطائرات الانتحارية وطائرات الرصد والتصوير وطائرات قادرة على حمل وإسقاط قنابل على بعض الأهداف.
القوات البرية
تعتمد "حماس" على القوات البرية التي تجندها وعلى العتاد العسكري الذي بيد عناصرها وتعده العمود الفقري للحركة، وعند مشاة الحركة أكبر قائمة وأكثرها أهمية من الأسلحة التي ترتكز عليها لقتال الجيش الإسرائيلي وبخاصة أثناء الحرب.
أبرز وأشهر أسلحة "حماس" على الأرض هو شبكة الأنفاق التي تسميها إسرائيل "مترو غزة"، وتعد أهم قدرات الحركة وأكبر إنجازاتها، إذ دشنت سراديب بطول يصل إلى 500 كيلومتر تحت الأرض.
قليلة هي المعلومات المتوافرة عن أنفاق "حماس" وغالبها من مصادر إسرائيلية تصفها بأنها مدينة كاملة تحت أرض القطاع، معدة لحماية أنشطة الحركة من الجيش الإسرائيلي ولتصنيع الذخيرة وحجز الرهائن وكمراكز للقيادة والتخطيط.
ثاني أهم أسلحة "حماس" في يد عناصر الحركة هو القذائف الصاروخية، بحسب تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية فإن الحركة في السابع من أكتوبر 2023 كانت تمتلك قرابة 30 ألف صاروخ مختلف الأمداء.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تمتلك "حماس" مجموعة متنوعة من صواريخ أرض أرض أبرزها: صاروخ القسام، يبلغ مداه 10 كيلومترات، وصاروخ القدس يبلغ مداه حوالى 16 كيلومتراً، وصاروخ إم–75، وصاروخ الفجر يصل مداه حتى 100 كيلومتر، وصاروخ عياش ويصل مداه إلى 250 كيلومتراً، وقذائف الهاون القصيرة المدى. بعد ذلك تمتلك "حماس" قذائف محمولة على الكتف ومن أبرزها كورنيت الذي استخدمته في تدمير مدرعة النمر المدولبة الإسرائيلية، وقذائف الياسين 105 مضادة للدبابات، ويستخدم مقاتلو الحركة نماذج متطورة من قذائف "آر بي جي" القادرة على خرق المركبات المدرعة والمباني. ولدى "حماس" أيضاً نماذج مختلفة من الألغام الأرضية وأعداد كبيرة من الأسلحة الصغيرة مثل بنادق كلاشينكوف الهجومية وبنادق القنص والرشاشات وكميات كبيرة من القنابل اليدوية والعبوات الناسفة والأجهزة المتفجرة.
قبل وأثناء الحرب كان يستخدم كل هذه الأسلحة المتنوعة نحو 40 ألف مقاتل يعملون مع "حماس"، وبحسب تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية فإن عدد مقاتلي الحركة الأساسيين يصل إلى نحو 10 آلاف مقاتل، لكن يمكن تعبئة مزيد من المقاتلين في حالة الحرب وقد يصل مجملهم إلى نحو 40 ألف عنصر.
ماذا دمرت إسرائيل في الحرب؟
تغيرت قدرات "حماس" العسكرية بسبب الحرب واختفى جزء كبير منها، إذ دمر الجيش الإسرائيلي آلاف الكيلومترات من شبكة أنفاق "حماس" الواسعة واستهدف مخازن أسلحة ومركز قيادة وصادر أسلحة ومعدات طويلة الأمد وذخائر ومواد قتالية أخرى مختلفة.
يقول رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير "تم الاستيلاء على ترسانة كبيرة من الأسلحة تضم ألغاماً وصواريخ مضادة للدبابات والطائرات وقنابل يدوية وقاذفات صواريخ آر بي جي ورشاشات وبنادق كلاشينكوف".
وعلى رغم ذلك تعترف إسرائيل أن هناك سلاحاً لا يزال بيد "حماس"، يقول وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس "60 في المئة من أنفاق الحركة لا تزال قائمة في غزة، التحدي الرئيس لنا بعد عودة الرهائن سيكون التأكد من تدمير جميع الأنفاق، هذا هو الهدف الأساس من تنفيذ المبدأ المتفق عليه لنزع السلاح".
عندما قسم الجيش الإسرائيلي قطاع غزة إلى نصفين، وانتشر في غزة الشرقية عمل على تطهير المنطقة الواقعة تحت سيطرته من الأسلحة، وبات نصف غزة الخالي من السكان من دون أي قدرات قتالية، وبحسب القناة الـ12 الإسرائيلية فإن الجيش أتم نزع سلاح "حماس" في غزة الشرقية خلف الخط الأصفر، وبهذا تكون مساحة 52 في المئة من مناطق القطاع مطهرة من الفصائل الفلسطينية.
يؤكد ذلك متحدث الجيش الإسرائيلي نداف شوشاني، قائلاً "أنهت قواتنا نزع السلاح من غزة الشرقية، وذلك في إطار العمليات العسكرية المتواصلة، حيث عملت خلال الأشهر الماضية ستة ألوية داخل الخط الأصفر، ودمرت البنية التحتية للفصائل الفلسطينية".
ما تبقى من سلاح عند "حماس"
وسط الحديث عن سحب سلاح "حماس"، يطل سؤال: ماذا تبقى بيد الحركة من عتاد عسكري؟
ترجح القناة 12 العبرية أن "حماس" خسرت 75 في المئة من إجمال قدراتها العسكرية، مقارنة بما كانت عليه قبل بدء الحرب، حيث فقدت القدرة على إطلاق الصواريخ والقذائف صوب البلدات الإسرائيلية.
تفيد بيانات معهد بحوث الأمن القومي التابع لجامعة "تل أبيب" بأن الجيش قضى تماماً على منصات إطلاق الصواريخ، وحيد نحو 75 في المئة من الكوادر البشرية، وجرى تدمير المعسكرات والمقرات والورش ومصانع الإنتاج العسكري فوق الأرض وتحتها في غزة الشرقية وأجزاء من غزة الغربية، وتم القضاء على سلسلة القيادة إلى حد كبير، ومع ذلك احتفظت "حماس" ببعض القدرة العسكرية.
وحول ما تبقى من قدرات عسكرية عند "حماس"، يقول الباحث في الشؤون العسكرية فضل مناصفة "لا يزال حوالى 35 في المئة من الأنفاق قيد التشغيل، وقد سجلت الاستخبارات الإسرائيلية والأميركية إعادة تأهيل جزئي للأنفاق تحت الأرض مما قد يسمح لـ"حماس" بمواصلة هجماتها المفاجئة"، مضيفاً "انتهت تماماً منصات الصواريخ، وبقي بضع مئات القذائف لدى الحركة لكن مع تدمير آليات الإطلاق، هناك مشكلات تشغيلية لدى الجناح العسكري للحركة، لقد بدت واضحة محدودية عمليات إطلاق الصواريخ من القطاع"، ويتابع "بعد متابعة إعلانات "حماس"، فمنذ أكثر من عام ونصف توقفت الحركة عن استخدام الطائرات المسيرة في شن هجمات ضد الجيش الإسرائيلي، وتضاءل استخدام الأسلحة المضادة للدروع، وغابت كذلك قدرة سلاح قذائف الهاون"، ويوضح المناصفة أن "حماس" لا تمتلك ترسانة عسكرية ضخمة أو متطورة بالمعنى التقليدي، وهذا النوع لا يصمد أمام قوة عسكرية منظمة تمتلكها إسرائيل، لافتاً إلى أن الحركة تعتمد على أسلحة بدائية تتنوع بين بنادق ومقذوفات بسيطة ورشاشات، لذلك الحديث عن تسليم السلاح الذي لا تزال تمتلكه "حماس" لا يتجاوز البعد الرمزي وما يمثله كرمز للوجود السياسي والعسكري للحركة، ويؤكد المناصفة أن الخسائر التي تكبدتها "حماس" خلال عامين من الحرب كانت جسيمة، سواء على مستوى الأفراد أو البنية التحتية، إذ بحسب تقارير إسرائيلية وأميركية فقد قتل لـ"حماس" أكثر من 25 ألف مقاتل، لذلك فإن الحركة اليوم غير قادرة على استعادة قدراتها التي كانت عليها، وبخاصة في ظل حجم الدمار الكبير في غزة، وشروط إسرائيل الحالية.
ما هو رأي "حماس" في سحب سلاحها؟
لا تريد "حماس" نزع سلاحها، ليس لأنها تحتفظ بقدرات عسكرية بل لأن هذا الإجراء له أبعاد أخرى، وتعترف الحركة بأنها لا تملك أي أسلحة تؤثر في إسرائيل.
يقول عضو المكتب السياسي لحركة "حماس" سهيل الهندي "مسألة السلاح تمثل قراراً وطنياً فلسطينياً مرتبطاً باستمرار الاحتلال"، ويعترف الهندي أن "حماس" خسرت سلاحها، ويضيف "ما تبقى من سلاح إن وجد يندرج في إطار السلاح الشخصي الدفاعي، ليس هجومياً، وهو موجود في كل بيت عربي وكل بيت في هذا العالم للدفاع عن النفس، خصوصاً أن قطاع غزة لا يزال يعاني العصابات الإجرامية"، ويوضح الهندي أن ما تبقى من أسلحة تمتلكها الحركة هي أسلحة خفيفة ليس لها أي تأثير حقيقي أو يمكن أن تشكل خطراً حقيقياً على إسرائيل ولا تصلح لتنفيذ هجمات كبيرة كما جرى في هجوم السابع من أكتوبر، وبحسب المعلومات المتوافرة فإن ما بقي لدى الفصائل المسلحة هو كميات قليلة من طراز كلاشينكوف وإم 16 وأسلحة خفيفة مماثلة، إلى جانب عدد محدود جداً من القذائف المضادة للدروع وعبوات ناسفة غالبيتها فردية، وليست كبيرة الحجم.