Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بين الصواريخ والمفاوضات... لماذا اختارت طهران هذا التوقيت للرد؟

بعد وقف عملياتهما.. خبراء: إيران توازن بين ضغوط الداخل وحسابات التفاوض

 لافتة ضخمة في ساحة الثورة بطهران (أ ف ب)

ملخص

يرى خبراء أن التصعيد الإيراني الأخير يرتبط بحسابات تفاوضية وضغوط داخلية أكثر من كونه مقدمة لحرب شاملة، فيما تعكس تحركات الحوثيين وتطورات لبنان استمرار التنافس على النفوذ الإقليمي.

بعد 100 يوم على اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تعود المنطقة إلى مشهد التصعيد المتبادل في وقت تبدو مسارات التفاوض والتسوية أكثر حضوراً من أي وقت مضى.

فبينما أطلقت إيران دفعات صاروخية باتجاه إسرائيل أمس الأحد، سارعت الأخيرة إلى الرد بهجمات مضادة، في تطور أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول مستقبل المواجهة وحدود اتساعها.

على رغم إعلان الطرفين وقف عملياتهما، تظل دلالات هذا التصعيد السريع محل تساؤل.

100 يوم لا تكفي للحكم

وبعد ساعات من الأحداث المتسارعة، أكد الباحث الكويتي في شؤون الخليج محمد الرميحي أن مرور 100 يوم على اندلاع الحرب بين إيران وخصومها يتيح فرصة لاستخلاص عدد من الدروس السياسية والاستراتيجية، لكنه لا يكفي للحكم بصورة نهائية على الاتجاه الذي ستسلكه المنطقة خلال المرحلة المقبلة، في ظل استمرار التداخل بين الرسائل العسكرية والقنوات الدبلوماسية.

وقال الرميحي إن الشرق الأوسط اعتاد التعايش بين التصعيد والتهدئة، حيث تتقدم المواجهة خطوة ثم تتراجع خطوتين، مما يجعل قراءة المشهد الحالي أكثر تعقيداً من الاكتفاء بالمؤشرات الظاهرة.

وأضاف أن التساؤل المطروح اليوم يتمثل في أسباب ظهور طهران بصورة أكثر تصعيداً في خطابها وسلوكها السياسي والعسكري، وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو عودة المواجهة أو نحو محاولة إيرانية لتحسين شروط التفاوض.

وأضاف أن الربط بين مرور 100 يوم على الحرب وأي ضربة أو حادث أمني يقع في التوقيت نفسه يحتاج إلى قدر من الحذر، لأن السياسة لا تُبنى على التوقيت وحده.

فالمصادفات قد تكون موجودة، كما قد تكون الرسائل مقصودة، لكن الجزم في مثل هذه الحالات يحتاج إلى أدلة واضحة.

رسائل إلى الداخل

وأوضح أن أحد الاحتمالات يتمثل في سعي القيادة الإيرانية إلى رفع سقف مطالبها قبل أي اتفاق محتمل، إذ تلجأ بعض الدول إلى إظهار القوة أو التلويح بها عندما تقترب لحظة التفاوض الحاسمة بهدف تحسين موقعها على طاولة المفاوضات أكثر من التمهيد لمواجهة شاملة.

وفي هذا السياق يمكن فهم بعض الرسائل العسكرية والسياسية باعتبارها جزءاً من عملية تفاوض غير مباشرة.

وأشار إلى احتمال آخر يتعلق بوجود تباين داخل مراكز القرار الإيرانية بين تيار يرى أن الاتفاق ضرورة اقتصادية وسياسية، وآخر يعتقد أن أي تنازل قد يفسر على أنه ضعف ويؤثر في الصورة التي بُنيت طوال عقود على فكرة الصمود والمواجهة، مما يجعل التصعيد رسالة موجهة إلى الداخل بقدر ما هو رسالة إلى الخارج.

لا حرب ولا سلام

وأكد الرميحي أنه لا يبدو حتى الآن أن أياً من الأطراف الرئيسية يرغب في خوض حرب واسعة ومفتوحة، نظراً إلى ارتفاع الكلفة الاقتصادية والسياسية والعسكرية على الجميع، فضلاً عن أن تجارب العقود الماضية أثبتت أن الحروب قد تكون سهلة الاشتعال لكنها شديدة الصعوبة عند محاولة إيقافها أو احتواء تداعياتها.

ورأى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار حالة "لا حرب ولا سلام"، مع تصعيد محسوب في بعض الملفات وتهدئة في ملفات أخرى، إلى أن تتضح ملامح التفاهمات الممكنة بين الأطراف المختلفة.

وختم بالقول إن الضوضاء العسكرية في الشرق الأوسط كثيراً ما تكون جزءاً من لغة التفاوض وليست بديلاً منها، ولذلك فإن قراءة الأحداث بعين باردة تبقى أكثر فائدة من الانجراف وراء الانفعالات أو الاستنتاجات المتعجلة، فليس كل تصعيد مقدمة لحرب، كما أن ليس كل تهدئة دليلاً على اتفاق قريب.

ما دلالات تدخل الحوثيين؟

وتطرق محمد الرميحي إلى الساحة اليمنية بوصفها جزءاً من المشهد الإقليمي الأوسع، معتبراً أن أي تحرك للحوثيين أو تصعيد في البحر الأحمر غالباً ما يُقرأ ضمن شبكة الضغوط المتبادلة في المنطقة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة عودة الحرب الشاملة، بل استمرار استخدام الأوراق الإقليمية في لعبة التفاوض الكبرى.

وفي السياق ذاته، رأى المستشار السياسي البحريني أحمد الخزاعي أن إطلاق الحوثيين صاروخاً باتجاه إسرائيل في مارس (آذار) الماضي مثّل نقطة تحول في مسار الحرب، إذ نقل الجماعة من موقع الضغط على الخليج إلى موقع المشاركة المباشرة في مواجهة واشنطن وتل أبيب.

وأوضح الخزاعي أن هذا التدخل يعكس ارتباط الأزمة اليمنية بالتطورات الإقليمية الأوسع، ويشير إلى أن الحوثيين باتوا جزءاً من المشهد الإقليمي المتشابك الذي يتأثر بمواقف قوى عدة في المنطقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف أن دلالات هذا التحرك تتجاوز البعد العسكري، إذ يحمل رسالة سياسية مفادها أن أي تفاهم مع واشنطن أو دول الخليج لن يكون مستقراً ما لم يؤخذ النفوذ الإيراني في اليمن في الاعتبار.

كما يضيف مستوى جديداً من التعقيد إلى المشهد الأمني الإقليمي، في ظل تعدد الملفات الأمنية والسياسية المطروحة أمام دول المنطقة.

ورجح الخزاعي أن تواصل إيران استخدام الحوثيين كورقة ضغط في البحر الأحمر والخليج، سواء عبر تهديد الملاحة أو استهداف منشآت حيوية، ليظلوا جزءاً من معادلة التفاوض الإقليمي.

وأكد أن التدخل الحوثي يعكس استمرار ارتباط الساحة اليمنية بالتجاذبات الإقليمية وتداعيات الصراع الدائر في المنطقة.

رفع سقف المطالب

ويتفق المستشار السياسي البحريني أحمد الخزاعي مع الباحث الكويتي محمد الرميحي في أن التصعيد الإيراني الأخير لا يعكس بالضرورة رغبة في حرب شاملة، بل يرتبط جزئياً بمحاولة تحسين الموقع التفاوضي ورفع سقف المطالب قبل أي تفاهمات محتملة. لكنه يرى أن التطورات وضعت الشرق الأوسط أمام مفترق طرق حساس بين اتفاق هش ومواجهة مفتوحة.

وأوضح أن المنطقة تعيش توازناً دقيقاً قد ينهار إذا تعثرت جهود التهدئة أو حدث خطأ في الحسابات السياسية والعسكرية. ففي حين تسعى واشنطن إلى إبقاء قنوات التفاهم مفتوحة عبر ترتيبات أمنية محدودة، لا تزال الملفات الأساسية، مثل البرنامج النووي الإيراني ودور طهران الإقليمي، من دون حلول واضحة.

وأضاف أن للتصعيد أهدافاً داخلية تتعلق باستعادة صورة القوة بعد خسائر الحرب الأخيرة، وتوجيه رسائل إلى واشنطن ودول الخليج بأن تجاهل الملفات الإقليمية ستكون له كلفة سياسية وأمنية.

وأشار إلى أن الضغوط الاقتصادية والشعبية المتزايدة داخل إيران تجعل المواجهة الخارجية أداة لتوحيد الجبهة الداخلية وتعزيز خطاب "المقاومة"، في وقت تبقى احتمالات التهدئة والتصعيد قائمة بالتوازي.

الهدنة الهشة

ورداً على سؤال حول ما إذا كانت الحرب قد عادت مجدداً، قال الخزاعي إن المنطقة لم تعد إلى الحرب الشاملة، لكنها غادرت مرحلة الهدنة الهشة إلى حالة اشتباك متقطع تبقي احتمالات التصعيد قائمة في أي لحظة.

وفي ما يتعلق بالهجوم الإيراني على إسرائيل، رأى الخزاعي أنه يحمل دلالات سياسية وأمنية تتجاوز نتائجه العسكرية المباشرة، ويعكس استمرار استخدام أدوات الضغط المتبادلة بين الأطراف المنخرطة في الصراع.

وأشار إلى أن الهجوم يختبر أيضاً قدرة إسرائيل على التعامل مع ضغوط متزامنة، ويعكس تمسك طهران باستخدام أوراقها العسكرية ضمن معادلة الردع والتفاوض، مع توقع استمرار هذا النمط من الرسائل العسكرية كلما تعثرت المسارات السياسية أو تصاعدت الضغوط الدولية عليها.

اتفاق بيروت وتل أبيب

وأوضح السياسي العراقي والنائب السابق ظافر العاني أن التحركات الإقليمية الجارية، ولا سيما المحادثات المتقدمة بين لبنان وإسرائيل، تشكل أحد العوامل التي تفسر الموقف الإيراني من التصعيد الحالي.

وقال إن أي اتفاق بين بيروت وتل أبيب لا تكون طهران جزءاً من صياغته أو مؤثرة في مساره يثير قلقها، لأنه قد يعيد تشكيل التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة ويؤثر مباشرة في نفوذها الإقليمي.

وأضاف أن مثل هذا الاتفاق قد يضيق هامش حركة "حزب الله" ويضعف إحدى أبرز أوراق القوة التي تعتمد عليها إيران في لبنان والمنطقة، وهو ما يدفعها إلى محاولة التأثير في مسار هذه الترتيبات أو عرقلتها.

وأشار إلى أن طهران تسعى باستمرار إلى الحفاظ على دورها في الملفات الإقليمية الكبرى، وترفض قيام ترتيبات جديدة قد تؤدي إلى تراجع نفوذها أو اتخاذ قرارات استراتيجية من دون مشاركتها.

وقال العاني: "أعتقد أن اندلاع الحرب الحالية يندرج ضمن مسعى إيراني لإفشال أي اتفاق يخص لبنان لا تكون طرفاً فيه أو قادرة على التأثير في نتائجه، حفاظاً على نفوذها وأوراق قوتها في المنطقة".

المنطقة بين التهدئة والانفجار

أكد الخبير الاستراتيجي والأمني الكويتي خالد إبراهيم الصلال أن المنطقة تقف حالياً بين مسارين متوازيين؛ مسار تفاوضي لم يُغلق بعد، وآخر تصعيدي تستخدمه الأطراف المختلفة لتعزيز مواقعها السياسية.

وأوضح أن تبادل الضربات بين إيران وإسرائيل خلال الساعات الماضية وجه ضربة قوية لحالة التهدئة الهشة، وأعاد المخاوف من اتساع دائرة التوتر.

وأضاف أن طهران تسعى من خلال هذا التصعيد إلى تأكيد قدرتها على الرد ورفع أوراقها التفاوضية قبل أي تسويات محتملة.

وأشار إلى أن ما يجري لا يعني عودة الحرب الشاملة، لكنه يمثل عودة واضحة للاشتباك المباشر، فيما يكمن الخطر الحقيقي في احتمال انتقال المواجهة إلى ساحات إضافية.

وختم بالقول إن المنطقة لا تزال أقرب إلى حالة الضغط المتبادل منها إلى مواجهة إقليمية شاملة، إلا أن استمرار الضربات المتبادلة وظهور بؤر توتر جديدة يبقيان خطر التصعيد قائماً، حتى مع بقاء قنوات التفاوض مفتوحة.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل