ملخص
يستعد الاتحاد العام التونسي للشغل لعقد مؤتمره الانتخابي في مارس (آذار) المقبل، وسط أزمة داخلية حادة وغير مسبوقة، بينما تطرح على النقابيين تحديات كبيرة تراوح بين القدرة على تجاوز الخلافات وترميم البيت الداخلي، أو المكابرة والإنكار، وبالتالي تحويل المنظمة إلى هيكل نقابي ضعيف غير قادر على الدفاع عن حقوق العمال.
بعدما كان لاعباً محورياً في المشهد السياسي في تونس، خلال السنوات الـ10 التي تلت عام 2011، الذي شهد سقوط حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي، من خلال تأثيره المباشر في صنع القرار الوطني، وفي رسم الخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكبرى، عصفت الخلافات الداخلية بأركان "اتحاد الشغل"، أكبر منظمة نقابية عريقة في البلاد، التي يعود تأسيسها لأربعينيات القرن الماضي. كما فاقم السياق السياسي الراهن في تونس، الذي لا يعول على دور الأجسام الوسيطة من نقابات ومنظمات وأحزاب، من أزمة الاتحاد الذي أصبح خارج دائرة القرار الوطني.
وصادقت الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد خلال اجتماعها في الـ21 والـ22 من يناير (كانون الثاني) 2026، بالغالبية على قرار عقد المؤتمر العام في نهاية شهر مارس (آذار) المقبل، وسط انقسامات وصراعات داخلية غير مسبوقة، أبرزها استقالة الأمين العام للاتحاد نور الدين الطبوبي، ثم عودته عن الاستقالة، واللغط الذي أثير حول إقرار إضراب عام، كان مقرراً في الـ21 من يناير الجاري، قبل تأجيله بسبب عدم توقيع برقية الإضراب في الآجال القانونية، وهو ما سيضفي على هذا الاستحقاق طابعاً مصيرياً حول دور الاتحاد خلال المرحلة المقبلة.
فهل سينجح المؤتمر في ترتيب البيت الداخلي للاتحاد أم سيعمق أزمته؟ وهل سيستعيد الاتحاد دوره النقابي والاجتماعي في الواقع الراهن في تونس؟
موازين قوى مختلة
يتسم المشهد الداخلي للاتحاد بازدواجية في موازين القوى، بين غالبية داخل المكتب التنفيذي، وغالبية أوسع داخل الهيئة الإدارية الوطنية، مما يعكس تعقيدات داخلية، وإشكالات هيكلية حول هذا الاستحقاق التنظيمي المقبل، وسط تصاعد حدة الخلافات داخل المكتب التنفيذي وصعوبة تقريب وجهات النظر بين مختلف مكوناته. وفي محاولة للتخفيف من حدة التباينات داخل الاتحاد، دعا البيان الختامي إلى اجتماع الهيئة الإدارية والهياكل النقابية كافة لإنجاح المؤتمر المقبل بروح المسؤولية والوحدة، وحث النقابيين والنقابيات على رص الصفوف، وتغليب المصلحة العليا للاتحاد، والدفاع عن استقلاليته ودوره التاريخي في حماية حقوق العمال وخدمة الوطن.
وتتباين المواقف إزاء الرهان على المؤتمر المقبل للاتحاد العام التونسي للشغل، بين من يرى أن المنظمة قادرة على تجاوز خلافاتها الداخلية من خلال المؤتمر الانتخابي المقبل، وبين من يرى أن المنظمة تعيش أزمة هيكلية لا يمكن للمؤتمر المقبل تجاوزها، وعليه تغيير أسلوب التعاطي مع الملفات الاجتماعية وإدارته الداخلية، بما ينسجم والمتغيرات التي يعيشها العالم اليوم.
الصراعات خطر محدق بالاتحاد
ويرى المختص في الحماية الاجتماعية بدر السماوي أن "التجاذبات ما تزال تهدد استقرار المؤسسات داخل الاتحاد، خصوصاً وأن قرار المؤتمر في مارس (آذار) المقبل لم يكن بالتوافق"، لافتاً إلى "إمكان الطعن فيه لأنه لم يستوف الشروط القانونية لإقراره".
ويأسف السماوي لإحياء اتحاد الشغل هذه السنة الذكرى الـ80 لتأسيسه في ظل أزمة مستفحلة لم يعشها منذ تأسيسه في عام 1946، مشيراً إلى أن "الاتحاد لم يفهم أن دوره يتمثل في مساندة كل القرارات الاجتماعية التي اتخذتها الدولة والتي تلتقي تماماً مع مطالبه، على غرار العمل على تحسين القدرة الشرائية للتونسيين، وعدم التفويت بالمؤسسات العمومية، وعدم رفع الدعم"، داعياً قياداته إلى "تثمين تلك التوجهات الاجتماعية، والوقوف في وجه السلطة باستخدام جميع الوسائل القانونية في حال أخلت بواجباتها في تحقيق العدالة الاجتماعية".
ويشار إلى أن الأزمة الداخلية في الاتحاد أثرت في قدرته على التأثير في الملفات الاجتماعية، فبات على هامش تلك الاستحقاقات، وهو ما أسهم في اهتزاز صورته لدى التونسيين.
ويرى السماوي أنه حتى في صورة المرور بالقوة وإنجاز المؤتمر في مارس، "فلا يمكن الجزم بأن الاتحاد سيتجاوز أزمته الداخلية"، مشيراً إلى أن "جوهر الأزمة يكمن في عدم فهم الاتحاد لطبيعة المرحلة، وعدم التأقلم مع المستجدات في تونس، خصوصاً بعد الـ25 من يوليو (تموز) 2021"، داعياً إلى "تغليب مصلحة تونس، ومصلحة الاتحاد على المصالح الشخصية، والدخول في مصالحة واسعة بين النقابيين وإعادة النقابيين المطرودين، وطي صفحة الخلافات".
وفي ظل محاولات الهيمنة والسيطرة التي يعيش على وقعها العالم اليوم، يدعو المختص في الحماية الاجتماعية إلى "إعادة قراءة دور الاتحاد في المجالين الاجتماعي والاقتصادي في البلاد، ورص الصفوف، وتعزيز مقومات الوحدة الوطنية، وإعادة الاعتبار للدولة الوطنية وتجاوز التجاذبات السياسية، وإعلاء المصلحة الوطنية للوقوف أمام كل محاولات التدخل الخارجي".
ويخلص السماوي إلى أن "السلطة لم تتدخل في شؤون الاتحاد الداخلية"، داعياً المنظمة النقابية إلى تعديل موقفها من مسار الـ25 من يوليو (تموز)، ومساندة الإجراءات الاجتماعية التي اتخذتها الدولة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بداية حل الأزمة
تحديات بالجملة مطروحة اليوم أمام المنظمة النقابية، ترتبط أساساً بمدى قدرتها على ترميم البيت الداخلي، واستعادة ثقة قواعدها، وتجاوز خلافاتها، واستعادة موقعها في المشهد السياسي والاجتماعي في البلاد.
ويرى النائب السابق هشام الحاجي أن "المؤتمرات تمثل لحظة مهمة ومفصلية في مسار المنظمات والأحزاب، لأنها تعمل على تعديل الإخلالات، والمؤتمر المقبل للاتحاد سيدشن بداية حل لأزمته الداخلية، وذلك من خلال شروعه في الإصلاحات، وقيامه بالنقد الذاتي"، مشدداً على أن "الاتحاد العام التونسي للشغل سيظل رقماً صعباً في المعادلة السياسية والاجتماعية في تونس". وطالب بـ"ضرورة أن ينأى المؤتمرون بأنفسهم عن الرغبة في السيطرة، وفي تحقيق مصالح شخصية، على حساب المنظمة وعلى حساب الملفات الاجتماعية المطروحة".
ويرى الحاجي أن "مؤتمر الاتحاد يجب أن يكون منطلقاً لمراجعات عميقة، ولتوسيع قاعدة الانخراط في هياكل المنظمة"، لافتاً إلى أن "الاستحقاق القادم سيكون منعرجاً مهماً في مسيرة الاتحاد، الذي سيستعيد موقعه في حال كان المؤتمر المقبل ديمقراطياً وشفافاً".
وأضاف أنه "على رغم عدم تعويل السلطة الراهنة في تونس، في إدارتها لشؤون الدولة، على الأجسام الوسيطة من منظمات وأحزاب، فإن الاتحاد مدعو إلى لعب دوره، والتخلي عن الحسابات السياسية، وتجنب مظاهر التصعيد، والالتزام بخريطة طريق نقابية من أجل مصلحة البلاد".
ويمثل المؤتمر المقبل للاتحاد امتحاناً لقدرة النقابيين على التزامهم بالقيمة النضالية للعمل النقابي، والتخلي عن منطق الغنيمة، ولمدى التفافهم حول المنظمة النقابية العريقة تاريخياً، من أجل تنقية صورة الاتحاد في ذهنية التونسيين، وهو ما قد يجعل الاتحاد أكثر قوة للعب دوره الوازن في المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي في تونس.