ملخص
القرار يستهدف النساء من دون غيرهن في بيئة العمل، وهو يتعارض مع التزامات سوريا الدولية وخصوصاً الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
منذ اليوم الأول لسقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024 واعتلاء الحكم "هيئة العمليات العسكرية" التي سيطرت على مقاليد البلاد، وما تبعها من تأليف حكومة انتقالية، انقسم الشارع السوري إلى مؤيد متفائل من التغيير الحاصل نحو الأفضل، ومعارض للحكومة الانتقالية ومتخوف منها بصمت أو بصورة علنية، لوجود اعتقاد سائد أن سوريا تقبع تحت قبضة حكم متشدد قد يحول البلاد إلى "أفغانستان ثانية".
مخاوف الأفغنة
وبعد مضي أكثر من عام ظهرت تبدلات ديموغرافية في بنية المجتمع المراقب لتلك التغييرات في المشهد العام، أولاها جولات "الحسبة" الأشبه بشرطة دينية تنشر الدعوة، وظهور نساء منقبات يوقفن المواطنات أمام الأماكن العامة ليدعوهن إلى "التستر"، وهناك أمثلة كثيرة من هجوم على النوادي الليلة والملاهي وتحطيم المشروبات الروحية وغيرها.
وفي مقابل ذلك أعلنت حكومة دمشق أن هذه الحوادث انتهاكات فردية، وطمأنت الشارع السوري المترقب لقرارات تحد من حريته الشخصية إلى أن الدستور والقانون إلى جانب المواطنين، وحرصت قوى الأمن العام والأمن الداخلي في الوقت ذاته على إلقاء القبض على بعض الذين يسعون إلى نشر أفكار ومعتقدات ذات طابع ديني.
وبموازاة ذلك انتاب السوريين صدمة من قرار حمل الرقم (67) بتاريخ 26 يناير (كانون الثاني) الجاري بعنوان "تعميم" موقّع من محافظ اللاذقية محمد أحمد عثمان حول مظهر الموظفات، جاء فيه "إلى كافة إدارات الدولة ومؤسساتها وهيئاتها وشركاتها في محافظة اللاذقية ومديريات المدن والبلدات، يطلب إليكم إبلاغ جميع العاملات لديكم بعدم وضع الماكياج بشكل نهائي خلال الدوام الرسمي"، وطالب المحافظ الاطلاع على القرار والتقيد تحت طائلة المساءلة القانونية.
تعميم غير قانوني
وفجر القرار استياء غير مسبوق حين طالب كثيرون بإلغاء تنفيذه لأنه يحد من الحرية الشخصية للسوريين، بل يعيد لذاكرتهم الهواجس من الحكومة الانتقالية في حال مارست عليهم تصرفات وقرارات متشددة، ولا سيما أن تجربة إدلب كانت تحظر على النساء الظهور والتبرج، بل وترغمهن على التشدد في اللباس وتفرض عليهن النقاب.
ويرى الباحث الحقوقي والمدير التنفيذي لمنظمة "سوريون من أجل العدالة والحقيقة" بسام الأحمد في حديث إلى "اندبندنت عربية"، أن القرار يخالف التزامات سوريا الدولية وبخاصة أنها موقعة وجزء من اتفاقات وقرارات دولية، مضيفاً أن "القرار فيه مخالفة واضحة للمادة (17) من بنود عهد الدولي بالحقوق المدنية والسياسية، والذي يمنع تدخل الدول والجهات في الحياة الخاصة، ولا سيما في شكل ومظهر الأشخاص، ويخالف اتفاقات أخرى منها 'سيداو'، إذ يستهدف القرار نساء من دون غيرهن ومحافظة من دون أخرى، ويتدخل بصورة فجة في مظهرهن، ويعزز الصورة النمطية ضد النساء".
ويرى الأحمد أن اللباس الشخصي أحد أشكال التعبير، "وكل منا يعبر بالشكل والرأي وأيضاً باللباس والطريقة التي يراها مناسبة، والقانون يكفل حرية ذلك بما يراه مناسباً، فضلاً عن استهداف النساء من دون غيرهن في بيئة العمل، فالقرار غير قانوني ويتعارض مع التزامات سوريا الدولية سواء من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين".
وفي مقابل ذلك، وأمام الاستياء الواسع، نشرت مديرية إعلام اللاذقية توضيحاً رسمياً حول التعميم المتداول عن ماكياج الموظفات في الإدارات الرسمية، أشار فيه إلى احترام الرأي العام والتعامل بإيجابية مع الملاحظات كافة، ولفتت المديرية إلى أن انتقاد القرار تعبير صحي يعكس الوعي المجتمعي، والحرص على ترسيخ شراكة حقيقية وبنّاءة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.
وفي معرض تفسير مديرية إعلام اللاذقية لحيثيات التعميم الصادر، والذي لا يهدف إلى التضييق على أية فئة أو المساس بالحريات الشخصية التي يصونها الإعلان الدستوري ويكفلها القانون، ذكر البيان أن "التأكيد لا يتعلق بالمنع بل بتنظيم المظهر الوظيفي وتجنب المبالغة في استخدام المواد التجميلية، بما يحقق التوازن بين الحرية الشخصية ومتطلبات بيئة العمل الرسمية وصورة المؤسسة أمام المواطنين، وتعزيز المظهر الوظيفي المهني داخل المؤسسات العامة بما ينسجم مع طبيعة العمل الإداري والخدماتي".
وأكد البيان في الوقت ذاته تعامل محافظة اللاذقية بإيجابية مع الملاحظات المطروحة، والعمل على توضيح أي التباس في الفهم أو التطبيق، بما يحقق التوازن بين متطلبات الانضباط الوظيفي وراحة العاملين.
حكاية النساء
في غضون ذلك، استغرب الفريق المعارض للقرار من كلا الجنسين صدوره في وقت تعيش البلاد أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية، ولا سيما الضغط المعيشي الخانق لدى الناس، وتتساءل الناشطة مريم قويدر "كيف ترك المحافظ كل تلك القضايا المهمة، ولا سيما القضايا الخدماتية، ليصدر قراراً مماثلاً؟"، ورأت أن القرار يحتاج إلى مراجعة وتدقيق، وأن التعميم فيه تدخل في الحرية الشخصية بحق المواطنين والمواطنات، فمن حق الجميع اختيار اللباس والمظهر المناسب الذي لا يخدش الحياء.
وأردفت قويدر أن "هذا القرار فتح تساؤلات عن التفرد بصناعة القرار ومعياره، ولا سيما أنه صادر في محافظة اللاذقية فقط من قبل السيد المحافظ، في وقت لم يصدر في بقية المدن السورية، وهذا يدل على مزاجية من قبل صاحب القرار، علاوة على أنه من الواجب أن يدرس ويُقرّ من قبل مجلس الشعب أو المجلس المحلي".
قرار صائب
في المقابل، أبدى فريق من السوريين تأييداً للتعميم الصادر بخصوص الماكياج، ونشر بعضهم صوراً لموظفات متبرجات بصورة لافتة وبعضهن مدرسات، وقال الناشط أحمد خطيب "أنا مع هذا القرار وتطبيقه ضرورة لتكون إدارات الحكومة خالية من الشوائب وآمنة، وهو يصب في المصلحة العامة".
في الأثناء، علقت الشابة ميرا على القرار ووصفته بأنه غير مناسب على الإطلاق وفضفاض لدرجة أنه سيمنح الإدارات داخل المؤسسات العامة حق التدخل في حريات الموظفات الشخصية، وتابعت "لا شك في أن العاملات في معظم المؤسسات الحكومية في المحافظات السورية كافة وليس فقط اللاذقية، ليس لديهن الوقت أو القدرة المالية لتعقب الموضة وشراء مستلزماتها، وبالتالي فالتجمل لدى معظمهن سيكون في المستوى المعقول ليظهرن بطريقة لائقة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويتفق الكاتب من منطقة الجزيرة (شرق سوريا) خلف علي الخلف مع تعميم محافظ اللاذقية، وقد طالب بتعميمه على بقية المحافظات السورية وخارج أوقات الدوام، ووصفه بالقرار "الشجاع والتاريخي الذي يعري الواقع ويكشف الزيف ويقودنا مرغمين إلى رؤية الحقيقة"، مردفاً "أعتبره صائباً من الجانب الاجتماعي ويمثل خطوة متقدمة في الشفافية والمكاشفة، وينتقل من مجتمع المظاهر المزيفة إلى مجتمع الحقائق العارية، لنقبل الواقع بكل تجاعيده".
ووصفت ناشطات على مواقع التواصل الاجتماعي القرار بـ "الفضيحة الأخلاقية"، وأنه يمثل تدخلاً في خصوصيات النساء وانتهاكاً للحريات الفردية، ويعيد للأذهان ممارسات نظام إيران حين تتحول الدولة إلى شرطة أخلاق تلاحق النساء على ملابسهن ومظهرهن، بدلاً من محاسبة الفساد والفشل في إدارة البلاد.
وصرحت الناشطات أن في هذا الإجراء تكراراً لتجربة "شرطة الأخلاق التي يشرف عليها الحرس الثوري الإيراني وإنما بنسخة سورية"، وطرحت إحدى رافضات القرار تساؤلاً عما يخيف الدولة من حرية المرأة؟
وفي جانب آخر استخدم سوريون السخرية كطريقة لانتقاد القرار، وبدأت تظهر منشورات فكاهية، فضلاً عن مقاطع مصورة وفقرات كوميدية حملت انتقادات مبطنة ولاذعة للقرار الحكومي، مطالبة بالعدول عنه.