ملخص
أُسست مدينة القامشلي قبل 100 عام من الآن وأصبحت مركزاً سكانيا جامعاً لمكونات المنطقة من الكرد والعرب والمسيحيين، وتلعب دوراً اقتصادياً مهماً في المنطقة، إضافة إلى بروز دور الكرد السياسي إلى جانب السريان والعشائر العربية.
في بداية عشرينيات القرن الماضي تشكلت مدينة القامشلي شمال شرقي سوريا، وذلك مع بداية تحولات كبيرة في المنطقة على أشلاء الدولة العثمانية المنهارة، ودخول الانتدابين الفرنسي والبريطاني وتشكّل تركيا الجمهورية، حيث باتت حدودها الجنوبية خط سكة قطار الشرق السريع الذي يمر في هذه المنطقة المختلطة سكانياً من حيث الأديان والأعراق.
وبدأ تشكل القامشلي من مجموعة بيوت ومنازل متوزعة قرب نهر جغجغ جنوب سكة القطار، ومن ثم من الثكنة العسكرية الفرنسية التي بنيت عقب انسحاب الجيش الفرنسي من قرية بياندور التي قتل فيها قائد لقوات الانتداب الفرنسي على يد مسلحين من العشائر الكردية، وقد بنيت الثكنة على تلة مطلة في مقابل نظيرة لها في مدينة نصيبين في الجهة التركية.
وبحسب المؤرخين والمحليين فقد كان في مقابل تلك الثكنة مزرعة عائلة آل علي بك الكردية التي تحولت لاحقاً إلى حي قدور بك، ومن هذين المعلمين كانت بداية السكن في هذه البقعة الخارجة لتوها من سيطرة الأتراك، حيث الجماعات العرقية والدينية الباحثة عن أمل جديد خارج تركيا الحديثة التي عملت على محق الكرد والسريان، فكان سكانها من العشائر الكردية والحرفيين الأرمن والتجار اليهود من نصيبين المقابلة، لتبدأ فرنسا لاحقاً عام 1926 بتنظيم المدينة وتخطيطها بعد أن كان السكان الجدد يسكنون الخيم وغرفاً مصنوعة من القصب المنتشر حول النهر.
وبحسب هؤلاء المؤرخين فإن اسم المدينة مشتق من مفردة "قاميش" وتعني القصب بالكردية، و"لي" أي مكان وجود القصب، في حين يقول آخرون بأن تربية الجواميس في نهر جغجغ كانت وراء التسمية وفق اللغة الفرنسية، وكانت المراسلات والخطابات الرسمية لسلطات الانتداب تذكر اسم القامشلية بدل القامشلي أو قامشلو الحالية.
ارتباط المدينة بالفرنسيين
جرى تخطيط المدينة وبناؤها الحضري الأول زمن الانتداب الفرنسي، وازداد فيها سكن مكونات المنطقة بما فيها عائلات من عشائر عربية، لتصبح خلال العقود التالية مركز جذب اقتصادياً في منطقة الجيرة، بعد أن انتقل إليها التجار والحرفيون من ديار بكر ونصيبين والموصل، لتكبر شيئاً فشيئاً وتصبح أكبر مدن الجزيرة السورية.
وعلى رغم ذلك لم تتحول المدينة إلى محافظة بل بقيت في التصنيف الإداري منطقة تتبع لمحافظة الحسكة التي كانت تصغرها من حيث المساحة والسكان، وعلى رغم مطالبات أهلية بتحويل القامشلي إلى مركز المحافظة لكن النظام السابق لم يستجب لأسباب سياسية وأمنية، ولمحاذاتها للحدود التركية كما كان يشاع من أوساط السلطة وقتها.
وإضافة إلى الصناعيين والتجار فإن المدينة تعد مهداً لتطوير الزراعة في المنطقة التي نهضت بصورة كبيرة خلال خمسينيات القرن الماضي، بخاصة مع استصلاح كثير من الشركات العائلية الأراضي والمساحات الواسعة في المنطقة، واستيراد المعدات والآلات الزراعية وإدخالها في العملية الإنتاجية.
وعلى رغم التنوع الكبير للأعراق والأديان من المسلمين والمسيحيين والإيزيديين واليهود لكنها أخذت طابعاً كردياً كمركز للنشاط السياسي والثقافي الكردي، في حين أن المدينة كانت تذخر أيضاً بحضور مسيحي واضح يضم في تمظهره ممارسة الطقوس والثقافة الخاصة بالأرمن والآشوريين والسريان، إضافة إلى اليهود الذين كانوا أكثر نشاطاً في التجارة والعمران، حيث يعرف سوق العطارين الشهير باسم "سوق اليهود" أو "سوق عدرا"، وهو صاحب محل عطار بقي اسمه محفوظاً على شاخصة الدكان منذ عقود على رغم هجرته مع اليهود من المدينة.
نزف الهجرة
عملت الهجرة فعلها في سكان المدينة على مدى العقود الماضية، فكان المسيحيون أو المغتربون ثم تلاهم الكرد خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، لكن النزف الأكبر لهجرة السكان كان خلال أعوام الحرب السورية والذي أثر في خفض أعداد السكان المسيحيين والكرد، والعرب ولكن بدرجة أقل، في حين أصبحت المدينة وريفها ملاذاً لعشرات آلاف السوريين الوافدين من مناطق الصراع ما بين النظام السابق وفصائل المعارضة، وكذلك حصلت هجرة من ريف المدينة التي شهدت صراعات مسلحة ما بين النظام وفصائل المعارضة ووحدات حماية الشعب وتنظيم "داعش".
وتحولت المدينة خلال أعوام حكم الإدارة الذاتية إلى مركز اقتصادي وازن في عموم شمال وشرق سوريا، إذ اعتمدت نظام التجارة الحرة وفتح الأسواق والتعامل بالعملة الأجنبية في مناطق النظام، وكذلك فإن الموارد الزراعية وتوافر المشتقات النفطية أسهما في تعزيز النشاط الاقتصادي المحلي، خصوصاً مع وجود "معبر سيمالكا" الحدودي مع إقليم كردستان العراق الذي يعد بوابة المنطقة الخارجية بدلاً من الداخل السوري الذي كان على خصام مستمر، سواء في مناطق المعارضة أو النظام السابق، في حين أن هذا الوضع تغير مع الحكومة الموقتة وبات أكثر انفتاحاً من السابق.
الدور السياسية
كان النظام السابق من خلال الأجهزة الأمنية و"حزب البعث" مسيطراً على المشهد ويسهم بصورة مؤثرة في التمييز القومي والعنصري خصوصاً تجاه الكرد فيها، وقد وصل هذا الاحتقان أقصاه في ما عُرف بانتفاضة الـ 12 من مارس (آذار) 2004 التي بدأت من المدينة جراء مقتل مشجعي كرة القدم برصاص القوات الحكومية، وهو ما فُسر وقتها بأنها محاولة لتخويف وقمع الكرد حتى لا يتأثروا بما شهده إقليم كردستان العراق من نيل لحقوقهم عقب سقوط نظام صدام حسين، ولتعم على إثرها الاحتجاجات جميع المدن الكردية في الجزيرة وكوباني وعفرين، وكذلك الأحياء الكردية في حلب ودمشق أيضاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وخلف هذا المشهد كانت الحركة القومية السياسية المتشكلة منذ أواخر عشرينيات القرن الماضي تمارس النشاط السياسي المعارض من خلال الأحزاب التي تشكل أولها عام 1957، وبذلك كانت القامشلي مركز السياسة الكردية في سوريا أيضاً، وكذلك كان تبلور النشاط السياسي والثقافي السرياني أيضاً زمن حكم الإدارة الذاتية على رغم وجود المنظمة الـ "آثورية" منذ العام نفسه الذي تشكل فيه أول حزب كردي، وكذلك تشكلت بعض الأحزاب العربية الموالية للإدارة الذاتية وكانت ذات طابع عشائري، إلا أنها كانت سابقة بين المجتمع العربي في المدينة وخروجاً على عباءة البعث التي غطت المجتمع لأكثر من 50 عاماً.
وتحتضن المدينة في مركزها، بحسب التقديرات الرسمية، نحو 400 ألف شخص ويتجاوز عدد سكانها مع ريفها نصف مليون شخص، وجميع هؤلاء يمثلون تركيبة سكانية سورية متعايشة منذ قرن من الزمن، وهم جميعاً على أعتاب تغيرات حادة مع اقتراب قوات حكومة دمشق من حدود المدينة وحولها في الريف الجنوبي، معتمدة على العشائر العربية التي غيرت ولاءها من الإدارة الذاتية وانضمت إلى الدولة.
وبعد فشل المفاوضات في "اتفاق الدمج" بين "قوات سوريا الديمقراطية" وإعلان الإدارة الذاتية النفير العام والدخول في المواجهات وانسحاب قواتها إلى المناطق الكردية، يخشى المراقبون من تكرار الأحداث التي شهدتها السويداء ومناطق الساحل خلال الأشهر الماضية، في حين تعقد الآمال على حفظ دماء أهل المنطقة من خلال الاتفاق الأخير بين الرئاسة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية".