ملخص
على رغم تبوء إسرائيل مكانة متقدمة عالمياً في تقنيات المياه والتحلية والصحة البيئية، فإنها تعاني انبعاثات عالية لغازات الدفيئة تضعها في مراتب متأخرة ضمن دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
بين عامي 2021 و2022، شارك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في اجتماعين دوليين مهمين، أكد فيهما التزام إسرائيل باتفاقات المناخ العالمية، بما في ذلك "اتفاقية باريس"، وتعهد بأن تل أبيب ستنتقل إلى الاستخدام الكامل للطاقة المتجددة بحلول عقدين من الزمن، وتم تثبيت الالتزامات الرسمية والخطط الحكومية لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة في إسرائيل بنسبة 27 في المئة بحلول عام 2030، و85 في المئة بحلول 2050، إلى جانب التزام سياسي عام بالوصول إلى الحياد الكربوني في منتصف القرن.
وعلى رغم الإمكانات الإسرائيلية الكبيرة لاستغلال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح كمصدرين للطاقة وإنتاج الكهرباء من الغاز الحيوي بتكنولوجيا الهضم اللاهوائي، ظل واقع التطبيق بعيداً كل البعد مما وعد به نتنياهو، فاليوم تشهد أروقة سياسية وأكاديمية وبحثية إسرائيلية جدلاً واسعاً وحالاً من التخبط والقلق على خلفية بحث وزارة الخارجية الإسرائيلية، في اعقاب ضغوط أميركية، احتمالية انسحاب إسرائيل من "اتفاق باريس" الذي توصل إليه في مؤتمر المناخ الدولي عام 2015، والذي يلزم الدول وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية في شأن تغير المناخ (UNFCCC) لعام 1992 بخفض انبعاثاتها من غازات الاحتباس الحراري.
ووفقاً لتقرير وزارة حماية البيئة الإسرائيلية، فإن إسرائيل التي تتبوأ مكانة متقدمة عالمياً في تقنيات المياه والتحلية والصحة البيئية تعاني انبعاثات عالية لغازات الدفيئة، تضعها في مراتب متأخرة ضمن دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، فقد ارتفعت انبعاثات غازات الدفيئة في إسرائيل بنسبة 3.5 في المئة خلال الأعوام الأخيرة لتصل إلى 81.1 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وهي الأعلى منذ أكثر من عقد، مما يبعدها من أهداف خفض الانبعاثات لعام 2030.
وتعود هذه الزيادة بصورة رئيسة بحسب تقارير رسمية إلى زيادة استهلاك الوقود في المواصلات وغازات التبريد وتوليد الكهرباء، مع استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري، إلى جانب تأثيرات الحر والإخفاق في معالجة النفايات الذي يستند حالياً إلى دفنها ويشكل ثمانية في المئة من انبعاثات غازات الدفيئة، كما تعد السفن مصدراً أساساً لتلوث الجو في إسرائيل، إذ تنبعث منها 54 في المئة من المعادن الملوثة المعروفة بأنها مسرطنة.
عزل دولي
صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، رأت أن قرار الانسحاب من اتفاق المناخ سيتبعه عواقب وخيمة على الاقتصاد والدبلوماسية الإسرائيلية، ويحمل رسالة للعالم بأن إسرائيل "لا تعترف بخطورة أزمة المناخ". في حين حذرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" في تحليل لها، من أن قرار الانسحاب الذي تتم مناقشته بطلب من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيعزلها دولياً، ويضر باقتصادها وصحتها العامة، ويقوض التزام الدولة تجاه الأجيال القادمة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأشارت الصحيفة إلى أن وزيرة حماية البيئة عيديت سيلمان، أوعزت للمتخصصين في وزارتها بدراسة القضية، مبررة ذلك بأن "إسرائيل لن تسمح لهيئات الأمم المتحدة باستغلال خطاب المناخ للتحريض ضدها". ووفقاً لخبراء بيئة إسرائيليون، فإن هذا الانسحاب من قبل الحكومة لا يضر فقط بمصالحها الاقتصادية والبيئية، بل يعرض للخطر أيضاً مكانة إسرائيل كدولة متطورة ومتقدمة، وسيؤدي إلى قطع التمويل من الصناديق الدولية اللازمة لتطوير تقنياتها في مجال المناخ، وسيضر بقدرتها التنافسية، إذ تتضمن اتفاقات التجارة الدولية بصورة متزايدة متطلبات بيئية وخفضاً للانبعاثات الكربونية.
ورداً على احتمال انسحاب إسرائيل من الاتفاقات الدولية المتعلقة بالمناخ، أصدرت منظمة "غرين كورس" الإسرائيلية التي تعنى بشؤون البيئية بياناً عدت فيه "أن الانسحاب من اتفاقية باريس يشكل خطراً على كل مواطن إسرائيلي"، معتبرة أن الانسحاب سيمنح الحكومة شرعية لمواصلة الاستثمار في محطات الطاقة التي تعمل بالغاز، مع الإبقاء على محطات الفحم الملوثة، وتأخير تطبيق الطاقة الشمسية، في وقت يتسبب تلوث الهواء بالفعل في وفاة الآلاف من الإسرائيليين كل عام.
وبحسب نتائج رصد جودة الهواء في إسرائيل الذي قام به إيلان ليفي من وزارة حماية البيئة، وإيزابيلا كركيس من وزارة الصحة الإسرائيليتين، فإن تلوث الهواء في إسرائيل يعد من أهم الأخطار للوفاة المبكرة، إذ تشير بيانات رصد جودة الهواء إلى أن عام 2023 شهد تسجيل 5510 حالات وفاة مبكرة في إسرائيل نتيجة التعرض للجسيمات القابلة للتنفس من نوع 2.5pm وثاني أكسيد النيتروجين والأوزون.
وأقر "التقرير الوطني الإسرائيلي الأول للشفافية المناخية"، المدمج مع التقرير الوطني الرابع المقدم لعام 2025 إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، أن المصدر الرئيس لهذه الانبعاثات لا يزال قطاع الطاقة، وخصوصاً توليد الكهرباء، يليه قطاع النقل البري الذي يشهد نمواً متواصلاً في الانبعاثات، ثم الصناعة وإدارة النفايات.
التزام داخلي
وحذر متخصصون من أن الانسحاب سيضعف الالتزام الداخلي للحكومة الإسرائيلية بالعمل على خفض الانبعاثات، ويقوض التزامها بتقديم تقارير دورية للجمهور عن تقدمها في هذا المجال، مما سيقوض تشريع قانون مناخ ملزم ومؤثر في إسرائيل. وكشف تحقيق لموقع "شكوف" (شفافية) الإسرائيلي، أن برنامج خفض استهلاك الكهرباء في السنوات 2016-2030 لم يشمل وضع أهداف مرحلية ولا موازنات ولا مقاييس ضبط ومراقبة لدرجة الامتثال للأهداف الموضوعة. وأكد عدد من كبار المسؤولين في وزارة المالية للموقع، أن الدولة غير قادرة على تحقيق أهداف خفض الانبعاثات، ويخشون أن تؤدي المصادقة على الأهداف الواردة في القانون إلى وضع يسمح لمنظمات ومواطنين بالتوجه إلى المحكمة لإصدار أمر بتنفيذها، وتقييد أيادي الحكومة إذا ما صادقت على مشاريع أحفورية جديدة. فالقانون إذ ما تمت المصادقة عليه كلياً يمنح المحكمة صلاحيات إلغاء مشاريع توليد كهرباء تعمل بالغاز الطبيعي بسبب تعارضها مع أهداف خفض الانبعاثات، مثلما هو منصوص عليها في القانون.
وبحسب تقرير منظمة "إنسان وطبيعة وقانون" الإسرائيلية، فإن غياب قانون مناخ فعال لا يتناسب مع وضع إسرائيل باعتبارها منطقة شديدة التعرض لتأثيرات تغير المناخ، وترى أن التعامل مع الأزمة كمسألة بيئية فقط يضعف قدرة الدولة على الاستجابة بفعالية ويهدد صحة السكان والاقتصاد والأمن الغذائي على المدى الطويل. وقد اعترف التقرير الحكومي الرئيس لعرض السياسات والإجراءات الحكومية الداخلية لعام 2025 بأن السياسات والإجراءات المعتمدة حتى الآن قد تقود إلى خفض يقارب 19 في المئة فقط في الانبعاثات بحلول عام 2030، في حين أشار المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) في مقال إلى أن التقرير الحكومي الرئيس الذي يركز على خطة العمل الوطنية للمناخ للفترة 2022–2026، ويضم أكثر من 100 إجراء موزعة على قطاعات الطاقة، النقل، الصناعة، إدارة النفايات، والتكيف مع تغير المناخ، "ذو طابع تنظيمي أو تحفيزي محدود، ولا يرتقي إلى مستوى التحولات البنيوية المطلوبة لخفض الانبعاثات والاحتباس الحراري على نطاق واسع".
كارثة معلنة
وأشارت دراسة نشرت في مجلة "إنفيرومانتال ريسريتش"، إلى أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وملايين الأطنان التي خلفها من الأنقاض ستؤدي إلى عشرات آلاف الأطنان من غازت الاحتباس الحراري، فقد أدى تدمير إسرائيل للمنازل والمدارس والمستشفيات في غزة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2024، إلى توليد ما لا يقل عن 39 مليون طن من حطام الخرسانة. وبحسب الدراسة، فإن مجرد إزالة الأنقاض يعادل السياقة 737 مرة حول محيط الأرض، وسيولد ما يقارب 66 ألف طن من معادل ثاني أكسيد الكربون. في حين أكدت دراسة بحثية أخرى أجرتها ونشرتها صحيفة "غارديان" البريطانية منتصف العام الماضي، أن حجم الانبعاثات للأشهر الـ15 الأولى من الحرب على غزة أكبر من الانبعاثات السنوية المسببة للاحتباس الحراري في 100 دولة، وستؤدي إلى تفاقم حال الطوارئ المناخية العالمية.
ولفتت شبكة أبحاث العلوم الاجتماعية (SSRN) ومقرها في نيويورك، إلى أن الكلفة المناخية الطويلة المدى للحرب، وإزالة الأنقاض، وإعادة إعمار المنطقة، ستعادل 31 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، نحو 20 في المئة منها ناجمة عن ثاني أكسيد الكربون المنبعث خلال عمليات الاستطلاع والقصف، ووقود الدبابات والمركبات العسكرية الأخرى، إضافة إلى تصنيع وتفجير القنابل.
وأشارت الشبكة إلى أن 30 في المئة من الغازات المسببة للاحتباس الحراري جاءت من الولايات المتحدة التي أرسلت 50 ألف طن من الأسلحة والإمدادات العسكرية الأخرى إلى إسرائيل، معظمها على متن طائرات شحن وسفن من المخزونات في أوروبا. ويجمع باحثون من بريطانيا والولايات المتحدة وغانا وأوكرانيا والنمسا على أن الكلفة المناخية الأكبر ستأتي من إعادة بناء غزة، التي تضرر أو دمر أكثر من 90 في المئة من منازلها.
وإلى جانب تلوث الهواء لمستويات كارثية نتيجة استخدام الأسلحة المحرمة دولياً كالفسفور الأبيض وتراكم آلاف الأطنان من المخلفات الصلبة والطبية الخطرة، فقد تسببت الحرب بتلويث جميع شواطئ غزة بالمياه العادمة، إذ يتدفق يومياً في غزة نحو 150 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى البحر، التي قد تصل إلى الشواطئ المطلة على البحر المتوسط، وتضر بالثروة السمكية والحياة البحرية.
ونشرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أن شواطئ عسقلان وأسدود شمال قطاع غزة تأثرت كثيراً بنسب التلوث بسبب ارتفاع نسب ضخ مياه الصرف الصحي من قطاع غزة إلى البحر المتوسط بعد تدمير محطات المعالجة في القطاع، موضحة أن نسب التلوث المرتفعة التي رصدتها وزارة البيئة الإسرائيلية تشكل خطراً على الحياة البحرية لساحل عسقلان وقد تهدد بإغلاق محطة فيها لتحلية مياه البحر، تعد إحدى أكبر وأكثر محطات تحلية المياه تطوراً في العالم، بقدرة إنتاجية تبلغ نحو 330 ألف متر مكعب يومياً، وتزود إسرائيل بـ15 في المئة من المياه العذبة.
تغيرات مناخية
على رغم أن إسرائيل تتصدر مراتب عالمية في تحلية مياه البحر وإعادة تدوير الصرف الصحي، حيث يعاد استخدام نحو 90 في المئة من مياه الصرف الصحي للزراعة، وتغطي التحلية جزءاً كبيراً من حاجاتها المائية، فإنها تواجه تحديات بيئية كبيرة تضاعف من خطر الانسحاب من "اتفاقية باريس". ووفقاً لمتخصصين فإنها بسبب أزمة المناخ العالمية تشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة بمعدل ضعف المتوسط العالمي تقريباً. وأشارت بيانات خدمة الأرصاد الجوية الإسرائيلية، إلى حدوث زيادة في مؤشر انتشار الحرائق في الـ20 عاماً الماضية، وزيادة بمقدار ثلاثة أضعاف في عدد الأيام التي يكون فيها احتمال انتشار الحرائق كبيراً، وبينت أن نحو 15 في المئة من المناطق الطبيعية والغابات على ساحل البحر الأبيض المتوسط في إسرائيل أُحرقت مرة واحدة في الأقل خلال الأعوام 2015-2021.
وأكد خبير المناخ من قسم العلوم البيئية في جامعة تل أبيب أمير جفعاتي، أنه بين عامي 1986 و2019، كانت هناك زيادة بنسبة 22 في المئة تقريباً باحتمال انتشار الحرائق في جبال القدس بسبب التغيرات المناخية. ووفقاً لمنظمة البيئية الإسرائيلية "الاتجاه الأخضر" فإن التحذيرات المتزايدة من حرائق واسعة النطاق وموجات حرارة قاتلة، يضاعف الحاجة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة على صعيد السياسات البيئية الوطنية والالتزامات الدولية، خصوصاً بعدما روجت إسرائيل في الأعوام الأخيرة لـ"المنتدى الإسرائيلي للمناخ"، الذي يهدف إلى دعم المجتمع المدني في مواجهة التغير المناخي، ويعد الالتزام بـ"اتفاق باريس" أحد محاوره الأساسية، بل وقدم إسرائيل كقوة خضراء قادرة على تزويد أوروبا بالطاقة الشمسية.