Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تراجع القدرة الشرائية للأسر الإيرانية تحت ضغوط التضخم

بات على أعتاب دخول نطاق 50% مما يعد جرس إنذار على الاستقرارين الاجتماعي والاقتصادي

تستمر الفجوة بين القدرة الشرائية للأسر الإيرانية ومستوى الأسعار العام في الاتساع (أ ف ب)

ملخص

في مواجهة الضغوط المعيشية، وضعت الحكومة الإيرانية آلية القسائم الإلكترونية ضمن أولوياتها، غير أن التقديرات تشير إلى أن القيمة الفعلية لهذه القسائم لا تواكب الارتفاع الحقيقي في أسعار السلع الأساس، ولا تكفي لتأمين الحاجات المعيشية الكاملة للأسر المشمولة. ونتيجة لذلك، تستمر الفجوة بين القدرة الشرائية للأسر ومستوى الأسعار العام في الاتساع لدى شريحة واسعة من المجتمع، وهي فجوة قد تفضي، في حال استمرارها، إلى تداعيات اقتصادية واجتماعية أوسع نطاقاً.

خلال الشهر الماضي، شهدت سوق السلع الأساس في إيران موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، تزامنت مع تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية واستمرار حال عدم الاستقرار الاقتصادي، مما أدى إلى زيادة ملموسة في الضغوط المعيشية على الأسر. وكانت الاحتجاجات الواسعة اندلعت شرارتها الأولى مع تراجع قيمة الريال والارتفاع المتسارع في أسعار السلع الأساس، وتآكل القدرة الشرائية للأسر.

وأعلن مركز الإحصاء الإيراني ضمن أحدث تقاريره أن السلع الغذائية، بما في ذلك الرز والدواجن والبيض والزيوت واللحوم، استحوذت على الحصة الأكبر من الزيادة في معدل التضخم الشهري خلال الشهر الماضي. وبحسب التقرير، بلغ متوسط معدل التضخم السنوي خلال ديسمبر (كانون الأول) 2025، 42.2 في المئة، وهو ما يعكس استمرار الضغوط التضخمية عند مستويات مرتفعة واقتراب الاقتصاد الإيراني من عتبة التضخم المزمن والمرهق.

ويعود ارتفاع معدل تضخم المواد الغذائية بصورة أساس إلى الزيادة الكبيرة في أسعار عدد من السلع الأساس خلال الشهر الماضي. وتظهر البيانات الرسمية أن منتجات الألبان والزيوت والرز واللحوم والبيض والفاكهة والخبز سجلت زيادات سعرية تراوحت ما بين 30 و150 في المئة، وأسهمت بدور محوري في القفزة التضخمية لهذه المجموعة خلال يناير (كانون الثاني) الجاري. ويأتي هذا الارتفاع خلال وقت تشكل فيه السلة الغذائية نسبة كبيرة من إنفاق الشرائح ذات الدخل المنخفض، مما يجعل أية زيادة في أسعارها تستهدف بصورة مباشرة معيشة الأسر محدودة الدخل.

وعلى صعيد مؤشر التضخم السنوي، تعكس أوضاع السلع الغذائية صورة مقلقة. ووفقاً لبيانات مركز الإحصاء الإيراني، بلغ متوسط التضخم السنوي لمجموعة المواد الغذائية حتى نهاية ديسمبر 2025، وقبل بدء موجة الغلاء الجديدة، نحو 50 في المئة.

ويظهر هذا الرقم أن الضغوط التضخمية على المجتمع في ظل الظروف الراهنة تضاعفت، وأن الأسر تواجه تراجعاً مستمراً في قدرتها الشرائية. وأن معدل التضخم السنوي بنقطة الأساس، مع بلوغه 42.2 في المئة، بات على أعتاب دخول نطاق 50 في المئة، وهو مستوى يعد من منظور الاقتصاد الكلي جرس إنذار خطراً على الاستقرارين الاجتماعي والاقتصادي.

ويبين هذا المؤشر بوضوح أن الأسر، مقارنة بيونيو (حزيران) 2025، باتت تنفق في المتوسط قرابة 50 في المئة أكثر لشراء السلعة نفسها. وبعبارة أخرى، وحتى في حال بقاء الدخل الاسمي عند مستويات شبه مستقرة، فإن القدرة الشرائية الحقيقية للأسر تراجعت بصورة حادة، واتسعت الفجوة بين الدخل وكلف المعيشة الأساس.

وتظهر مراجعة الجداول الصادرة عن مركز الإحصاء الإيراني أن مجموعة الأسماك والدواجن سجلت أدنى معدل تضخم شهري بين المجموعات الغذائية، في حين تصدرت مجموعة الحليب والأجبان واللحوم والبيض والزيوت والرز أعلى معدلات التضخم. ويعكس هذا التفاوت أن السلع الأكثر استهلاكاً والأساس في السلة الغذائية للأسر كانت صاحبة النصيب الأكبر من الزيادة في كلف المعيشة.

فاتورة ثقيلة على مائدة الأسرة

بين السلع الغذائية، يعد البيض بوصفه أحد أكثر المواد استهلاكاً، نموذجاً بارزاً للقفزات السعرية التي شهدتها الأشهر الأخيرة، إذ تراوح سعر كرتونة البيض المكونة من 30 بيضة ما بين 230 و250 ألف تومان (1.8 دولار)، بعدما كان بلغ نحو 170 ألف تومان (1.2 دولار) منتصف يونيو 2025 خلال ذروة موجة الغلاء. وحولت هذه التقلبات السعرية البيض من مصدر بروتيني منخفض الكلفة نسبياً إلى سلعة لم تعد في متناول سوى شريحة محدودة من المجتمع.

ويواجه سوق الزيوت أوضاعاً مشابهة، إذ تجاوز سعر عبوة الزيت سعة 1.6 ليتر حاجز 600 ألف تومان (4.28 دولار) خلال يناير الجاري، في ارتفاع يُعزى إلى زيادة كلف الاستيراد، فضلاً عن تأثير السياسات النقدية وتحرير الأسعار. وضمن السياق ذاته، واصل سعر اللحوم مساره التصاعدي، مما زاد من الضغوط على سلة معيشة الأسر.

أما سوق الرز، بوصفه أحد أبرز المكونات الأساس للمائدة الإيرانية، فقد شهد زيادات لافتة في الأسعار. ووفقاً لبيانات السوق، بلغ سعر كيلوغرام الرز "طارم هاشمي" خلال يناير الجاري نحو 380 إلى 390 ألف تومان (2.8 دولار). وطُرحت أنواع الرز عالية الإنتاج مثل "شيرودي" التي تعد خياراً أكثر اقتصادية بأسعار تبدأ من نحو 255 ألف تومان (1.85 دولار) للكيلوغرام، في حين وصل سعر الكيلوغرام الواحد من رز "شيرودي" في بعض العبوات (من 5 إلى 20 كيلوغراماً) إلى نحو 380 ألف تومان (2.78 دولار).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وشكلت منتجات الألبان بدورها إحدى المجموعات التي شهدت زيادات سعرية تدريجية. فبحسب تقارير يناير الجاري، حُدد سعر الحليب الخام بنسبة دهون 3.2 في المئة عند 29.5 ألف تومان (0.21 دولار) في المزارع. وفي المقابل، سعر الحليب المعبأ في أكياس بلاستيكية بوزن 900 غرام ونسبة دهون 1.5 في المئة عند 38.7 ألف تومان (0.27 دولار). ويرى مربو الماشية أن الأسعار الرسمية الحالية لا تغطي الكلف الفعلية للإنتاج، محذرين من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج وحدوث اختلال في سلسلة الإمداد.

استقرار هش وآفاق مقلقة

شهدت أسعار الدواجن، التي تعد من أبرز مصادر البروتين في السلة الغذائية للأسر، تقلبات ملحوظة خلال الأشهر الماضية. فخلال مطلع يناير الجاري، جرى تحديد السعر الرسمي لكيلوغرام الدجاج عند 150 ألف تومان (1.07 دولار)، في حين كان السعر ارتفع خلال يونيو 2025 إلى نحو 79 ألف تومان (5.56 دولار). وعزيت هذه القفزة السعرية إلى نقص المعروض من الدجاج الطازج وارتفاع أسعار الأعلاف. وجرى تسعير كيلوغرام أفخاذ الدجاج من دون جلد عند 225 ألف تومان (1.60 دولار)، وكيلوغرام الساق من دون جلد بنحو 279 ألف تومان (1.99 دولار).

وفي ما يتعلق بالبقوليات، فكانت حتى مطلع الصيف من بين القلائل التي لم تشهد زيادات سعرية كبيرة، ويعزو ناشطو السوق هذا الاستقرار النسبي إلى الارتفاع الحاد في أسعارها خلال مايو (أيار) 2025. غير أن هذه السلع لم تسلم بدورها من موجة الغلاء خلال يناير الجاري. ووفقاً لقائمة الأسعار الرسمية المعلنة خلال ديسمبر 2025، تراوح سعر الفاصولياء المنقطة ما بين 150 و158 ألف تومان (1.12 دولار)، والفاصولياء الحمراء ما بين 300 و320 ألف تومان (2.28 دولار)، والفاصولياء البيضاء ما بين 195 و210 آلاف تومان (1.5 دولار)، والفاصولياء الخضراء ما بين 200 و215 ألف تومان (1.53 دولار). وبلغ سعر العدس الروسي نحو 190 إلى 207 آلاف تومان (1.4 دولار)، والعدس الهندي ما بين 120 و135 ألف تومان (0.96 دولار)، والعدس الكندي الصغير ما بين 100 و117 ألف تومان (0.83 دولار)، في حين تراوح سعر الحمص الكرمانشاهي ما بين 100 و115 ألف تومان (0.80 دولار). ويشير ناشطو السوق إلى وجود فجوة ملحوظة بين هذه الأسعار وسعر البيع النهائي للمستهلك في قطاع التجزئة.

وامتد تأثير ارتفاع الأسعار إلى أسواق المنتجات المرتبطة، إذ سجل سعر معلب الفاصولياء المنقطة، وهو من أكثر المعلبات استهلاكاً، زيادة تراوحت ما بين 5 و10 آلاف تومان، في مؤشر إلى انتقال التضخم من المواد الأولية إلى السلع المصنعة.

وبصورة عامة، تزامن انتهاء فصل الخريف وبداية شتاء قاسٍ في إيران مع استمرار الاتجاه التصاعدي لأسعار المواد الغذائية. وتظهر بيانات التضخم أن السلع الأساس والأكثر استهلاكاً سجلت معدلات ارتفاع تفوق غيرها، مما جعل العبء الأكبر من هذه الزيادات يقع على عاتق الأسر ذات الدخل المحدود. وتعكس المخاوف الاقتصادية على المستوى الكلي، ولا سيما احتمال تقليص أو إلغاء بعض صور الدعم وبخاصة في قطاع الألبان، أن سياسة تحرير الأسعار تحت ذريعة مكافحة الريع انعكست سريعاً على معيشة المواطنين.

وفي مواجهة هذا الوضع، وضعت الحكومة آلية القسائم الإلكترونية ضمن أولوياتها، غير أن التقديرات تشير إلى أن القيمة الفعلية لهذه القسائم لا تواكب الارتفاع الحقيقي في أسعار السلع الأساس، ولا تكفي لتأمين الحاجات المعيشية الكاملة للأسر المشمولة. ونتيجة لذلك، تستمر الفجوة بين القدرة الشرائية للأسر ومستوى الأسعار العام في الاتساع لدى شريحة واسعة من المجتمع، وهي فجوة قد تفضي، في حال استمرارها، إلى تداعيات اقتصادية واجتماعية أوسع نطاقاً.

نقلاً "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد