Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف نفهم توقيت وأبعاد عودة ترمب للوساطة في "سد النهضة"؟

ترى القاهرة في التدخل الأميركي أحد أهم السبل المتاحة لحلحلة الملف المثير للخلاف منذ أعوام لكن تزامنه مع تطورات وأحداث في المنطقة يثير المخاوف من احتمال تحوله لـ"ورقة مساومة"

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ ف ب)

ملخص

بقدر أهمية التدخل الأميركي باعتباره قد يكون التحرك الأكثر فاعلية لحلحلة أزمة سد النهضة المستعصية منذ أعوام طويلة على جهود الوساطات الدولية وحتى المفاوضات بين أطرافها، يخيم جانب من القلق والترقب على الأوساط السياسية في شأن توقيت ودلالة الطرح الأميركي، لا سيما مع تزامنه مع حركات مكثفة في ملفات أخرى على الصعيدين الإقليمي والأفريقي مما قد يستدعي معها "تنازلات مصرية" وفق تقدير البعض، أو إعادة ترتيب بصيغة تتناسب والمصالح الأميركية.

بعد أشهر من التلويح بالانخراط والتدخل، أحيا إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب رسمياً عزمه التوسط بين مصر وإثيوبيا حول أزمة سد النهضة المثير للخلافات بين البلدين الآمال في شأن احتمالات حلحلة تلك الأزمة التي استعصت على الوساطات الدولية والإقليمية طوال العقد الماضي، ووصلت فيها المفاوضات بين الأطراف المعنية إلى "طريق مسدود".

وعلى رغم أن دعوة ترمب للوساطة التي جاءت في رسالة وجهها إلى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، ونشرها البيت الأبيض، أمس الجمعة، كانت مرتقبة على مدار الأشهر الماضية ومنذ عودة الرئيس الجمهوري إلى البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) 2025، لا سيما مع إشارته في أكثر من مناسبة إلى "عمق الأزمة" وثنائه على قدراته في وقف "حرب وشيكة" كانت ستندلع إثر بناء إثيوبيا هذا السد الأضخم في أفريقيا خلال ولايته الأولى، بقي توقيت الدعوة الأميركية ومدى تشابك "غياتها" مع ملفات أخرى على المستويات الإقليمية والأفريقية "غامضاً"، إذ تزامن مع إعلان الإدارة الأميركية في اليوم ذاته تشكيل مجلس السلام ولجنة إدارة قطاع غزة، فضلاً عن التطورات المتلاحقة التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي.

وبعد أعمال بناء استمرت 14 عاماً، دشنت إثيوبيا رسمياً سد النهضة الضخم المقام على نهر النيل في سبتمبر (أيلول) 2025، وهو أكبر مشروع لتوليد الطاقة الكهرومائية في أفريقيا، ويشكل منذ أعوام موضع توتر خصوصاً مع مصر التي تعده "تهديداً وجودياً" إذ يطاول أمنها المائي، معتبرة أن الإجراءات الإثيوبية "أحادية" وتخالف القانون الدولي، وهو أمر كثيراً ما نفته الأخيرة.

ترحيب مصري - سوداني وصمت إثيوبي

في دعوته إلى الدخول على خط الوساطة مجدداً، أعلن الرئيس الأميركي ترمب في رسالته إلى الرئيس المصري "استعداده لاستئناف جهود الوساطة الأميركية بين القاهرة وأديس أبابا لحل مسألة تقاسم مياه النيل بصورة مسؤولة ونهائية مرة واحدة للأبد"، مضيفاً أنه "لا ينبغي لأي دولة في المنطقة أن تسيطر بصورة منفردة على موارد النيل الثمينة، وأن تلحق الضرر بجيرانها"، وإنه "يأمل بصدق ألا يؤدي هذا النزاع المشروع حول سد النهضة إلى صراع مسلح كبير بين مصر وإثيوبيا".

وبحسب نص الرسالة الأميركية التي نشرها البيت الأبيض، أكد ترمب أنه يأمل في التوصل إلى صيغة تضمن إمدادات مياه مستقرة لمصر والسودان، وتسمح لإثيوبيا ببيع الكهرباء أو تزويدها البلدين الواقعين على مجرى النهر بها، قائلاً "فريقي وأنا نفهم الأهمية العميقة لنهر النيل لمصر وشعبها، وأريد تحقيق نتيجة تضمن حاجات المياه لمصر والسودان وإثيوبيا على المدى الطويل في المستقبل"، مؤكداً رؤية بلاده رفض "سيطرة أي دولة في هذه المنطقة بصورة أحادية على موارد النيل الثمينة، وتضر جيرانها في هذه العملية"، في رسالة قرأها المراقبون أنها موجهة إلى أديس أبابا.

وأعرب ترمب عن اعتقاده بقدرة "المفاوضات العادلة والشفافة ودور أميركي قوي" لتحقيق اتفاق دائم لجميع دول حوض النيل، يضمن إطلاق كميات مياه متوقعة خلال الجفاف والأعوام الجافة الطويلة لمصر والسودان، مع السماح لإثيوبيا بتوليد كميات هائلة جداً من الكهرباء، مشدداً على أن "حل التوترات حول سد النهضة الإثيوبي الكبير (GERD) يتصدر جدول أعمالي، بينما أعمل من أجل سلام دائم في الشرق الأوسط وأفريقيا".

 

لكن ما كان لافتاً في هذه الرسالة، التي وجهت نسخة منها إلى قادة السعودية والإمارات وإثيوبيا والسودان، كان إشارة ترمب إلى الجهود المصرية في وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وثنائه على دور نظيره المصري "الثابت في إدارة التحديات الأمنية والإنسانية العديدة التي واجهتها المنطقة، وشعبكم، منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023"، مما فسره البعض بأن توقيت عودة الدخول الأميركي على خط أزمة سد النهضة "قد يكون ضمن إطار أوسع يشمل إعادة ترتيب عدد من الملفات الإقليمية والأفريقية العالقة بمشاركة حلفاء واشنطن".

في غضون ذلك، وبينما لم تصدر إثيوبيا بعد أي رد رسمي على الدعوة الأميركية، رحبت كل من القاهرة والخرطوم، إذ ثمن الرئيس المصري، رسالة نظيره الأميركي بقوله "جهوده المقدرة في ترسيخ دعائم السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي وما تضمنته من تقدير لدور مصر المحوري في دعم الأمن والاستقرار بالمنطقة".

وكتب السيسي في منشور على صفحاته الرسمية بمواقع التواصل الاجتماعي قائلاً "أثمن اهتمام الرئيس ترمب بمحورية قضية نهر النيل لمصر، الذي يمثل شريان الحياة للشعب المصري، وأن مصر أكدت حرصها على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، والقائم على مبادئ القانون الدولي، وبما يحقق المصالح المشتركة من دون إضرار بأي طرف. وهي الثوابت التي يتأسس عليها الموقف المصري".

بدوره هو الآخر أعلن رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، ترحيب حكومته ودعمها الكامل للمبادرة والوساطة التي طرحها الرئيس ترمب، مؤكداً في تصريحات نقلتها وسائل إعلام سودانية أن هذا الترحيب يأتي انطلاقاً من حرص السودان على إيجاد "حلول مستدامة ومرضية" تضمن حقوق كافة الأطراف (السودان، مصر، إثيوبيا)، معتبراً أن التوصل إلى اتفاق نهائي سيسهم بصورة مباشرة في استدامة الأمن والاستقرار الإقليمي.

"محاولة للحل أم إعادة ترتيب؟"

بقدر أهمية التدخل الأميركي باعتباره قد يكون التحرك الأكثر فاعلية لحلحلة أزمة سد النهضة المستعصية منذ أعوام طويلة على جهود الوساطات الدولية وحتى المفاوضات بين أطرافها، يخيم جانب من القلق والترقب على الأوساط السياسية في شأن توقيت ودلالة الطرح الأميركي، لا سيما مع تزامنه مع حركات مكثفة في ملفات أخرى على الصعيدين الإقليمي والأفريقي مما قد يستدعي معها "تنازلات مصرية" وفق تقدير البعض، أو إعادة ترتيب بصيغة تتناسب والمصالح الأميركية.

 

وبرأي وزير الموارد المائية والري المصري السابق محمد نصر علام، فإن "ما من شك أن توقيت الطرح الأميركي بإعلان عودة الوساطة في ملف سد النهضة، قد يكون مرتبطاً بصورة كبيرة بالأحداث والتطورات التي تشهدها المنطقة سواء على صعيد ما يجري في منطقة القرن الأفريقي والملاحة في البحر الأحمر أو الأزمة في السودان وليبيا، أو حتى في ما يرتبط بالتطورات في قطاع غزة وإعلان الدخول للمرحلة الثانية من خطة الرئيس ترمب"، موضحاً في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، "شهدنا في الآونة الأخيرة تنسيقاً وثيقاً بين دول بعينها سواء في منطقة القرن الأفريقي وأزمة الصومال وإقليم صومالي لاند، أو في شأن الملاحة بالبحر الأحمر، وكذلك بالنسبة إلى السودان، وقد يكون الدخول الأميركي مرتبطاً سياسياً بمثل هذه التحركات".

وذكر نصر علام، "في ضوء التحركات والتطورات المتسارعة في شرق أفريقيا، تشي كثير من التقارير إلى أن هناك احتمالات أن تتحرك مصر في المرحلة المقبلة باتجاه سد النهضة كمحطة قادمة، وبغض النظر عن طبيعة وشكل مثل هذه التحركات، فإن التدخل الأميركي قد يكون جاء لضبط التفاعلات المتنامية".

في الاتجاه ذاته، قال أستاذ الموارد المائية والري بجامعة القاهرة نادر نور الدين إنه "على رغم إيجابية الحديث الأميركي، فإن الشارع المصري ينظر إليها بترقب"، موضحاً في حديثه معنا "من ناحية الحديث حول مدى قدرة الإدارة الأميركية على حل الأزمة يمكن القول إنها قادرة وبكل تأكيد، لا سيما أنها أزمة تهدد فعلياً السلم والأمن الإقليميين داخل منطقة شرق أفريقيا، وهي منطقة لها أهمية استراتيجية بالنسبة إلى واشنطن، لكن من حيث أهداف التدخل الأميركي فتبقى غامضة من دون إجابة واضحة".

وتابع نور الدين، "دعونا نتفق أن شخصية الرئيس ترمب خلال رئاسته الحالية، مختلفة بالكلية عن ترمب الذي قاد محاولة مفاوضات سابقة في شأن أزمة سد النهضة ذاتها خلال ولايته الأولى"، موضحاً "الرئيس الأميركي ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، يتحرك باعتباره حاكماً للعالم ويتصرف على هذا الأساس، مستخدماً قدرات بلاده الاقتصادية والعسكرية والسياسية لتحقيق ذلك".

ومضى نور الدين، قائلاً إن "تزامن نشر البيت الأبيض لرسالته الموجهة إلى الرئيس المصري في شأن سد النهضة، مع إعلان مجلس السلم ولجنة إدارة قطاع غزة، يشير إلى أن الحركة الأميركية هذه المرة هي سياسية وتهدف إلى ترتيبات بعينها"، داعياً إلى التريث لحين اتضاح النيات والأهداف.

في الاتجاه ذاته، تساءل الكاتب والباحث محمد بصل، عما إذا كانت وساطة ترمب في سد النهضة "افتعالاً من أجل نقاط أخرى في سجل السلام أم مساومة على شيء آخر، أم بحثاً عن صفقة جديدة؟"، موضحاً في منشور له على صفحته على "فيسبوك"، أن "رسالة ترمب إلى نظيره المصري تقول، إنه يخطط لحراك ما في هذه القضية"، لكن في الوقت ذاته لم تحمل سطور الرسالة أي جديد على مستوى الوساطة الأميركية منذ فترة ولايته الأولى في قضية سد النهضة.

وعدَّ بصل أن "الحديث عن التكامل في الطاقة وحصول مصر والسودان على الكهرباء من سد النهضة كإحدى وسائل الترضية مقابل الاعتراف بالمشروع هو حديث قديم، عمره من عمر فكرة سد النهضة، وقد كان حجر الأساس في مفاوضات الوساطة الأميركية وكذلك وساطات أخرى في وقت ما، وهي صيغة ربما كانت ستكون مبشرة قبل أعوام وليس الآن بعدما أصبحت المشكلة الحقيقية تتعلق بالإدارة المنفردة للسد وتبادل المعلومات والأخطار المحتملة"، على حد وصفه.

وذكر بصل، أنه عند تلقي عرض كهذا من الرجل الأشهر في "فن الصفقات" (ترمب) فإن ملفات أخرى جديرة بالمراقبة، وهي "احتمالات المساومة وإدخال أطراف أخرى لتضخيم الصفقة فتبدأ من العلاقة المتوترة بين واشنطن وأديس أبابا، التي يمكن لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يلعب دوراً فيها، لا سيما أنه الرجل القوي في العاصمتين والمراقب من كثب ولديه أطماع في نهر النيل ليست خافية".

 

وفي أكثر من مناسبة خلال أشهر حكمه الأولى، تحدث الرئيس ترمب عن سد النهضة الإثيوبي الذي "يعوق تدفق مياه النيل" إلى مصر، على حد تعبيره، معتبراً في سياق حديثه عن عدد من المناطق الساخنة حول العالم، أنه تمكن من "وقف حرب وشيكة بين مصر وإثيوبيا"، لكن مما أثار الالتفات كان انتقاده ذات مرة لما عده "تمويل بلاده لمشروع السد"، قائلاً "نحن وإثيوبيا أصدقاء لكنهم بنوا سداً منع وصول المياه إلى نهر النيل". مضيفاً "أعتقد أن الولايات المتحدة مولت السد، لا أعلم لماذا لم تحل المشكلة قبل البناء؟ لكن من الجيد أن يكون النيل مليئاً بالمياه".

ماذا عن فرص النجاح؟

يجمع كثير من المراقبين ممن تحدثوا إلى "اندبندنت عربية" على أن الدخول الأميركي على "خط الوساطة" يبقى إحدى الوسائل القادرة والفاعلة لحلحلة أزمة السد الممتدة منذ أعوام، موضحين في الوقت ذاته، أن هذه المرة تبقى مختلفة عن محاولة ترمب السابقة للوساطة خلال ولايته الأولى، وأن نسب نجاحها قد تكون أكبر من أي وقت مضي.

وفي حديث مقتضب لـ"اندبندنت عربية"، أخبرنا مصدر دبلوماسي مصري أن "القاهرة تدرك قدرة الولايات المتحدة على إنهاء أزمة السد التي لا تزال عالقة مع أديس أبابا من دون حل خلال وقت تواصل فيه الأخيرة إجراءاتها الأحادية، من دون أية مراعاة للمصالح المائية لشعبي دولتي المصب مصر والسودان".

من جانبه قال السفير أحمد حجاج الأمين العام المساعد السابق لمنظمة الوحدة الأفريقية، إنه "بغض النظر عن أية نيات أميركية من عودة دخولها على خط الوساطة في سد النهضة إلا أنها تبقى بادرة طيبة يستعيد بها الرئيس الأميركي ما كان قد بدأه خلال ولايته الأولى من خلال رعايته للمفاوضات بين البلدان الثلاثة (مصر وإثيوبيا والسودان)"، موضحاً في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، "الرئيس الأميركي يدرك حاجة دول المصب لاتفاق ملزم ينص على التعاون بين الدول الثلاث وعدم احتكار دولة بعينها لمياه النيل الأزرق، وعليه أراد استئناف هذه المفاوضات وكان يكرر بين الحين والآخر حاجة مصر لاتفاق ملزم، لذا رأى استئناف مساعيه الحميدة في هذا الصدد".

وذكر حجاج أن "الوساطة الأميركية في الوقت الراهن تبقى المبادرة الوحيدة المطروحة الآن، ونأمل في أن تنتهي بنتيجة إيجابية، وعليه فإن المطلوب من الجميع التعاون لحل الأزمة بعدما فشلت كل المبادرات والمحاولات السابقة بين البلدان الثلاث، بعدما اختارت الحكومة الإثيوبية مسار الإجراءات الأحادية والتحرك منفردة من دون الأخذ في الاعتبار المخاوف المصرية على أمنها المائي".

الاتجاه ذاته، تحدث عنه وزير الري والموارد المائية المصري السابق محمد نصر علام، قائلاً إن "فرص نجاح الوساطة الأميركية هذه المرة كبيرة"، موضحاً "في المرة السابقة تملصت إثيوبيا من الاتفاق الذي رعته واشنطن وتلاعبت حينها، إلا أن هذه المرة أعتقد أن إدارة الرئيس ترمب لن تسمح لها بتكرار مثل هذا الأمر".

 

وذكر نصر علام، أن "القاهرة وطوال الأعوام الماضية لم تمانع في تحقيق أي تعاون مع إثيوبيا، وبادرت في أكثر من مناسبة بذلك، وعليه فإن الدعوة الأميركية بالتعاون في مجال الكهرباء المنتجة من السد لن ترفضها القاهرة، ولكنها يجب أن تتم في إطار من التعاون وعدم وقوع ضرر على دولتي المصب"، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن التحدي الأكبر في الوساطة الأميركية، يكمن في مدى قدرة واشنطن على ثني أديس أبابا عن مواقفها ودفعها للتعاون وعدم تعريض الأمن المائي لمصر والسودان للخطر.

من جانبه يتمسك أستاذ الموارد المائية والري بجامعة القاهرة، نادر نور الدين، بأن "نسخة وسياسات ترمب الحالية تختلف كلياً عن ولايته الأولى، وعليه فإن فرص نجاح عودة وساطته قوية للغاية"، موضحاً "ينتهج الرئيس الأميركي سياسة من ليس معي فهو ضدي، ولهذا فإن احتمالات تنصل إثيوبيا من التزاماتها أو رفضها الوساطة الأميركية، تعني مزيداً من الضغط عليها من قبل واشنطن، وقد يكون هذا السيناريو يحمل تبعات مكلفة لأديس أبابا لا سيما مع ما تحصل عليه من كميات كبيرة من المعونات والقروض الممولة من البنوك والمؤسسات المالية الدولية المختلفة، والأمر هذه المرة قد يصل لفرض عقوبات أميركية على إثيوبيا".

وذكر نور الدين، أن تدخل الرئيس الأميركي هذه المرة إذا تضمن التلويح بهذه الورقة "أعتقد أنه قادر على فرض حل لأزمة السد"، وتابع "رسالة ترمب إلى نظيره المصري تشير إلى تفهم لجوهر الأزمة، وذلك حين تحدث عن رفض بلاده السماح لدولة واحدة بأن تتحكم في مياه نهر النيل العظيم وموارده، مما يعني رفض المنظور الإثيوبي في السيطرة والتحكم بصورة منفرة على النهر من دون مشاركة باقي الدول، مما تنادي به مصر والسودان، وتتمسك بضرورة المشاركة باعتبار النيل نهراً دولياً، وهو ما يعني بالتبعية أن تتعهد إثيوبيا بمرور حد أدنى من المياه يصل لمصر والسودان يعادل أو يقارب ما كان يصل قبل بناء السد، وهو ما تتبناه القاهرة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقع سد النهضة على النيل الأزرق الذي ينبع من إثيوبيا ويتدفق إلى السودان حيث يلتقي بالنيل الأبيض ليشكلا نهر النيل. ويوفر النيل الأزرق ما يصل إلى 85 في المئة من مياه النيل.

وكثيراً ما عبرت مصر التي تعتمد وسكانها البالغ عددهم نحو 110 ملايين نسمة على النيل لتلبية 97 في المئة من حاجات البلاد المائية، ومنها في مجال الزراعة، عن مخاوفها من تأثير السد على إمداداتها المائية، وهو الأمر ذاته الذي عبر عنه السودان. في المقابل تتمسك أديس أبابا بأن السد يهدف للتنمية وتوليد الكهرباء ولا يستهدف إلحاق الضرر بأي من دولتي المصب.

ماذا نعرف عن وساطة ترمب الماضية؟

وأمام الطرح الأميركي الأخير بالتدخل لحل الأزمة، كانت محاولة واشنطن الماضية خلال ولاية ترمب الأولى ضمن محاولات دولية عدة قادها وسطاء مختلفون لإحداث اختراق في الأزمة، لكن من دون جدوى، لا سيما الاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن الدولي.

وعلى رغم استمرار أزمة سد النهضة منذ عام 2011 فإن إدارة ترمب الأولى (2017-2020) كانت الأكثر انتظاماً في مسار مفاوضات السد الإثيوبي، مقارنة بالإدارتين الديمقراطيتين للرئيسين باراك أوباما وجو بايدن، إذ دخلت الولايات المتحدة خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 للمرة الأولى على خط الأزمة بفاعلية، من خلال دعوة الأطراف الثلاثة إلى الاجتماع في واشنطن بحضور وزير الخزانة الأميركي ورئيس البنك الدولي، وصدر بيان مشترك في ختام الاجتماع بالتوافق على عقد أربعة اجتماعات عاجلة لوزراء مياه مصر والسودان وإثيوبيا بمشاركة ممثلي الولايات المتحدة والبنك الدولي، تنتهي بالتوصل إلى اتفاق حول ملء سد النهضة وتشغيله خلال شهرين، بحلول منتصف يناير (كانون الثاني) 2020.

وبالفعل عقدت الاجتماعات الأربعة وفق تلك الصيغة في عواصم الدول الثلاث بين نوفمبر 2019 ويناير 2020 لكنها لم تسفر عن شيء، لتتدخل واشنطن مجدداً باستضافة وفود أطراف الأزمة لتقييم نتائج الاجتماعات الأربعة خلال الـ15 من يناير 2020، مما أثمر توافقاً مبدئياً على إعداد خريطة طريق تتضمن ستة بنود، أهمها بالنسبة إلى مصر تنظيم ملء السد خلال فترات الجفاف والجفاف الممتد، وفي نهاية ذلك الشهر جرى الاتفاق على التوقيع على تفاهم في غضون 30 يوماً.

 

وعلى رغم الوتيرة المتسارعة باتجاه التوصل إلى اتفاق بعد التدخل الأميركي، تراجعت أديس أبابا معلنة عدم مشاركتها في الاجتماعات المقررة لتوقيع الاتفاق النهائي في واشنطن، الذي كان من المنتظر توقيعه بنهاية فبراير (شباط)  2020، مما دعا مصر إلى توقيع الاتفاق منفردة بالأحرف الأولى.

وخلال أكتوبر 2020، أطلق ترمب تصريحه الأشهر بأن مصر "سوف تفجر السد"، إذ قال خلال مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء السوداني آنذاك عبدالله حمدوك "إن الوضع خطر للغاية، لأن مصر لن تكون قادرة على العيش بهذه الطريقة. وسينتهي بهم الأمر بتفجير السد. وقلتها، وأقولها مجدداً وبصوت عال وواضح، سيفجرون ذلك السد. عليهم أن يفعلوا شيئاً ما".

حينها، لم يرد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد مباشرة على حديث ترمب ذلك، لكنه قال في بيان "إن إثيوبيا لن ترضخ لأي عدوان من أي نوع. لم يركع الإثيوبيون يوماً أمام أعدائهم، بل احترموا أصدقاءهم. ولن نفعل ذلك اليوم ولا في المستقبل"، وأضاف أن التهديدات في شأن هذه القضية تعد "مضللة، وغير مجدية، وانتهاكاً واضحاً للقانون الدولي".

وكان لافتاً معاقبة إدارة ترمب الحكومة الإثيوبية على "التعنت" في ملف سد النهضة، خلال سبتمبر (أيلول) 2020، من خلال تعليق مساعدات بقيمة 272 مليون دولار مخصصة لأديس أبابا. لكن الموقف الأميركي انقلب بعد شهر واحد من رحيل ترمب عن البيت الأبيض، فألغت إدارة جو بايدن خلال فبراير 2021 ربط المساعدات الأميركية لإثيوبيا بموقفها من سد النهضة. واكتفت إدارة بايدن على مدى نحو أربعة أعوام بالدعوة إلى حل تفاوضي للأزمة من دون تحرك جدي للضغط على إثيوبيا، وفق مراقبين.

وفي ديسمبر 2023، وبعد عدة محاولات للتفاوض المباشر، أعلنت القاهرة انتهاء المسار التفاوضي حول السد الإثيوبي، بسبب "استمرار المواقف الإثيوبية الرافضة عبر الأعوام الماضية الأخذ بأي من الحلول الفنية والقانونية الوسط، التي من شأنها تأمين مصالح الدول الثلاث"، وفق بيان لوزارة الري المصرية، وهو الموقف القائم حتى الآن.

يشار إلى أنه وعقب عودته إلى البيت الأبيض، كان ملف السد أيضاً محور أول اتصال هاتفي بين ترمب والسيسي خلال فبراير الماضي، بحسب بيان البيت الأبيض عقب الاتصال، من دون توضيح في شأن ماهية ما جرى نقاشه في هذا الشأن أثناء الاتصال.

المزيد من تحلیل