ملخص
انطلق موسى من محاكمة الواقع العربي الراهن، متوقفاً عند ما وصفه بأشباه أحداث السابع من أكتوبر وما أعقبها من دمار وتحولات جيوسياسية عميقة، ليطرح سؤالاً رآه جوهرياً، حول ما إذا كان مفهوم "نحن" بين العرب لا يزال قائماً؟
بينما كان الحضور يترقب قراءة دبلوماسية هادئة للمشهد العربي المتلاطم، اختار عمرو موسى، الدبلوماسي المصري والأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، أن يتحدث بفخر بوصفه ابن القرية المصرية الأولى، و"الفلاح" الذي يحرث في طبقات التاريخ ليزرع وعياً جديداً في المستقبل، مستلهماً تجارب الماضي، التي أفضت إلى الواقع العربي الراهن بحُلوه ومُرّه.
المحاضرة التي جاءت في سياق سلسلة تنظمها "مكتبة الملك فهد" في الرياض، تجاوزت إطارها الأكاديمي لتتحول إلى سردية استشرافية عن مصير المنطقة، ومعنى الهوية العربية، وأدوات القوة في زمن تتآكل فيه النظم القديمة وتتشكل خرائط جديدة، على وقع خطبة دونالد ترمب الصارخة في "دافوس" التي كان العرب أحد محاورها الرئيسة صراحة وترميزاً.
انطلق موسى من محاكمة الواقع العربي الراهن، متوقفاً عند ما وصفه بأشباه أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وما أعقبها من دمار وتحولات جيوسياسية عميقة، ليطرح سؤالاً رآه جوهرياً، حول ما إذا كان مفهوم "نحن" بين العرب لا يزال قائماً؟ بالنسبة إليه، تعيش المنطقة مخاضاً عسيراً يفرض إعادة ترتيب الأولويات، على مستوى السياسات والوعي الجمعي. ورأى أن المآسي الحالية تختبر قدرة الدول العربية على الاستمرار كأمة ذات قرار مستقل، محذراً من أن السياسة الإسرائيلية، بقيادة بنيامين نتنياهو، تسعى إلى فرض "سلام قسري" يتجاوز الحقوق التاريخية، مما يستدعي موقفاً عربياً صلباً يبدأ بمراجعة المفاهيم التقليدية للسلام ومعناه.
دول قادرة على تحمل كلفة القرار
ولفت في هذا الصدد إلى أن حكومة نتنياهو يستبعد أن يكون أحداً من مسؤوليها قرأ "مفردة السلام" بأي لغة إنجليزية أو فرنسية أو عبرية"، كناية عن كونهم أبعد ما يكونون عن الإيمان بالسلام وما يستدعيه من عقلانية، إلا أنه أقر في الوقت نفسه أن طيفاً واسعاً في المجتمع الإسرائيلي خارج الحكومة الحالية، بات لديه وعي كبير بضرورة السلام، كحل جذري للصراع الممتد.
ومن الرياض، شدد موسى على أن المرحلة لم تعد تحتمل الاكتفاء بالكلام، قائلاً "لا بد أن نوحد نحن العرب صفوفنا ونطالب بخطوات محددة نتحرك على أساسها". وانتقد تفكك النظام العربي وتعدد الأصوات من دون مسار جامع، مضيفاً "ماذا عن النظام العربي؟ الجميع يتكلم، لكن لا يوجد خط واحد". وفي هذا السياق، دعا إلى بلورة مسار عربي واضح تقوده الدول القادرة على تحمل كلفة القرار، يكون مرجعاً سياسياً يحدد ما يمكن القبول به وما يجب رفضه في قضايا المنطقة المصيرية، من دون الوقوع في منطق المحاور المتصارعة أو ردود الفعل المتأخرة.
ومع الجدال الذي أثير قبل أشهر حول موقف عمرو موسى من أشهر زعماء القومية جمال عبدالناصر، إلا أنه ظل وفياً للخطاب القومي، والنفخ في وحدة المصير، والحلول الجماعية، في مرحلة يراها شديدة الحساسية.
وحذر موسى من نتائج الإهمال السياسي في القضايا العربية، مستشهداً بتجربتي السودان والصومال، ومتسائلاً "هل يصح أن نترك الصومال يتمزق كما تمزق السودان بغباء شديد؟". ورأى أن تجاهل الأزمات قبل انفجارها قاد إلى التقسيم والفوضى، مؤكداً أن هناك "أموراً لا يصح القبول بها"، لأن الإهمال يتحول سريعاً إلى تمزق يصعب احتواؤه. وفي هذا الإطار، لفت إلى التغلغل الإسرائيلي في القرن الأفريقي بقوله "إسرائيل الآن دخلت على صوماليلاند، وتجلس على البلكونة ترى مدخل البحر الأحمر"، مذكراً بأن الأمن الإقليمي كان دائماً جزءاً من الحسابات العربية الكبرى، كما في حرب 1973 وحضور باب المندب في الوعي الاستراتيجي العربي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتوقف موسى عند فكرة القيادة الإقليمية، معتبراً أن التنسيق بين القوى العربية الكبرى ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة لحماية الإقليم من الانزلاق نحو مزيد من التفكك. وبدلاً من تعدد المبادرات المتنافسة، دعا إلى مسار واحد متماسك يعيد للنظام العربي قدرته على الفعل، ويحول دون تحول أزمات فلسطين والسودان واليمن ولبنان والصومال إلى ملفات معزولة عن بعضها، مؤكداً أن الخطر واحد وإن تعددت ساحاته.
وأكد أن "الأمر لا يتعلق بفلسطين فحسب، بل بالسودان والصومال واليمن ولبنان"، داعياً إلى "حلف سعودي - مصري في مواجهة هذه التحديات الخطرة، ومنها تحديات خبيثة كثيرة".
وحيا الموقف السعودي القيادي الرافض للانجرار وراء التطبيع من دون ضمانات حقيقية للحقوق الفلسطينية. واعتبر موسى أن هذا الوضوح السعودي يمثل استعادة لمنطق "الحق الواضح، والظلم الواضح"، وهو ما يمنح العرب قدرة على التفاوض من موقع القوة والكرامة.
وكانت تقارير تحدثت عن تحرك سعودي - مصري مشترك لوضح حد لتفكيك دول الإقليم المتصاعد في اليمن والصومال والسودان وليبيا، سريعاً ما أعطى نتائج يراها المراقبون فعالة، إذا استمرت في وتيرتها الحالية. وتردد أن تنسيقاً أوسع سيضم باكستان وتركيا والسعودية ومصر لتوحيد المواقف إزاء التهديدات الإقليمية المتلاحقة.
"أم كلثوم" نموذج للقوة الناعمة الجامعة
وفي انتقاله إلى مفهوم القوة الناعمة، أخرجها موسى من إطارها الثقافي الضيق إلى معناها الاستراتيجي الأوسع، بوصفها أداة تأثير لا تقل أهمية عن القوة العسكرية. استشهد بالنموذج الأميركي الذي لم يفرض حضوره عبر الأساطيل، بل من خلال الجامعات، والأفكار، والسينما. وفي السياق العربي، رأى أن الروابط الوجدانية والثقافية، وفي مقدمها إرث أم كلثوم والشعراء الكبار، هي التي صهرت الوجدان العربي وجعلت منه كياناً عابراً للحدود السياسية.
بالنسبة إليه لم يكن صوت أم كلثوم مجرد غناء، بل رابطاً رمزياً جمع العواصم العربية في شعور واحد من القاهرة إلى الخليج وموريتانيا، مما يؤكد أن استعادة هذا البعد الثقافي يمثل شرطاً أساساً لأي مشروع سياسي عربي قابل للحياة، وفق تنظيره.
وفي استشرافه لمستقبل النظام الدولي، حذر موسى من أن منظومة الأمم المتحدة بصيغتها الحالية تتجه نحو التفكك، مفسحة المجال لولادة نظام عالمي جديد يسعى لفرض حلول قسرية للأزمات. ورأى أن هذا التحول يضاعف من الأخطار المحدقة بالدول العربية الهشة، خصوصاً مع تمدد النفوذ الإسرائيلي نحو نقاط استراتيجية مثل باب المندب، مما يجعل غياب موقف عربي متماسك مدخلاً لفقدان مزيد من الأوراق السيادية.
تجديد الدماء الفلسطينية
وعن القضية الفلسطينية، شدد موسى على ضرورة تجديد النخب السياسية عبر انتخابات حقيقية، معبراً عن ثقته في وعي الشارع وقدرته على التمييز بين الخيارات التي تخدم مستقبله وتلك التي تعيد إنتاج المأزق. وأكد أن المجتمعات العربية، والفلسطينية على وجه الخصوص، لم تعد تقبل تكرار أخطاء الماضي أو الانجرار خلف تطرف لا يفضي إلا إلى مزيد من العزلة والقهر.
وشدد على أهمية "إجراء انتخابات فلسطينية في العام الحالي، بالتوازي مع الإسرائيلية"، مستبعداً أن تفضي إلى فوز المتطرفين. وأشار إلى أن هذا التحرك من شأنه أن يعيد للقضية زخمها لدى المجتمع الدولي. ورأى أن بوسع رام الله تنظيم الانتخابات بأي وسيلة ممكنة، عبر التقنية. وليس بالضرورة أن تتم عبر الوسائل التقليدية.
كان وقت المحاضرة قصيراً، لكن الأسئلة التي طرحت على موسى إلى جانب أسئلته هو ظلت مفتوحة، إذ كما قال مقدم اللقاء الدبلوماسي السعودي رائد قرملي، فإن الإجابات نفسها كانت بوابة لأسئلة أشد تعقيداً.
أما لماذا حرص على القول "إنه يفخر بكونه فلاحاً مصرياً"؟ فلا يترك الدبلوماسي السؤال هنا معلقاً، فالقرية التي نشأ فيها لا تشبه العهد الجديد من القرى كما يقول، فهي "قرية تتصل بجذورها الاجتماعية والثقافية"، وفيها الحياة غنية بالمعاني، التي كونت الرجل الذي نصح الدبلوماسيين الشباب بثلاثي لا يبدو أنه استلهمه كلياً من القرية، هو "الاطلاع، واكتساب اللغات، وحسن اختيار شريك الحياة"، بوصفها أسلحة لا غنى عنها في العمل العابر للحدود.