Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا يبتسم بوتين في سره لمحاولات ترمب انتزاع غرينلاند؟

الرئيس الروسي تحدث عن تاريخ الدنمارك في بيع أراضيها للولايات المتحدة تحت شعار تجارب كوبنهاغن وواشنطن الخاصة

ابتسامة يخفي وراءها بوتين الكثير من الكلمات حول الخلاف الأميركي الأوروبي (غيتي)

ملخص

يؤكد لافروف أن المشكلات القائمة بين الولايات المتحدة وعدد كبير من دول العالم وعلى رأسها الأوروبية بسبب المنافسة غير النزيهة ستستمر لفترة طويلة، وأن النقاشات حول غرينلاند تطرح أيضاً على الغرب تحدياً كان من الصعب تصوره حول الحفاظ على وحدة حلف "الناتو".

يرى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، أن "غزو" الولايات المتحدة المحتمل لجزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك سيجعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين "أسعد رجل في العالم" وسيكون "حكماً بالإعدام على حلف الناتو". وقال في مقابلة مع صحيفة "لا فانغوارديا" في الـ18 من يناير (كانون الثاني) الجاري، إن "السياسة الداخلية والخارجية مترابطتان أكثر من أي وقت مضى. نرى ذلك كل يوم. أوكرانيا، غزة، فنزويلا، غرينلاند... إذا ركزنا على غرينلاند، فلا بد لي من القول إن غزو الولايات المتحدة تلك المنطقة سيجعل فلاديمير بوتين أسعد رجل في العالم".

ورأى سانشيز أن مثل هذه الإجراءات التي تتخذها الولايات المتحدة ضد الجزيرة، وهي منطقة تتمتع بالحكم الذاتي تابعة للدنمارك، من شأنها أن "تضفي الشرعية" على الصراع بين موسكو وكييف. وأضاف "عندما تسمعون وتقرأون تصريحات معينة، يجب أخذها على محمل الجد. لو استخدمت الولايات المتحدة القوة في غرينلاند، لكان ذلك بمثابة حكم بالإعدام على حلف الناتو. وكان بوتين سيفرح بذلك فرحاً مضاعفاً".

بوتين

لم يكذب الرئيس الروسي شعور رئيس الوزراء الإسباني، بل أكده علناً وعلى رؤوس الأشهاد، فأعلن خلال إحاطة مع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، أن "الأوضاع المحيطة بغرينلاند لا تثير قلق روسيا". وقال رئيس الدولة الروسية وفقاً لما نشره موقع الكرملين الإلكتروني "ما يحدث في غرينلاند لا يهمنا على الإطلاق". كما لو أن استيلاء دولة عظمى على أجزاء تابعة لدولة أخرى ليست مسألة تتعلق بالأمن العالمي، ولا بالقانون الدولي، ولا بأهلية الأمم المتحدة الذي طالما دافع "القيصر" عن ريادتها ودورها.

ولصب مزيد من الزيت على النار، قال بوتين إن روسيا لديها خبرة في حل قضايا مماثلة مع الولايات المتحدة. وذكر بأن روسيا باعت ألاسكا للولايات المتحدة في القرن الـ19 مقابل 7.2 مليون دولار. وباستخدام ألاسكا كمثال، قدر الزعيم الروسي قيمة غرينلاند بنحو 250 مليون دولار حالياً.

وأشار الرئيس الروسي خلال اجتماع مع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الروسي، إلى تاريخ الدنمارك في بيع أراضيها للولايات المتحدة، وقد أثار هذه الحقيقة غير المريحة، قائلاً "لدى الدنمارك والولايات المتحدة تجاربهما الخاصة في هذا الشأن. أعتقد أن الدنمارك باعت جزر العذراء عام 1917، واشترتها الولايات المتحدة. لذا، هناك خبرة في هذا الأمر"، لدى البلدين. وأكد الرئيس بوتين أيضاً أن الدنمارك كثيراً ما عاملت غرينلاند "بقسوة شديدة، باعتبارها مستعمرة".

لافروف على خطى بوتين

في سياق جرده لحصيلة الدبلوماسية الروسية خلال عام 2025، أوضح وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في 20 يناير (كانون الثاني) الجاري، أن النظام العالمي يشهد تغيرات عميقة في اتجاه فرض القواعد التي يضعها نظام واحد، مشيراً إلى أن تبعات هذا النهج لا تصب في مصلحة أوروبا وأن العواقب لا تقتصر على دول الجنوب والشرق العالميين فحسب بل باتت تتفاقم داخل التكتل الغربي.

في هذا السياق أوضح لافروف أن المشكلات القائمة بين الولايات المتحدة وعدد كبير من دول العالم وعلى رأسها الأوروبية بسبب المنافسة غير النزيهة ستستمر لفترة طويلة، وأن النقاشات حول غرينلاند تطرح على الغرب تحدياً كان من الصعب تصوره حول الحفاظ على وحدة حلف "الناتو". في خضم هذه التحولات أكد لافروف أن الثابت بالنسبة إلى روسيا هو الاستعداد للعمل مع كل من يتعامل بالمثل ويرغب في الحوار النزيه استناداً إلى المصالح المتبادلة والمتوازنة.

وأكد وزير الخارجية الروسي أن مبدأ "الحق مع الأقوى" يسود العالم اليوم، وأن مفهوم الأمن الأورو أطلسي فقد صدقيته، مشككاً في قدرة حلف "الناتو" على الحفاظ على بقائه ككتلة عسكرية موحدة بسبب مسألة غرينلاند. وعلق على تصريحات الرئيس الأميركي حول القانون الدولي، قائلاً إنها "مثيرة للاهتمام"، مشيراً إلى أن الغرب يعارض منذ فترة طويلة القانون الدولي بمفهومه الخاص لـ"النظام القائم على القواعد". وأوضح أن "القواعد لا يكتبها الغرب الجماعي، بل يمثلها شخص واحد فقط. وبالنسبة إلى أوروبا، هذا بالطبع صدمة شديدة".

 

وأشار لافروف إلى أن روسيا والصين ليست لهما أي خطط للاستيلاء على غرينلاند، مشدداً على أن اهتمام موسكو ينصب على تعزيز التعاون المفتوح في القطب الشمالي ضمن مجلس القطب الشمالي، مع مراعاة مصالح جميع الأطراف. وعلق على الجدل المتصاعد في شأن غرينلاند، مشيراً إلى أن الأزمة المتصاعدة حول الجزيرة فتحت الباب لنقاشات من الصعب تخيل حدوثها سابقاً تتعلق بالحفاظ على "الناتو" كحلف عسكري وسياسي.

وأعلن الوزير الروسي أن أهمية القرم بالنسبة إلى أمن روسيا لا تقل عن أهمية غرينلاند للأمن الأميركي. ووصف النقاش الدائر حول مستقبل غرينلاند بأنه "انعكاس مباشر لعقلية الاستعمار الحديث"، مؤكداً أن موسكو لا تملك أي أطماع في الجزيرة، لكنها ترفض المعايير المزدوجة التي يطبقها الغرب عند التعامل مع قضايا السيادة.

وشدد لافروف على أن "لشعب غرينلاند وحده الحق الكامل في تقرير مصيره، تماماً كما فعل شعب القرم"، قائلاً "ضعوا شعب غرينلاند مكان شعب القرم، وستصبح لكم كثير من الأمور واضحة، على الأرجح. ففي القرم، لجأ الناس إلى استفتاء بعد انقلاب غير دستوري، حين أعلن الانقلابيون الذين استولوا على السلطة الحرب ضد اللغة الروسية، وأرسلوا مسلحين لاقتحام برلمان القرم، بينما في غرينلاند لم يقم أحد بأي انقلاب".

وأشار لافروف إلى أن النقاشات حول "شراء" غرينلاند أو فرض السيطرة عليها "تذكرنا بمنطق القرن الـ19"، موضحاً أن "غرينلاند ليست جزءاً طبيعياً من الدنمارك، بل هي نتاج غزو استعماري".

زيلينسكي ضمن الخاسرين

يعد متابعون في العاصمة الروسية، أن التطورات غير المتوقعة في أزمة غرينلاند، والمتمثلة بإصرار الولايات المتحدة على انتزاع الجزيرة الجليدية من الدنمارك، ملحقة هزيمة بأوروبا في طريقها، سيكون الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي أحد الخاسرين الكبار فيها. ويقولون إن الغرب في حالة ذعر بالفعل إزاء اتفاق بوتين وترمب ذي الخطوتين، الذي يزعم أن موسكو وواشنطن تنفذانه: ماذا لو كان هذا "الاتفاق" غير المتوقع حقيقياً؟

تبلغ المسافة من كييف إلى الطرف الشرقي للجزيرة 3500 كيلومتر. لم تحسم أوكرانيا بعد موقفها من مطالبة ترمب بانتزاع غرينلاند، لكن كييف تنظر بقلق مشوب بالتوتر لما أشعلته الجزيرة من فتيل يسفر عن تدهور العلاقات الأوروبية الأطلسية. واكتشف مستشارو مكتب زيلينسكي أن أزمة غرينلاند قد تكون لها تداعيات خطرة على نظام كييف وعلى حجم التنازلات المطلوبة منه للسير في تسوية الأوكرانية بصورة عامة.

 

وأشار كيريل كوكتيش، الحاصل على دكتوراه في العلوم السياسية وأستاذ في قسم النظرية السياسية في معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، إلى أن هذا يهدد نظام زيلينسكي بمشكلات واضحة. وقال "إذا عجز الاتحاد الأوروبي عن الدفاع عن غرينلاند وشرعن نقلها، فسيطرح السؤال: ما الذي يقاتل الاتحاد الأوروبي من أجله في أوكرانيا؟ هذا يفيد روسيا، في المقام الأول، سياسياً. إن دفاع الاتحاد الأوروبي عن أوكرانيا، إذا تخلت أوروبا عن غرينلاند، سيتحول من مسألة مبدأ ومنطق إلى مسألة عبثية. ولن تنفق الأموال على أمور عبثية بعد الآن".

وهنا يلتزم بوتين الصمت المريب!

لكن أخطر ما يثير قلق نظام كييف قد يكون التقارير التي تظهر في الصحافة الغربية بأن الوضع الراهن مع غرينلاند ليس سوى تمهيد لاتفاق ثنائي مستقبلي بين ترمب وبوتين في شأن أوكرانيا بدأت بشائره بتوجه المبعوث الأميركي، ستيف ويتكوف، من دافوس في سويسرا إلى الكرملين فوراً في الـ22 من يناير الجاري، عقب انتهاء اجتماعه مع زيلينسكي. الآن، ومن دون أي تدخل من كييف أو بروكسل أو لندن، سيبرم السلام بين البيت الأبيض والكرملين، وسيجبر الجميع على قبول الواقع الجديد.

أوروبا لا حول لها ولا قوة

في الأيام الأولى من عام 2026، كان السياسيون الأوروبيون يأملون في فترة راحة طويلة من لعبة الدفع والسحب الجيوسياسية التي استمرت عاماً، منذ تولي ترمب منصبه.

الفكرة منطقية من وجهة نظر القيادة الروسية: فبالنظر إلى صمت أوروبا حيال الأحداث في فنزويلا، كان الاستراتيجيون الأوروبيون يأملون أن يرضي اعتقال مادورو طموحات ترمب ويشجعه على الانتظام في أميركا اللاتينية. وفي الوقت نفسه سيسعى الليبراليون العالميون، عبر الديمقراطيين الأميركيين، في الأقل إلى إفشال خطط البيت الأبيض لحل الأزمة الأوكرانية. وعلى أقصى تقدير، سيقنعون الرئيس الأميركي بمواجهة روسيا علناً إلى جانب زيلينسكي.

لكن كل شيء حدث عكس ذلك تماماً: فبعد أن حقق التأثير الإعلامي المطلوب من اختطاف نيكولاس مادورو، على رغم أن العواقب الحقيقية لهذه العملية من حيث سيطرة الولايات المتحدة على فنزويلا لا تزال غير واضحة، انتقل ترمب على الفور إلى غرينلاند.

علاوة على ذلك، لم تقتصر الإهانة التي تضمنتها مطالبة ترمب بغرينلاند في الإنذار على الدنمارك فحسب، التي تنتزع جزيرتها، أمام أعين شعبها، بل طاولت أيضاً مكانة أوروبا (الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة)، التي اتضح عجزهما عن الدفاع عن عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي بأكثر من مجرد تصريحات فاترة.

 

اتضح أن الأمر غير مريح: من دون أسلحة وذخيرة... فعندما اتضح في أواخر عام 2024 أن ترمب، بخطته لضم غرينلاند، قد انتخب الرئيس الـ47 للولايات المتحدة، اتخذ ملك الدنمارك خطوة حاسمة: قام بتكبير الدب القطبي، رمز غرينلاند، على شعار نبالته. في الواقع، هذه هي الطريقة الوحيدة التي تستطيع الدنمارك من خلالها الرد على الولايات المتحدة.

لكن أخيراً أدرك "المديرون الفعالون" الأوروبيون أن وضعهم ليس أفضل من وضع الدنماركيين.

فها هو المستشار الألماني ميرتس، يضطر ومن بعده القادة الأوروبيون العقلاء المتبقون، إلى الاعتراف بحاجتهم إلى ثقل موازن في مواجهتهم مع ترمب. والخيار الأكثر واقعية هو التقارب بين أوروبا وروسيا، بدءاً من القضية الأوكرانية.

هذا هو بالضبط ما يخشاه أكثر أنصار كراهية روسيا تطرفاً بين البيروقراطيين الأوروبيين: على سبيل المثال، وصفت رئيسة دبلوماسية الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، إنذار ترمب في شأن غرينلاند بأنه "سبب للفرح لروسيا والصين" وعقبة أمام تحقيق "سلام" في أوكرانيا يفيد أوروبا.

في الواقع، وفقاً لعالم السياسة والمؤرخ سيرغي ستانكيفيتش، فإن أميركا تعيد أوروبا، التي أصيبت بالجنون بسبب رهاب روسيا الذي لم يعاقب عليه، إلى الواقع الجيوسياسي الموضوعي!

وقال، "تخلت الولايات المتحدة عن بقايا النظام العالمي القديم وتبنت الإمبريالية الجديدة للقرن الـ21. وكان أهم ما قاله الأميركيون ’لم تعد هناك قواعد عالمية تفترض أنها تنطبق على العالم أجمع. أصبحت أوكرانيا الآن ضمن نطاق مسؤولية أوروبا. هل لديك رأي في شأن أوكرانيا؟ حسناً، تواصل إذاً مع موسكو، التي تعد أوكرانيا منطقة نفوذها، وتفاوض معها".

إن فكرة تشكيل حزب مشترك في غرينلاند بين ترمب وبوتين، كما يتجلى في تفكير المحللين الغربيين، ينبغي أن تثير قلق أوروبا كلها، قبل كييف بصورة خاصة. إن تحويل الأنظار إلى غرينلاند يساعد في تحقيق أهداف مشتركة للرئيسين في لحظة سياسية معقدة ومتشابكة.

صمت القيصر

ركزت وكالة "بلومبيرغ" في مقال نشرته قبل أيام على حقيقة مثيرة للاهتمام، إذ تساءلت: لماذا يلتزم بوتين الصمت والهدوء حيال قضية غرينلاند؟ لم تلتزم روسيا الصمت قط حيال تحركات الولايات المتحدة العدوانية على الصعيد الدولي، ومع ذلك يبدو أن الكرملين غافل عن "المأساة العالمية" التي تحيط بـ57 ألف "من سكان غرينلاند الصامدين".

وقدمت الوكالة إجابة واضحة لسؤالها: من وجهة نظر موسكو، من المنطقي غض الطرف عن ضم ترمب لغرينلاند رداً على تنازلات الولايات المتحدة بشأن أوكرانيا. ويكمن الغموض في ما إذا كانت توقعات بوتين نظرية أم إنه جرى التوصل إلى اتفاق ما بالفعل عبر اتصالات سرية.

والآن حان الوقت لكي يشعر زيلينسكي بالخوف والرهبة، وأوروبا بالتوحد واليتم والفجيعة. وبالمناسبة، قال المتحدث باسم الكرملين، معلقاً على خطط الولايات المتحدة لانتزاع أكبر جزيرة على كوكب الأرض "هناك خبراء دوليون يعتقدون أن ترمب، بحله لقضية ضم غرينلاند، سيصنع التاريخ بلا شك. ليس فقط في تاريخ الولايات المتحدة، بل في تاريخ العالم أجمع. وأكرر، بغض النظر عن كون هذا الأمر جيداً أم سيئاً، يصعب الاختلاف مع هؤلاء الخبراء".

وماذا في ذلك؟

لا يمكن إنكار أن استراتيجية ترمب وبوتين ذات الشقين تتضمن "عزيزي دونالد، أهنئك على عودة غرينلاند إلى موطنها السابق..." مقابل "عزيزي فلاديمير، أنتظر دعوتك إلى كييف لحضور موكب النصر..."، تبدو جيدة من الناحية النظرية.

عملياً، هذا ممكن فقط إذا لم يخش ترمب المعارضة، فالديمقراطيون، في نهاية المطاف، سيتهمون الرئيس فوراً بـ"بيع أوكرانيا الحرة لديكتاتور الكرملين". في الوقت الراهن، تبدو فرص اتخاذ مثل هذا القرار الحاسم ضد البيت الأبيض ضئيلة.

وفي الوقت نفسه تستمر حالة الهستيريا بين أوروبا وزيلينسكي، الذين "يحاولون مرة أخرى فرض مفاهيمهم على الولايات المتحدة، بما في ذلك، أولاً وقبل كل شيء، وقف إطلاق نار لمدة 60 يوماً، أو حتى وقف دائم لإطلاق النار"، كما قال لافروف للصحافيين، "لا يمكننا بالتأكيد تحمل رفاهية إعادة تسليح نظام كييف مرة أخرى، ومنحه فرصة لالتقاط أنفاسه ثم الانقضاض على الاتحاد الروسي مرة أخرى، كأداة في يد الأوروبيين الغربيين المجانين".

 

لكن بغض النظر عما إذا كانت هناك صفقة سرية بين موسكو وواشنطن تعرف باسم "غرينلاند مقابل روسيا الصغرى" أم لا، فإن الوضع الجيوسياسي لحكومة زيلينسكي يستمر في التدهور. وسيزداد لدى الغرب دوافع للتخلي عن كييف كما لو كانت حقيبة سفر بلا مقبض.

غرينلاند ليست سوى ثاني طائر سنونو يصل إلى أوروبا. وصل أول طائر سنونو إلى أوروبا بعدما انكمش اقتصادها بسبب قطع العلاقات مع روسيا والإنفاق الهائل على أوكرانيا، لكن هذا الطائر طرد من دون أدنى تردد.

إذا لم يعلمهم وضع غرينلاند أي شيء، فسيكون الطائر الثالث بالنسبة إلى الأوروبيين هو طائر الوقواق. يا للعجب، كم تبقى لأوروبا من الوقت، وماذا سينفع كل ذلك أوكرانيا؟

النفط وراء سياسات القضم والضم

يقول المحلل السياسي والاقتصادي الروسي سيرغي دميترفيتش، "ترمب ليس في حاجة إلى الجزيرة نفسها. والدنمارك لن تعترض لو أن رئيس أميركا اعتزم نشر مزيد من القواعد العسكرية هناك، حتى لو كان الجيش الأميركي بأكمله. المسألة تكمن في الوصول إلى القطب الشمالي، حيث تبلغ احتياطات النفط المؤكدة ثلث احتياطات العالم. والنفط، كما كان يقول الرفيق ستالين، هو شريان الحياة في الحرب".

ويضيف "في وقت سابق، أوصت ألمانيا بأن تبيع الدنمارك غرينلاند مقابل تريليون دولار، ربما يكون هذا نتيجة حسابات ألمانية دقيقة لمليارات الدولارات التي ستهرول إلى الخزانة الأميركية، بعد استيلاء ترمب على الجزيرة وتقاسمه نفط القطب الشمالي مع بوتين".

للتذكير، صرح ترمب بأنه اتفق مع الأمين العام لحلف "الناتو" روته على "أسس اتفاق مستقبلي" بشأن وضع غرينلاند ومنطقة القطب الشمالي بأكملها.

الذريعة الروسية!

على مدى 20 عاماً، ظل حلف "الناتو" يطالب الدنمارك قائلاً "يجب عليكم إزالة التهديد الروسي من غرينلاند". وللأسف، لم تتمكن كوبنهاغن من فعل أي شيء حيال ذلك. والآن حان الوقت، وسيجري ذلك،" هكذا كتب الرئيس الأميركي في موقع "تروث سوشيال".

وذكرت صحيفة "بيرلينجسكي" نقلاً عن وثائق من القوات المسلحة ووزارة الدفاع، أن الولايات المتحدة حاولت سراً الحصول على معلومات حول المنشآت العسكرية في غرينلاند.

وفي عام 2025، طلبت الصحيفة من وزارة الدفاع الاطلاع على المراسلات مع الأميركيين بشأن "موانئ الجزيرة ومطاراتها ومرافق الاتصالات ومنشآت الرادار".

وحاولت الولايات المتحدة، متجاوزة القنوات الرسمية، جمع معلومات حول المنشآت العسكرية والموانئ والقواعد الجوية في الجزيرة. وذكرت الصحيفة أن هذه المعلومات كان من الممكن أن تكون حاسمة في التخطيط لغزو أميركي محتمل للجزيرة، مما أثار مخاوف في الدنمارك.

وصرح دبلوماسي أوروبي بأن ترمب يتصرف "كزعيم عصابة" وقال "هناك أدوات رد فعل واضحة جاهزة إذا استمر هذا الوضع. الرسالة هي الترغيب والترهيب".

وتشير صحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن الحرب التجارية التي جرى تأجيلها موقتاً، ستؤدي إلى تفاقم التوترات عبر الأطلسي بصورة كبيرة. وحتى الآن، تجنب الاتحاد الأوروبي المواجهة مع الولايات المتحدة، نظراً إلى اعتماد أوروبا الكبير على الدعم الأميركي داخل حلف "الناتو" والمساعدات المقدمة لأوكرانيا.

وتؤكد صحيفة "الغارديان" أنه إذا وافق الاتحاد الأوروبي على بيع الجزيرة للولايات المتحدة، فسيرسل ذلك "إشارة كارثية في شأن دور الاتحاد كلاعب جيوسياسي والتزامه تجاه أوكرانيا".

قانون القوة

في الخامس من يناير الجاري، أوضح نائب رئيس أركان الجيش الأميركي ستيفن ميلر، في مقابلة مع شبكة "سي أن أن"، بصورة واضحة للغاية كيف تنظر الإدارة الحالية إلى طبيعة العلاقات الدولية، قائلاً "نحن نعيش في عالم، عالم حقيقي تحكمه القوة، تحكمه القدرة، تحكمه السلطة. لقد كانت هذه هي القوانين الحديدية للعالم منذ فجر التاريخ".

يعد ستيفن ميلر أكثر انتظاماً في السياسة الداخلية للإدارة، لا سيما في مكافحة الهجرة (ليس فقط الهجرة غير الشرعية بل جميع أنواع الهجرة)، لكنه يبرز بولائه الشديد لدونالد ترمب وتوافقه معه في الآراء. شغل ميلر هذا المنصب خلال ولاية ترمب الأولى، وحتى في الأيام الأخيرة من تلك الولاية، عندما انقلب عديد من حلفائه على الرئيس المنتهية ولايته بعد اقتحام مبنى الكابيتول، ظل إلى جانبه حتى النهاية.

وقد أشار ترمب نفسه إلى نقاط مماثلة مرات عدة، فقد شرح عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من حيث "القوانين الحديدية" و"القوة العالمية"، بينما كان يقول لنفسه "أنا لست في حاجة إلى القانون الدولي". كل هذا قيل في الأيام القليلة الماضية فحسب، ولم يقتصر الأمر على فنزويلا فحسب، بل شمل غرينلاند أيضاً.

"الناتو" على طريق ديلوس

الدنمارك عضو في حلف شمال الأطلسي "الناتو" وحليف وثيق للولايات المتحدة منذ تأسيس الحلف عام 1949. لا تضاهي قوتها العسكرية قوة الولايات المتحدة، لكنها حذرت من أنه إذا استولت الولايات المتحدة على غرينلاند بالقوة، فإن حلف شمال الأطلسي سيتلاشى فعلياً.

في كتابه "ردع هرمجدون: سيرة حلف الناتو"، الذي نشر عام 2024، وهو عام بعيد ومنسي الآن، كتب بيتر أبس أن حلف "الناتو" أثبت أنه منظمة طويلة الأمد بصورة استثنائية بين التحالفات العسكرية. فمعظم هذه التحالفات تتفكك بسرعة أكبر، وكان أقرب منافس لحلف "الناتو" هو حلف "ديلوس"، الذي دام 74 عاماً قبل نحو 2500 عام (478-404 قبل الميلاد). ولم يتجاوز حلف "الناتو" هذا الرقم القياسي إلا أخيراً.

لو أمعن المرء النظر، لوجد أوجه تشابه أخرى بينهما. فقد تأسس حلف ديلوس في البداية كتحالف بين مدن يونانية قديمة بقيادة أثينا، بهدف الدفاع الجماعي عن نفسها ضد الإمبراطورية الفارسية القوية، التي عجزت عن مواجهتها منفردة. ولكن مع مرور الوقت، تحول الحلف نفسه فعلياً إلى إمبراطورية استعمارية لأثينا: إذ حول حلف ديلوس خزانة الحلف المشتركة إلى حسابه الخاص، وأصبحت مساهمات الحلفاء المالية بمثابة جزية.

 

وقعت أحلك فصول الحرب عام 416 قبل الميلاد، حين وجهت أثينا إنذاراً نهائياً لجزيرة ميلوس المحايدة للانضمام إلى تحالفها بشروط معينة. حاول الميليون إقناع الأثينيين بأن أثينا نفسها ستستفيد من استقلال جزيرتهم. إلا أن السفراء الأثينيين رفضوا هذه الحجج بازدراء قائلين "الأقوياء يفعلون ما يشاؤون، والضعفاء يتحملون ما يجب عليهم تحمله". رفض الميليون الاستسلام، فدمر الأثينيون مدينتهم، وذبحوا الرجال، وباعوا النساء والأطفال عبيداً.

هكذا وصف المؤرخ القديم ثوسيديديس هذه الأحداث، وكان لروايته، من دون مبالغة، تأثير عميق على الفكر الغربي اللاحق، بدءاً من أفلاطون. وقد لوحظ مبدأ "الأقوياء يفعلون ما يشاؤون" في الواقع عبر التاريخ، بما في ذلك، للأسف، في عصرنا الحالي.

هناك مدرسة فكرية في السياسة الخارجية تطلق على نفسها اسم الواقعية، ولها عديد من النقاد الذين يرون أن فهمها لكيفية عمل العالم بعيد كل البعد من الواقعية. في الولايات المتحدة، يعد البروفيسور جون ميرشايمر، أستاذ جامعة شيكاغو، أبرز ممثليها. وقد صرح علناً، على سبيل المثال، بأن القوى العظمى تنشئ بطبيعتها مناطق نفوذ حولها، وأن الدول الواقعة ضمن هذه المناطق لا تستطيع ادعاء السيادة الكاملة. ولهذا السبب تحديداً، انتقد ميرشايمر، على سبيل المثال، دعم الدول الغربية لأوكرانيا. وأقر ميرشايمر بأن عقيدة ترمب في السياسة الخارجية، لا سيما فكرة هيمنة الولايات المتحدة على نصف الكرة الغربي، تتوافق تماماً مع مفاهيمه النظرية.

للولايات المتحدة مصالح أمنية مهمة في غرينلاند، على رغم أن اتفاقية تعود إلى حقبة الحرب الباردة مع الدنمارك تسمح لها بنشر أي عدد من القوات هناك. لكن التجاهل الصريح للقانون الدولي، الذي لم يكن مثالياً قط، لن يؤدي إلا إلى تفاقم الفوضى العالمية.

آراء الخبراء

النظام القائم على القواعد أصبح من الماضي. يصر ترمب على خصوصية المصالح الأميركية، بما في ذلك ضرورة حماية القطب الشمالي والاستفادة من موارده. مع ذلك يرى عديد من المحللين أن تصرفاته ليست سوى محاولة لتقليد أسلوب الزعيم الروسي، الذي ينطوي أساساً على إعطاء الأولوية للمصالح الوطنية وبناء صيغ جديدة للعلاقات الدولية استناداً إلى هذه المصالح.

يقول عالم السياسة دانيلا غوريف، إن ترمب الذي يواجه مشكلات داخلية، يبحث عن "طرق سهلة" لتحسين صورته، مستلهماً ذلك من نجاحات بوتين في هذا المجال. ويضيف "أنشأ بوتين هياكل دولية جديدة، مثل مجموعة البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، لتنظيم منصات بديلة للحوار، بينما اقترح ترمب إنشاء مجلس سلام. بوتين يطور منطقة القطب الشمالي ويحقق نجاحاً جيوسياسياً هناك، بينما يحتاج ترمب على الفور إلى شراء كاسحات جليد".

ويعتقد ديمتري ماتيوشينكوف، عضو نادي "ديغوريا" للخبراء ونائب مدير مركز تطوير التشريعات، أيضاً أن تصريحات ترمب في شأن غرينلاند هي محاولة "لكتابة نفسه واسمه في صفحات التاريخ"، على غرار الزعيم الروسي. ويقول "إذا كان عودة شبه جزيرة القرم وضم جمهوريتي لوغانسك ودونيتسك إلى روسيا قد سمحا للرئيس الروسي بالظهور في كتب التاريخ كرئيس دولة لم يتمكن فقط من استعادة الأراضي المفقودة بل أيضاً من توسيع أراضي بلاده، فإن ضم غرينلاند يمثل فرصة لترمب لتحويل الولايات المتحدة إلى ثاني أكبر دولة في العالم".

وفي الوقت نفسه يؤكد ماتيوشينكوف أن تصريحات الرئيس الأميركي في شأن الحاجة إلى الأمن ليست سوى غطاء لطموحاته الشخصية ورغبة ترمب في تحقيق مكاسب سياسية. لكن على عكس روسيا، حيث أسهمت خطوات إعادة توحيد الأراضي في توطيد المجتمع، فإن نهج ترمب يثير الاحتجاجات. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن ثمانية في المئة فقط من الأميركيين يؤيدون فكرة ضم غرينلاند بالقوة.

يؤكد أرتيوم زورين، عالم السياسة الدولي، البعد القطبي للسياسات الدولية. ففي القطب الشمالي، يتحدد النفوذ بالوجود المادي: الأسطول، والموانئ، والمحطات، كل ما طورته روسيا على مدى عقود تحت قيادة بوتين، استندت فيه إلى الإرث السوفياتي.

وقول زورين، "إن رغبة الولايات المتحدة في تعزيز سيطرتها على غرينلاند هي محاولة لسد الفجوة من خلال ترسيخ وجودها هناك. يجب النظر إلى الوضع المحيط بالجزيرة من هذا المنظور: يسعى ترمب إلى الاقتداء ببوتين من خلال زيادة النفوذ الجيوسياسي لبلاده في منطقة استراتيجية. ولهذا السبب تحديداً، أبرمت الولايات المتحدة، بقيادة ترمب، أخيراً صفقة ضخمة مع فنلندا لتوريد وبناء كاسحات جليد بصورة مشتركة". ويتابع "يمكن القول إن تفكك التضامن الأوروبي الأطلسي الذي يتكشف أمام أعيننا، في أقل تقدير، لا يضر بمصالح موسكو بل يعززها".

ويقترح عالم الاجتماع إيليا أوخوف النظر إلى الوضع في سياق أوسع، إن تصرفات ترمب النشطة تجاه غرينلاند تكشف عن انهيار النظام الدولي للتحالفات، حيث يجري إعطاء الأولوية للمصالح الوطنية. وفي رأيه، لا يعد ترمب فريداً في هذا الصدد، فهو يسير على خطى مفهوم فلاديمير بوتين المتمثل في إعطاء الأولوية للمصالح السيادية على العقائد المفروضة خارجياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويؤكد أوخوف قائلاً "انظروا فقط إلى الهستيريا التي اجتاحت الاتحاد الأوروبي بسبب الإنذار الأميركي في شأن غرينلاند، هناك كثير من الصخب حول "الوحدة عبر الأطلسي" والكثير من الحديث عن أزمة وشيكة في العلاقات الأميركية- الأوروبية. لكن في نهاية المطاف، لا يستطيع الاتحاد الأوروبي فعل أي شيء، فالوضع الحقيقي تحدده القوة العسكرية والاقتصادية الفعلية".

في الواقع، تراهن الولايات المتحدة مجدداً، في ظل الإدارة الحالية، على مبدأ "القوة هي الحق". فبينما أعلن قادة أوروبيون مثل أورسولا فون دير لايين "تضامناً كاملاً" مع الدنمارك في يناير 2026، ووصلت القوات الفرنسية بالفعل إلى غرينلاند، فإن هذا ليس مظهراً للقوة الحقيقية التي يحترمها ترمب، بل مجرد محاولة لتقليدها.

يربط غارنيك تومانيان، أمين نادي "ديغوريا" للخبراء، مزاعم ترمب بفقدان الاتحاد الأوروبي لسيادته. ويشير إلى أنه حتى على مستوى الإجراءات الرمزية، فشل الأوروبيون في إظهار وحدتهم وجدية نياتهم. وأشار إلى أن "دول الناتو تمكنت من إرسال ما يزيد قليلاً على 30 شخصاً لمساعدة غرينلاند، أي فصيلة واحدة من الجنود لمواجهة أحد أقوى جيوش العالم. وهذا الوضع يتحدى كل منطق".

ولفت عالم السياسة الانتباه إلى أن الولايات المتحدة حاولت تطبيق نفس الآليات مع روسيا، لكن بوتين تمكن على الفور من توجيه تنمية البلاد في الاتجاه الصحيح. ويقول" منذ خطاب الرئيس بوتين الشهير في ميونيخ، تعززت سيادتنا في جميع المجالات، بخاصة في مجال الأمن. إن السيناريو الذي يتكشف حالياً مع غرينلاند من المستحيل تنفيذه مع روسيا، حيث يدرك الجميع أن الرد لن يتأخر".

بصورة عامة، يتفق المحللون على أن نهج ترمب يشبه مزيجاً من تقليد الأساليب التي تربى عليها الزعيم الروسي أثناء خدمته في جهاز "كي جي بي" الاستخباراتي، وأسلوب أميركي مميز، حازم وطموح.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات