Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الانفصال النفسي: آلية دفاع صامتة نمارسها من دون أن ننتبه

طريقة هرب لا إرادية من الواقع يحمي بها الدماغ نفسه من الضغوط النفسية أو العاطفية الطاغية

 كثر يستخفون بمدى شيوع الصدمات النفسية بين أوساط اليافعين (غيتي/ آي ستوك)

ملخص

الانفصال النفسي لدى المراهقين آلية دفاع صامتة يلجأ إليها الدماغ عند التعرّض للصدمة أو ضغط لا يُحتمل، فتبدو على شكل انسحاب ذهني يربك الأهل ويُساء فهمه غالباً. ومع أنه يخفف التوتر مؤقتاً، فإن الإفراط فيه يعطل التعلم والعلاقات، ويُظهر البحث أن الحضور الهادئ والدعم البسيط أهم ما يساعد المراهق على تجاوزه.

تنادي ابنك المراهق باسمه ولكنه لا يجيب، تحدق في وجهه فتشعر كأنه غائب تماماً عن المكان، وترفع صوتك متوجهاً له مرة أخرى ولكنه يبقى على حاله، "يا له من تصرف مستفز"، تقول في نفسك.

ولكن ماذا لو كان ببساطة شارد الذهن؟

بالنسبة إلى بعض المراهقين يمثل هذا الشرود الذهني أحياناً علامة على حال نفسية تعرف باسم "الانفصال النفسي" dissociation، علماً أنها حال ذهنية موقتة ينفصل فيها المرء عن أفكاره أو مشاعره أو جسده أو حتى محيطه، إنها في الواقع طريقة يلجأ إليها الدماغ بغية حماية نفسه من ضغوط نفسية أو مشاعر عصية على الاحتمال.

يرتبط الانفصال النفسي غالباً بصدمة ما، أي بتجارب موجعة جداً أو مهددة للحياة تترك أثراً عميقاً في النفس، ولما كان الانفصال النفسي حالاً صامتة وغير مرئية ولا ملموسة، فإنه غالباً ما يحدث دونما أن ينتبه إليه أحد، فالمراهق الذي ينطوي على نفسه، أو ذاك الذي يبدو شارد الذهن وغائباً عن الواقع، لا يلفت الانتباه خلافاً للمراهق القلق أو المتمرد، أما سوء فهم هذه الاستجابة أو تفسيرها بصورة خاطئة فقد يؤدي إلى إدخال العلاقة مع المراهق في دوامة من الإحباط والتوتر.

في دراستين حديثتين أجرينا مقابلات مع مراهقين يعانون الانفصال النفسي، وكذلك مع أهلهم ومعالجين متخصصين في الصحة النفسية، وكان هدفنا أن نفهم بصورة أعمق كيف تكون التجربة الشعورية عندما يحدث الانفصال النفسي، واستكشاف السبل التي تسهم في التعامل معه أو التخفيف من وطأته.

ما الانفصال النفسي؟

"الانفصال النفسي" Dissociation أشبه بمفتاح أمان ذهني يشغله الدماغ حين تبلغ المشاعر أو الذكريات حداً يفوق قدرة المرء على الاحتمال، وفي هذه اللحظة ينسج الدماغ نوعاً من المسافة الداخلية، كما لو أن الشخص ينسحب من المكان، ولكن ذهنياً وحسب.

من الشائع أن يمر الإنسان بأشكال خفيفة من الانفصال، من قبيل شرود الذهن خلال اجتماع ممل، ولكن بالنسبة إلى المراهقين الذين اختبروا صدمة نفسية فيمكن أن تتخذ هذه الحال طابعاً أشد وطأة، وأن تكون أكثر إرباكاً وتعطيلاً لمجرى حياتهم اليومية، ولكن للأسف يستهين كثر بمدى شيوع الصدمات النفسية بين صفوف اليافعين.

على مستوى العالم مر نحو ثلاثة من كل أربعة مراهقين بتجربة صادمة واحدة في أقل تقدير، سواء تمثلت في العنف أو التعرض لحادث خطر أو فقدان شخص مقرب، أما في الدول الغربية تحديداً فيقترب المعدل من مراهق واحد من كل مراهقين اثنين، وتزداد المشكلة تفاقماً مع بث محتوى مؤذ مباشرة إلى أجهزة المراهقين: مقاطع مسجلة مليئة بأفعال وكلمات عنيفة، وتنمر إلكتروني Cyberbullying أو إساءات قائمة على الكراهية عبر الإنترنت، وذلك كله قادر على إثارة شعور بالغ الإرباك والضغط النفسي.

وهكذا حين تصبح المشاعر أكبر من طاقة المراهق على الاحتمال يوفر الانفصال النفسي وسيلة فورية لتخفيف التوتر، بيد أن الإفراط في اللجوء إلى الانفصال كآلية للتأقلم من شأنه أن يعوق القدرة على التعلم واكتساب المعارف الأكاديمية والمهارات، ويؤثر سلباً في العلاقات، إضافة إلى أنه يعقد تفاصيل الحياة اليومية، وتشير استطلاعات الرأي إلى أن هذا الشكل السريري من الانفصال النفسي يصيب حوالى سبعة و11 في المئة من طلاب المرحلة الثانوية، أي أنه شائع بدرجة شيوع اضطرابات القلق تقريباً نفسها، ومع ذلك لا يزال الانفصال النفسي لدى اليافعين غير مفهوم بما يكفي، حتى من بعض المتخصصين في مجال الصحة النفسية.

ما الذي أردنا اكتشافه؟

في محاولة لفهم أعمق للانفصال النفسي تحدث فريقنا البحثي إلى مراهقين يكابدون هذه الحال، واستمعنا لهم بينما يصفون شعورهم أثناء التجربة ويعددون العوامل التي تحفزها والخطوات التي تساعدهم في التكيف والتعامل معها بصورة أفضل.

سبعة مراهقين شاركوا تجاربهم معنا، سبق أن مروا بصدمات نفسية كبيرة ويتلقون الرعاية النفسية في خدمة للصحة النفسية بولاية أستراليا الغربية، ونظراً إلى أن الانفصال النفسي يؤثر سلباً في الذاكرة والوعي فقد أجرينا أيضاً مقابلات مع أحد والدي كل مراهق، إضافة إلى الاختصاصي الرئيس الذي يتولى الإشراف على علاجه، وعلى رغم أن دراستنا شملت عدداً محدوداً من المراهقين فإن تأملاتهم منحتنا رؤية عميقة وقوية حول تجربة الانفصال النفسي كما يعيشها المراهقون.

بماذا أخبرنا المراهقون؟

وصف المراهقون الانفصال النفسي بأنه شعور بالانفصال عن الجسد، أو كأن الواقع قد أصبح ضبابياً وغير واضح المعالم.

قالت ليزا* (17 سنة) "كنت أنظر في المرآة ولا أشعر أني أمام انعكاسي […] كنت أعلم أني أرى نفسي ولكنني لم أكن أشعر بذلك"، وأضافت فيريتي* (14 سنة) "أجدني شاردة تماماً ولا أنتبه لكل ما يحدث من حولي […] يناديني الناس أو يلوحون بأيديهم أمام وجهي وأنا ببساطة لا ألحظ شيئاً".

أما الأهل فأخبرونا أن أبناءهم المراهقين يفقدون أحياناً القدرة على الاستجابة تماماً أو حتى على الحركة أو الكلام، أو يمرون بنوبات عاطفية شديدة لا يتذكرونها لاحقاً، وكان حدوث الانفصال النفسي أكثر احتمالاً حين يختبر المراهقون مشاعر قوية تثيرها ذكريات خلفتها صدمات كابدوها سابقاً، أو صراعات أو رفض اجتماعي من الأقران.

ما الخطوات التي ساعدتهم؟

كثير من المراهقين ذكروا أن أكثر ما كان يساعدهم هو مجرد شعورهم بأن شخصاً موثوقاً به موجود بالقرب منهم، ذلك أنهم لا يرغبون في تلقي نصائح أو الإجابة عن أسئلة، بل جلّ ما يحتاجون إليه طمأنة هادئة بأن شخصاً ما موجود إلى جانبهم مهما حدث.

قالت ليزا "أحب أن يبقى شخص برفقتي دوماً لأنني أعجز عن مواجهة الانفصال النفسي أو التعامل مع مشاعره الشديدة بمفردي […] يساعدني كثيراً أن يبقى أحد ما إلى جانبي حتى تنقضي النوبة"، وفي أحيان أخرى احتاج هؤلاء إلى دعم مباشر وعملي عبر إستراتيجيات محددة تساعدهم في تجاوز لحظات الانفصال النفسي والتعامل معها بصورة أفضل.

أشارت آيمي* (16 سنة) إلى الفائدة التي تقدمها تقنيات التهدئة Calming Techniques قائلة "يكتسي وجود شخص يوجهني خطوة بخطوة أهمية كبيرة، فلا أستطيع تنفيذ الأمور بمفردي حين أكون في تلك الحال [أي أثناء الانفصال النفسي]"، فيما أشار آخرون إلى أن الانسحاب إلى أماكن هادئة يساعدهم في استعادة وعيهم بالواقع والعودة للحاضر، ولكن عندما تخونهم القدرة على طلب الدعم يلجأ بعض المراهقين إلى طرق أقل فاعلية، مثل الهرب إلى عالمهم الداخلي حيث يغوصون لساعات في خيالهم بعيداً من الواقع، في محاولة للهرب من المشاعر القوية أو الضغوط التي يواجهونها، وتشير نتائج بحثنا إلى أن تقليل احتمال لجوء المراهقين إلى طرائق غير مفيدة أثناء الانفصال النفسي يرتبط بأمر بسيط إنما جوهري: أن يشعر المراهق بوجودك إلى جانبه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كيف يمكن للأب والأم المساعدة؟

سلوكيات مثل التنمر أو الرفض الاجتماعي أو الإخفاقات تترك وقع الكارثة في عقل لا يزال في طور النمو، ومن الوارد أيضاً أن يمر المراهقون بصدمات لا يعلم بها البالغون إطلاقاً، وبناء عليه فإذا بدا المراهق بعيداً مما يجري حوله أو غير متجاوب ولا يظهر أي رد فعل، فحافظ على فضولك وتفهمك بدلاً من أن يسيطر عليك الإحباط، وتساءل ما الذي يحدث خلف هذا الوجه؟ ما المشاعر والأفكار التي يشعر بها ولا يستطيع التعبير عنها؟

عندما يمر المراهق بحال انفصال احرص على البقاء قربه وحافظ على هدوئك وقدم له المساعدة عبر حمله على الدخول في أنشطة بسيطة، مثل الخروج في نزهة قصيرة أو التنفس ببطء أو القيام بفعل يثير الحواس مثل حمل مشروب دافئ بين يديه، وإذا تكررت حالات الانفصال أو كانت شديدة فمن الأفضل التواصل مع اختصاصي صحة نفسية أو طبيب عام للحصول على الدعم والإرشاد.

لماذا يستحق الانفصال النفسي الانتباه؟

من المهم أن نعرف أن الانفصال النفسي ليس سلوكاً سيئاً بل استجابة تأقلمية مع الصدمة والضغط النفسي، وقد يشير إلى أن المراهق مثقل بالضغوط ومغلوب على أمره، وعندما يدرك البالغون ذلك فيمكنهم التعامل معه بتعاطف وتفهم بدل الانفعال أو الشعور بالغضب والإحباط.

ويحدونا أمل في تطبيق مقاربات تراعي أثر الصدمات في المنازل والمدارس، بما يشمل تعزيز شعور المراهقين بالأمان والثقة، ودعم تعاونهم ومشاركتهم الفاعلة، أضف إلى ذلك أن منح المراهق فرصة الاختيار (مثل أخذ استراحة قصيرة من الدرس أو تحديد مكانه في الصف) يعزز لديه شعور السيطرة في بيئته، ولا ننسى أن المساحات الهادئة الملائمة للحواس تساعد الأطفال في الشعور بالأمان والاستعداد للتعلم.

وعموماً فالانتباه إلى علامات الانفصال النفسي والاستجابة لها بصبر وتعاطف يمكن أن يدعم المراهق ويقوي علاقتك به في الوقت نفسه.

 

استخدمنا أسماء وهمية حفاظاً على الخصوصية.

 

 برونوين ميلكنز باحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراه متخصصة في صدمات اليافعين وحالات الانفصال النفسي Dissociation  في "معهد أبحاث الأطفال" في أستراليا.

هيلين ميلروي بروفيسورة ومديرة "مركز الصحة الطبية وطب الأسنان للسكان الأصليين" Aboriginal Medical and Dental Health (CAMDH) في "جامعة أستراليا الغربية".

نعيد نشر هذه المقالة هنا من موقع "ذا كونفرزيشن" The Conversation بموجب ترخيص المشاع الإبداعي.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات