ملخص
منذ الصفحات الأولى لرواية "الطواف حول النخلة" للكاتب الكويتي خالد النصر الله، الصادرة حديثاً عن دار الساقي، تتبدى إشكالية مركزية قوامها التوتر بين المرجع الواقعي والقناع الروائي.
يتناول النص سيرة شخصية أدبية كويتية بارزة، غير أنه يصر على تقديمها عبر اسم متخيل هو "طرفة"، ويمنح معظم الشخصيات الأخرى - بمن فيهم والد "طرفة" - أسماء روائية بديلة. ويبلغ هذا الالتباس ذروته في شخصية "الراوي" نفسه، إذ يظهر أحياناً بلا اسم، معاصراً للبطل خلال فترة زمنية محددة تمتد من عام 2009 إلى ما بعده، ويظهر في مواضع أخرى شاهداً على وقائع النشأة في القرية العراقية، حاملاً اسم "إسماعيل".
وعلى رغم هذا الإصرار على التمويه السردي، فإن الوقائع المعاصرة وشهادات من عايشوها، تحيلنا على سيرة الكاتب الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، أو هذا ما هيئ لي في الأقل! بما يضع القارئ أمام نص يتأرجح بين السيرة والرواية، ويطرح أسئلة إشكالية حول حدود التخييل وشرعية القناع الفني.
تقدم هذه الرواية نموذجاً بارزاً لما يعرف بالسيرة الذاتية المموهة أو السيرة الروائية، إذ يجمع الكاتب بين تجربته الشخصية وحرية الخيال الفني. ففي النص، يمنح المؤلف لبطل العمل نفسه اسماً روائياً، "طرفة"، بينما نستشف من الأحداث والشخصيات والبيئة كثيراً من معالم حياته الواقعية والمعاصرة.
واقع أم خيال؟
هذه، إذاً، هي "نسخة" خالد النصر الله الخاصة عن بطل العمل، نسخة يتقصد صاحبها منذ البدء تحرير نفسه من أي التزام بتقديم صورة واقعية أو سيرة مطابقة لصاحبها. حين يؤكد أن "هذه رواية مغزولة بالافتراضات والاعترافات والوقائع والتاريخ، وبعض من الأقاويل ومقتطفات الصحف والأحلام، فإن أحداثها تحتمل الخيالات أكثر من الحقائق".
يأخذ بناء العمل مسارين، الأول معاصر ومؤرخ بصورة دقيقة بالأعوام، ويوضح البذرة التي انبنت عليها فكرة العمل ممثلة في موقف يحكيه الراوي يتضمن لقاء جمعه بالكاتب الراحل عُرف منه أنه حاول كتابة سيرته أكثر من مرة، وتوقف، لكنه خلال لحظة كرم وافق على عرض الراوي أن يكتب هو هذه السيرة، ومنحه المخطوط الذي تضمن محاولاته لكتابة سيرته الذاتية. والمسار الثاني يعود لزمن بعيد، ليس مؤرخاً على أي نحو، يبدأ في إحدى قرى البصرة وهي قرية السيبة، حيث نتابع مراحل الطفولة والصبا لبطل الرواية. والراوي المفترض هنا هو صديق طفولة لطرفة عاصر تلك الفترة من حياته أو كان شاهداً عليها.
سنرى "طرفة" صبياً يافعاً في كنف "طليبة"، الفتاة التي تكبره بنحو 10 سنوات، والتي تتولى في الغالب رعايته وحمايته بطلب من الأم، المسماة "صابرين". ينشأ الطفل في قرية السيبة التي تطل على نهر متفرع من شط العرب والقريبة من السبيليات، القرية التي ينتمي إليها إسماعيل فهد إسماعيل نفسه والتي عاد إليها روائياً في عمله الصادر عام 2015 بعنوان "السبيليات: ما لم يرد ذكره من سيرة حياة أم قاسم".
ومن خلال هذا الفضاء المكاني نتتبع مراحل من حياة "طرفة" بوصفه طفلاً عنيداً محباً للمغامرة، قبل أن يتشكل شغفه بالقراءة، فيغدو القارئ الذي يتولى القراءة لأبيه بعد إصابته بالمياه الزرقاء وفقدانه القدرة على الإبصار. وهو القارئ ذاته الذي يكتشف في إهداء الكتب للفتاة التي يحبها وسيلة للتودد وبناء علاقة وجدانية عبر المعرفة.
ثم نلتقي به شاباً يبحث سراً عن وسيلة للعمل من دون علم أبيه لينفق على نفسه، فمراهقاً يقع في حب أخت أحد أصدقاء الطفولة، ففتى في مطلع الشباب مشدوداً إلى السياسة، منخرطاً في الحلم بالثورة على النظام الملكي، ومشاركاً في التظاهرات ببغداد التي انتقل إليها أحياناً في الخفاء ثم لاحقاً بعلم الأب، وبإصرار يحمل قدراً من التحدي وربما التمرد، الذي سيغدو سمة فارقة في شخصيته.
وهكذا ينفتح أمامه عالم العاصمة بما يحمله من ثقافة وسياسة وسينما، الأخيرة التي سيقع في غرامها حد الإدمان، فيداوم على ارتياد دور العرض ويعيد مشاهدة الأفلام مراراً وتكراراً، بوصفها نافذة أخرى على العالم، ومصدراً خفياً لتشكل وعيه الجمالي والسردي.
علاقة تمرد متوترة
وفي هذه المساحة السردية، يتعرف القارئ إلى طبيعة العلاقة المتوترة بين الفتى وأبيه، علاقة تقوم على صراع مكتوم بين رغبة الابن في الانفلات من عالم القرية المحدود، وسلطة التقاليد العائلية والاجتماعية من جهة أخرى. يرفض الفتى الخضوع لإرادة الأب حين يجبر على الزواج من ابنة عمه، فيقدم على فعل صادم: يهرب إلى بغداد ليلة الزفاف ولا يعود إلا بعد أن يعلم أن الأب أتم تطليقها. فخيار القبول، بالنسبة إليه، لا يكون إلا لما يريده هو ويختاره بنفسه.
ويمتد هذا الإصرار على الاختيار الحر إلى مجالات أخرى من حياته، سواء في انخراطه في العمل السياسي أو في مساره الثقافي، إذ يجد مع صديقه الراوي "إسماعيل" داخل الكوخ الذي اختاراه بنفسيهما فضاءً بديلاً للقراءة والنقاش بين مجموعة من المثقفين، قبل أن يتحول لاحقاً إلى مقر لإصدار مجلة ونشرها. وفي هذا المناخ، تبدأ بوادر اهتمامه الجاد بالكتابة، ويتشكل انحيازه المبكر إلى نصوص غير تقليدية مشحونة بالدلالات ومائلة إلى الغموض، بوصفه خياراً جمالياً وتمرداً آخر على السائد.
ويضئ السرد مرحلة أخرى تتعلق بارتباط "طرفة" روحياً بالقاهرة بفضل المرحلة الناصرية وما كانت تبثه قومياً في نفوس كثير من الشباب العرب، ويتوقف النص أمام حالة من المرارة الشديدة والرغبة في العزوف عن كل شيء تأثراً وحزناً على وفاة عبدالناصر.
ولذلك لعله سيخطط لرحلة زيارته القاهرة بعد زواجه ممن يحب، وتعرفه على بعض رموز الثقافة المصرية من الشعراء وبينهم شخص يعرف في النص باسم "الخال الهلالي"، وهي إحالة واضحة على شخص الأبنودي أو هذا ما يمكن تخمينه، الذي كان قريباً من إسماعيل فهد بالفعل منذ تلك الفترة.
قص الأثر
ثمة جهد واضح في تقصي المعلومات والتواريخ، الأحداث السياسية، في العراق الملكية ثم مرحلة عبدالكريم قاسم. إضافة للأثر الكبير الذي تسببت فيه وفاة عبدالناصر على "طرفة"، والأحداث التي تخص سيرته العملية: متى عمل مدرساً في البصرة، وكيف انتقل إلى الكويت بلد والده الأصلي، وأهم محطات حياته كاتباً وإنساناً، ومراحل من حياته في بيروت والقاهرة، ثم مقاوماً أثناء فترة الغزو، إضافة لجانب العودة للذاكرة في المواقف المعاصرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
فثمة مسار معاصر يتبناه الراوي الشاب الذي يسرد تاريخ علاقته بـ"طرفة" ككاتب شاب هاوٍ، يجد التشجيع ويحاول أيضاً أن يكتب، ويواجه بعض الصعاب في مشوار اختياره لشريكة حياته، ويكون "طرفة" أحد الشهود وربما الداعمين، فكأنها سيرة موازية تلقي الضوء على الراوي من جهة، ولكنها خلال الوقت نفسه، وربما أساساً تبتغي إضاءة جوانب من سيرة "طرفة" خلال سنوات حياته الأخيرة كراعٍ لنشاط ثقافي يلتف حوله مجموعة من الكتاب الكويتيين والعرب، وكاشفة لمدى حيويته ونشاطه المستمر ككاتب متفرغ من جهة وكناشط يحتضن مواهب الشباب، وداعم للحراك الثقافي العربي في الكويت.
هذا الخط الموازي يكشف تلمس الراوي طريقه للأدب وخبراته في هذا المجال، ويلقي الضوء على جانب من سيرة حياته هو، والمصاعب التي تعرض لها في قرارات مصيرية مثل الزواج بعد قصة حب، والدور الذي لعبه "طرفة" معه كأب روحي.
محفوظ كلمة السر
وإذا كانت الشخصيات الروائية تحمل أسماء غير حقيقية فقد احتفظ الراوي بأسماء الرموز السياسية، مثل الملك فيصل وعبدالكريم قاسم وعبدالناصر، وبعض الرموز الأدبية مثل نجيب محفوظ. وهو تقريباً الرمز الوحيد المسمى باسمه، فهناك شخصيات يمكن التكهن بها من الأحداث كما أسلفت، وبينها شخصية الفلسطيني فارع حسين الذي تماثل سيرته في النص ما نعرفه عن ناجي العلي.
يتسم وصف القرية والبيت والفضاء الذي يتحرك فيه "طرفة" وغالب مظاهر الحياة في الطفولة بلون من الدقة التي تمنح القارئ لوناً من المعايشة، ولكنه لا يمتد كثيراً لأماكن أخرى يتردد عليها البطل. وكذلك يسلط السرد الضوء على طبيعة التوتر الذي وسم علاقة الأب الذي يتردد بين السلوك الذي يجب أن يسلكه للسيطرة على الابن المتمرد، وعاطفة الأبوة التي تكشف أحياناً عن مسار أقل حدة، وعلى رد فعل البطل الذي يبدو مندفعاً لإرادته ورغباته وبعناد في مواقف عديدة. ونرى ذلك في مواقف عديدة بما فيها قرارات الزواج أو رفضه، وأثرها اللاحق في حياته.
وهكذا يمكن وصف الطواف حول النخلة بأنه نص تجريبي يستعيد سيرة كاتب عربي له أثر بارز في المشهد الأدبي الكويتي والعربي، ويكشف وجوهه المتعددة ككاتب ومهتم بالشأن العام وصاحب تجربة في المقاومة للدفاع عن احتلال وطنه الكويت إبان فترة الغزو العراقي للكويت، وكإنسان مغامر ومحب للحياة.