ملخص
في عالم قائم على المقارنات وتحريك المشاعر المنخفضة، على رأسها التأنيب، يبدو الناس كأنهم يجلدون أنفسهم إذ يتوقون لمتابعة حسابات تتبنى منهجاً أو نمط حياة هم بعيدون منه تماماً، حتى إنه خارج نطاق إرادتهم، المسلوبة أصلاً.
إننا في عصر المؤثرين الافتراضيين والكل يرغب في الحصول على هذا اللقب السحري، مفتاح باب الرزق الأكثر إتاحة على منصات التواصل، وبمجرد حصولك عليه تصبح صاحب قرار بما الذي ستروج له وكيف ومتى، مع تكثيف واضح لنمط حياة تتخلله منتجات معينة وعادات حياتية تبدو أحياناً مبالغاً بها لوازم الظهور الإعلامي الجديد، الذي يتطلب، بخاصة على "إنستغرام" مقومات معينة لتكون من رواد هذا العالم الافتراضي.
بين الافتراضي والواقعي
وفي عالم قائم على المقارنات وتحريك المشاعر المنخفضة، على رأسها التأنيب، يبدو الناس كأنهم يجلدون أنفسهم إذ يتوقون لمتابعة حسابات تتبنى منهجاً أو نمط حياة هم بعيدون منه تماماً، حتى إنه خارج نطاق إرادتهم، المسلوبة أصلاً.
تقول ميس وهي تدير صفحة تقدم تقييماً للمأكولات "بمجرد حصولي على عدد جيد من المتابعين، الذين دعمتهم بمجموعة مشتراة، بدأت تأتيني عروض إعلانات من محال طعام، وطبعاً يتخلل هذه العروض أحياناً مأكولات صحية، فأبدأ في سبيل ذلك بنصح الناس باتباع هذا النهج، مؤكدة أنني أنا شخصياً قررت البدء به، متناسية أن عليَّ أن أقدم أطعمة أخرى خارج هذا النهج الصحي"، وتضيف "إن صورة الإنسان الملتزم صاحب الإرادة الصلبة تبدو أكثر جاذبية لدى الجمهور، لذلك من الطبيعي أن يُظهر المشاهير أنفسهم كمتبنين هذا النهج، بغض النظر عن مدى التزامهم الحقيقي به، إضافة إلى الانطباع الجيد والصورة الذهنية المميزة التي يتركها هذا النهج".
توجيه الانتباه
وفي هذا السياق، يوجه انتباه المتابعين إلى نمط حياة أو منتجات أو أماكن معينة من خلال الصور، إذ يكفي مثلاً نشر صورتك مع وضع منتج ما على طاولة قريبة أو أن يغطي خلفية الصورة مشهد لافت، لكي تدغدغ فضول المتابعين ويبدأ سيل من الأسئلة.
وهذه أصبحت واحدة من طرق التسويق غير المباشرة، تهدف إلى دفع الجمهور إلى الاهتمام أولاً ثم تزويده بالمعلومات، في ظل تغييب واضح للعقل، وتكثيف للانجرار وراء الإعلانات التي تكاد لا تتوقف من هنا وهناك وعلى مدى الساعة.
تقول فاطمة، وهي طالبة حقوق في عامها الأخير "غالباً ما أشتري أشياء لست بحاجة إليها أصلاً، لأن لدي قناعة أن ديما (وهنا تذكر اسم إحدى المؤثرات المحليات) لا يمكن أن تستخدم شيئاً غير مفيد أو جيد".
وتتابع بشغف "إنها مميزة جداً وأرى فيها صورة للمرأة العصرية الناجحة والجميلة والمقبلة على الحياة، وأشعر حين أقتني مما لديها، كما لو أنني أقترب من أن أصبح مثلها".
الفلاتر والتشويه
ويرافق إظهار العناصر المروج لها ظهور لامع للمؤثر ذاته، وهذا أمر يتطلب العمل على تحسين الصورة الشخصية لضمان كسب القلوب والاحترام، في عالم بات غالبيته العظمى يبني احترامه بناءً على درجة التجميل والاهتمام بالمظهر الخارجي، ومن هنا بات لزاماً عليه الاعتماد، من بعد تجميل الأطباء، على تجميل فلاتر تشترك بغالبيتها وإن تغيرت أسماؤها بميزة التشويه للملامح البشرية الطبيعية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبات يبدو جلياً، في خضم ظاهرة التصوير، عدم التنبه إلى الصورة الناتجة من تطبيق الفلاتر، إذ في سبيل الظهور بصورة لائقة أصبح الوجه يبدو مشوهاً مع تقصد دمج خيارات تعمل على تقليل حجم الذقن بشكل مبالغ به وتوسيع العيون وتصغير الأنف وإضافة الرموش، مصاحباً لنمش على الوجه أو طبعات حمراء على الخدود أو وردة على الرأس وغيرها.
ويبدو وكأن المؤثرين متغافلون عن هذا المظهر الغريب، أو غافلون ومنغمسون في عالم خاص اعتادوا فيه على هذه الملامح الغريبة عن الطبيعة البشرية، كما أصبح جمهورهم مع الوقت معتاداً على هذه الإطلالات، بل بعضهم يغدق عليهم عبارات الإعجاب والثناء على الإطلالة المميزة!
وكان التعجب السابق فحوى سؤال وجهناه إلى صاحبة أحد الحسابات الذي يحظى بمتابعة جيدة على السوشيال ميديا، لتجيب "بالعكس أجد في الفلاتر طريقة رائعة للظهور السريع المدعوم بالمكياج وعمليات النحت المذهلة، بغض النظر عن الحال التي أكون عليها حقيقة".
وتتابع "هذه متطلبات العالم السريع والعالم الافتراضي الذي يدعونا إلى الحضور دوماً، إذ لا أستطيع أن أظل دائماً على أهبة الاستعداد".
ولكن الحقيقة أن للفلاتر تأثيرات عكسية عميقة في الصورة الذهنية المرتبطة بالشخص، وإن لم تبدُ جلية اليوم إلا أن آثارها ستظهر تدريجاً على أرض الواقع، فصورة الفلتر ليست أنت، وهذا ما سيصيب متابعيك بصدمة عندما يكتشفون هذه الحقيقة.
المكافأة الكبرى للصور
والحقيقة أن التعليمات التي تصل بشكل دائم للمؤثرين تحثهم على ضرورة النشر المجدول وتحدد لهم المواقيت الأنسب للنشر، وتشرح لهم عن أهمية الصورة والفيديو وكيف من الممكن تعزيزهما بالقليل من المال، فخوارزميات المنصات تؤكد ضرورة إرفاق صورة مع كل منشور لتحقيق وصول أسرع وأعلى للجمهور، بخاصة الصور الشخصية، أما تلك المعتمدة أصلاً على الصورة كـ"إنستغرام" فهناك حكاية أخرى.
إذ تعطي منصات التواصل الاجتماعي الأولوية للمحتوى المرئي، ومن ثم تحسن ترتيبه في نتائج البحث وتزيد من سرعة وفرص ظهوره وانتشاره، إضافة إلى قوة تأثير المحتوى البصري في مشاعر الجمهور.
لذا من العادي اليوم أن نرى أحدهم ينشر نصاً لرأي أو معلومة أو قولاً مرفقاً بصورته الشخصية، هذا كان من الممكن أن يصنف في وقت سابق في إطار الاضطرابات النفسية، لكن يبدو أننا وصلنا حد الانغماس والبرمجة اللاواعية لتطبيق قوانين العالم الافتراضي والحفاظ عليها أيضاً.