Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحيل رفعت الأسد "جزار حماة"

عاش في المنفى 36 عاماً واتهم بغسل أموال وجرائم ضد البشرية

 الضابط السابق في الجيش السوري رفعت الأسد (أ ف ب)

ملخص

كشفت شبكة "بي بي سي" عن وثائق تقول إن بريطانيا رفضت دعم رفعت في مسعى خطط له عام 1986 للإطاحة بحكم شقيقه حافظ الأسد. ورفضت لندن آنذاك طلب رفعت الإقامة في المملكة المتحدة، أو التدخل لدى دولة أخرى لمنحه جنسيتها والعيش فيها بصورة دائمة، وفقاً للوثائق.

توفي رفعت الأسد (1937 - 2026) شقيق الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في دولة الإمارات، وفق مصدرين أكدا لـ"رويترز" ذلك، وهو المعروف لدى منتقديه بلقب "جزار حماة" بسبب سحقه انتفاضة داخل المدينة عام 1982، قبل أن يخوض محاولة فاشلة للاستيلاء على السلطة ويغادر إلى المنفى.

تدرج بالمناصب العسكرية وأسس سرايا الدفاع وقادها في مجزرة حماة التي راح ضحيتها نحو 40 ألف قتيل، خرج من سوريا بعد خلاف مع شقيقه وعاد إليها عام 2021 بعد 36 عاماً أمضاها في المنفى.

وبعد سقوط نظام بشار الأسد، قال مسؤولان أمنيان لبنانيان، إن رفعت الأسد عم الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد سافر من بيروت إلى دبي. وذكر المسؤولان، أن عدداً من أفراد عائلة الأسد سافروا إلى دبي من بيروت، بينما بقي آخرون في لبنان منذ إطاحة الأسد خلال الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024. وأضاف المسؤولان أن السلطات اللبنانية لم تتلق طلبات من الشرطة الدولية (الإنتربول) لاعتقالهم، بما في ذلك رفعت.

ملاحقات قضائية

عاد إلى دمشق من المنفى في فرنسا حيث حُكم عليه بالسجن أربعة أعوام بتهمة غسل الأموال والاختلاس، بحسب ما ذكرت صحيفة "الوطن" السورية. وكان غادر البلاد عام 1984 بعد محاولة انقلاب فاشلة ضد شقيقه حافظ، وأعلن معارضته لابن أخيه بشار بعد توليه الرئاسة عام 2000.

ودين رفعت الأسد في فرنسا بتهمة غسل أموال ضمن عصابة منظمة واختلاس أموال عامة سورية، وحُكم عليه خلال سبتمبر (أيلول) 2020 بالسجن أربعة أعوام، فضلاً عن مصادرة أصول له بقيمة 90 مليون يورو.

ونشرت "الوطن" مقالة بعنوان "منعاً لسجنه في فرنسا... الرئيس الأسد يترفع عما فعله وقاله رفعت الأسد ويسمح له بالعودة إلى سوريا". وأوضحت أنه عاد إلى سوريا و"لن يكون له دور سياسي أو اجتماعي".

حقق القضاء الفرنسي عام 2014 في الثروة الضخمة لرفعت الأسد، بناءً على شكوى من جمعيتي الشفافية الدولية وشيربا. وتمت مصادرة الأصول المنقولة والعقارات الفاخرة التي يحوزها، وأظهر التحقيق أن رفعت الأسد وأقاربه نقلوا أصولاً عبر شركات في بنما وليشتنشتاين ثم إلى لوكسمبورغ.

 

 

وخلال الـ12 من مارس (آذار) 2024، أعلن المدعي العام السويسري إحالة رفعت الأسد، عم الرئيس السوري السابق بشار الأسد، إلى المحكمة بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال ثمانينيات القرن الماضي.

وأوضح مكتب المدعي العام، ضمن بيان، أن رفعت الأسد "متهم بإصدار أوامر بقتل وتعذيب ومعاملة قاسية واعتقالات غير مشروعة في سوريا خلال فبراير (شباط) 1982 في إطار النزاع المسلح"، بمدينة حماة في عهد الرئيس حافظ الأسد.

أوامر قتل وتعذيب

اتهمه الادعاء السويسري "في إطار النزاع المسلح والهجوم الواسع الذي شُن ضد سكان مدينة حماة في سوريا خلال فبراير 1982، بأنه أمر بصفته قائد سرايا الدفاع وقائد العمليات في حماة، بعمليات قتل وتعذيب ومعاملة قاسية واعتقالات غير مشروعة".

وقالت النيابة العامة إن "سرايا الدفاع" هي "على الأرجح القوات الرئيسة المسؤولة عن القمع".

وأضافت النيابة العامة أن "في هذا السياق، وقع آلاف المدنيين ضحايا لانتهاكات مختلفة من الإعدام الفوري إلى الاحتجاز والتعذيب، في مراكز أُنشئت خصيصاُ وتحدثت عنها شهادات عدة".

الإطاحة بأخيه

كشفت شبكة "بي بي سي" عن وثائق تقول إن بريطانيا رفضت دعم رفعت في مسعى خطط له عام 1986 للإطاحة بحكم شقيقه حافظ الأسد. ورفضت لندن آنذاك طلب رفعت الإقامة في المملكة المتحدة أو التدخل لدى دولة أخرى لمنحه جنسيتها والعيش فيها بصورة دائمة، وفقاً للوثائق.

وتكشف تلك الوثائق أن محاولات رفعت للتواصل مع بريطانيا في شأن سعيه لإسقاط نظام دمشق بدأ خلال منتصف عام 1986، أي بعد عامين من اختيار رفعت العيش في المنفى بعد فشل محاولته الانقلاب عسكرياً على النظام. أثناء هذا الوقت كانت العلاقات بين لندن ودمشق تمر بمرحلة وصفها البريطانيون بأنها حساسة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتتابع الوثائق الصادرة عن الخارجية البريطانية، أن الحكومة البريطانية تفاجأت خلال يوليو (تموز) 1986، بوصول رفعت إلى أراضيها حاملاً جواز سفر مغربياً، بعدما وضعت الحكومة البريطانية "نظاماً صارماً يصعب إجراءات منح السوريين تأشيرات دخول" إلى بريطانيا.

وأضافت أن رئيس إدارة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا باتريك نيكسون علم بوجود رفعت في لندن، بعدما اتصل به عضو مجلس العموم جوليان إيميري ليتشاور معه، ليُبلغ نيكسون بطلب وزير الخارجية "بأن ينقل إلى رفعت قلق بريطانيا من الطريقة التي جاء بها إلى لندن".

 

 

وأشارت إلى أن رفعت وحين وصوله إلى بريطانيا كان لا يزال، رسمياً، نائباً لرئيس الجمهورية لشؤون الأمن القومي وعضو القيادة القطرية لحزب البعث وقائد سرايا الدفاع. ونقلت الوثائق أن رفعت كان مستبعداً طلب المساعدة من الأميركيين كونه لا يملك الثقة في تفكيرهم، خصوصاً أن الأحداث الأخيرة في شأن مفاوضاتهم مع إيران (في ذلك الوقت) توحي بتأكيد وجهة النظر هذه.

وخلال سنوات المنفى التي قضاها في معظمها في فرنسا، واصل رفعت إضمار طموحات رئاسية، وعاد إلى سوريا عام 2021، قبل أن يغادرها مجدداً عام 2024 عقب الإطاحة بابن شقيقه، الرئيس بشار الأسد.

وعندما توفي حافظ الأسد عام 2000 اعترض رفعت على انتقال السلطة إلى بشار وأعلن نفسه الوريث الشرعي، في تحدٍ قيادي انتهى دون أثر يُذكر.

وتدخل من الخارج مجدداً عام 2011، مع اندلاع الثورة في سوريا، داعياً ابن شقيقه إلى التنحي سريعاً لمنع اندلاع حرب أهلية، لكنه خلال الوقت نفسه أبعد اللوم عن بشار معتبراً أن الثورة على حكمه جاءت نتيجة تراكم أخطاء.

"الرجل الثاني" في حكم "البعث"

وُلد رفعت عام 1937 داخل بلدة القرداحة في محافظة اللاذقية السورية، وهو الشقيق الأصغر للرئيس السوري السابق حافظ الأسد. تلقى تعليمه الأساس داخل قريته ثم درس العلوم السياسية في جامعة دمشق، وحصل على الدكتوراه في الاقتصاد منها عام 1977.

تزوج أربع مرات وكانت أولى زوجاته ابنة عمه أميرة عبدالعزيز الأسد، ثم تزوج لاحقاً لين الخير ورجا بركات وسلمى مخلوف، أخت عايدة فستق إحدى زوجات الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، وله ثمانية أبناء أكبرهم دريد وثماني بنات أكبرهن تماضر.

انضم عام 1952 إلى حزب البعث ثم التحق بالجيش السوري وترقى في الرتب حتى أصبح ضابطاً كبيراً.

 

 

ولعب دوراً بارزاً في صعود حزب البعث داخل سوريا، لا سيما بعد انقلاب عام 1963 على الرئيس ناظم القدسي الذي نفذته "اللجنة العسكرية" وكان حافظ الأسد أحد أعضائها.

ثم شارك في حرب 1967 التي اندلعت بين مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، وكان فيها مسؤولاً عن كتيبة الدبابات في جبهة القنيطرة.

وخلال عام 1971 وبعد عام من تسلم حافظ الأسد رئاسة البلاد عقب صراع داخل حزب البعث، تشكلت "سرايا الدفاع" بقيادة رفعت، وهي قوة عسكرية غير نظامية أوكلت إليها مهمة حماية السلطة الحاكمة. وعُرف رفعت خلال ذلك الوقت بكونه "الرجل الثاني" في حكم "البعث" والذراع اليمنى لشقيقه.

وبتهمة محاولة اغتياله، أعدم 15 شخصاً خلال يونيو (حزيران) 1979 في دمشق.

وأسس رفعت "الرابطة العليا للخريجين"، التي أصبحت كياناً طلابياً عسكرياً موازياً لـ"سرايا الدفاع"، وعين في ما بعد رئيساً لمكتب التعليم العالي حتى عام 1980، وذلك تزامناً مع تعيينه رئيساً للمحكمة الدستورية.

مجزرة حماة

وفي نهاية يناير (كانون الثاني) 1982 وبقيادة رفعت الأسد وقوات قوامها 20 ألف جندي، حاصرت سرايا الدفاع والفرقة الثالثة واللواء 21 واللواء 57 والاستخبارات العسكرية، مساندةً من القوات الخاصة بقيادة علي حيدر، مدينة حماة وأغلقت مداخلها وبدأت مساء الثاني من فبراير 1982 قصف المدينة من كل جوانبها.

 

 

وقطعت الكهرباء والاتصالات عن المدينة، واستمرت عمليات القصف حتى الخامس من فبراير 1982، وبدأت بعدها عملية برية لاقتحام المدينة وفرض حظر التجول، وسط اشتباكات مع مقاتلي تنظيم "الإخوان المسلمين" وعمليات إنزال مظلي قامت بها قوات الجيش، واستمرت المجازر داخل المدينة وإعدام المدنيين وحرق الممتلكات حتى الـ28 من الشهر نفسه، وسُمح بالتجوال خلال الأول من مارس 1982.

وخلفت هذه الحملة العسكرية نحو 40 ألف قتيل، وُثقت أسماء نحو 10 آلاف منهم، و17 ألف مفقود وُثقت أسماء نحو 4 آلاف منهم، إضافة إلى تدمير قرابة 79 مسجداً وثلاث كنائس، وتدمير أحياء كاملة داخل المدينة (وفق تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادر عن المجزرة عام 2022).

وضمن مقابلة أجرتها إحدى القنوات التلفزيونية مع رفعت الأسد نُشرت خلال ديسمبر 2011، نفى مسؤوليته عن مجزرة حماة قائلاً إنها تهمة وكذبة روج لها "النظام السوري" وفق قوله، واتهم الرئيس حافظ الأسد بالمسؤولية عما جرى.

وقال "أنا لا أعرف حماة حتى الآن" (أي حتى عام 2011 حين أجريت المقابلة)، وبرر ما حدث بأنه "تطبيق للقانون الدستوري السوري الذي ينص على أن من ينتمي إلى جماعة ’الإخوان المسلمين‘ في سوريا يعدم".

وأنكر ضمن المقابلة ذاتها وجود سرايا الدفاع وقيادته لها، واعتبر أن الأمر كله "كذبة كبيرة نُشرت ورُوِّج لها"، إلا أنه أقر بقياته للوحدة 569.

انقلاب على أخيه

مع مرور نحو عامين على مجزرة حماة، وتحديداً خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 1983 أصيب حافظ الأسد بأزمة قلبية، وعقدت القيادة القطرية لحزب البعث اجتماعاً حينها، مما دفع رفعت لوضع عدد كبير من سرايا الدفاع في الساحة الداخلية لقيادة الحزب.

وأثناء كلمته في الاجتماع طالب بطرد كل من مدير الاستخبارات العسكرية علي دوبا وقائد القوات السورية في لبنان إبراهيم صافي، وقائد القوات الخاصة علي حيدر ومدير الاستخبارات الجوية محمد خولي، وهدد -في حال الرفض- باحتلال قواته العاصمة دمشق كلها.

استعاد حافظ الأسد صحته خلال فبراير 1984، وكان أول قراراته اعتقال المساعد الأمني لرفعت الأسد العقيد سليم بركات، ثم عين حافظ أخاه نائباً له بعد عزله من سرايا الدفاع وتعيين العقيد محمد غانم بدلاً عنه.

 

 

وفي اجتماع القيادة القطرية الذي عقد خلال مارس 1984 حدد حافظ صلاحيات رفعت بصفته نائباً للرئيس للشؤون الأمنية، إضافة إلى نائبين آخرين هما محمد زهير مشارقة وعبدالحليم خدام، ولكن رفعت أمر بنشر قواته في الأماكن المطلة على العاصمة، وفي المقابل قامت القوات الخاصة بقيادة علي حيدر وقوات الحرس الجمهوري بقيادة عدنان مخلوف بالاستعداد لمواجهة رفعت في حال بدأ معركته ضد أخيه حافظ في العاصمة.

وخلال نهاية أبريل (نيسان) 1984 أدرك رفعت أن الكفة مالت لمصلحة أخيه، فوافق على شروطه، وضمت سرايا الدفاع إلى الجيش وأصبحت تشكل الفرقة الرابعة بقيادة باسل ابن حافظ الأسد، واختار رفعت منفاه بداية داخل موسكو، مع الحصول على 200 مليون دولار قُدمت له من قبل الزعيم الليبي معمر القذافي، الذي سعى لحل الإشكال بين الأخوين.

الحراك السياسي

عاد رفعت في زيارة إلى سوريا بعد وفاة والدته عام 1992 بناءً على طلبها قبل وفاتها، واستمر في منفاه بالعمل في منصب نائب الرئيس للشؤون الأمنية وعضو القيادة القطرية "نظرياً" حتى عام 1999، لحمايته من أية ملاحقات قانونية.

 

 

وأسس رفعت عام 1999 قناة أطلق عليها اسم شبكة الأخبار العربية، وانتهجت مسار المعارضة لسياسة نظام "البعث" الحاكم، وأدارها ولداه سوار وريبال واستمرت في بثها باللغة الإنجليزية حتى عام 2009، وباللغة العربية حتى عام 2014.

وخلال عام 2018 تقدم رفعت الأسد وأولاده بطلب للحصول على الجنسية البريطانية، ورُفض بسبب قرابتهم ببشار الأسد، وقدم رفعت وعائلته طعناً بقرار محكمة الهجرة، ولكن لجنة الاستئناف رفضته.

ومع بداية الثورة السورية خلال مارس 2011، دعا رفعت ابن أخيه بشار إلى التنحي قائلاً إنه لا يمكن الاستمرار في إراقة الدماء داخل سوريا، وصرح ضمن لقاء تلفزيوني بأن وقت الحوار مع النظام انتهى، ولا بد من تغيير النظام.

واستمر رفعت في موقفه المعارض لحكم بشار حتى ظهوره خلال مايو (أيار) 2021 داخل سفارة نظام الأسد لدى باريس، وهو يدلي بصوته في "الانتخابات" الرئاسية، وبعث لاحقاً برقية تهنئة لبشار بمناسبة إعادة "انتخابه".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير