ملخص
الرابح الأول هو الشعب السوري كون الاتفاق يحقن دماء المقاتلين والمدنيين من جميع الأطراف، ويوحد الصف السوري. وينعكس اندماج "قسد" بصورة مباشرة على اقتصاد البلاد بعد سيطرة الدولة على موارد مهمة مثل النفط والغاز، أما الخاسرون فأولهم إيران التي كانت تحاول رسم نفوذ جديد لها داخل مناطق سيطرة "قسد"، وكذلك يخسر فلول النظام السابق جبهة كانت تساعدهم في مواجهة الحكومة، أما الخاسر الأخير فهم الجماعات المسلحة التابعة لحكمت الهجري في السويداء، وسط أمل بتسوية سلمية تعيد السويداء إلى كنف الدولة السورية، مما يعزز السلم الأهلي.
مع نهاية عام 2025، انتهى الموعد النهائي الذي حُدد بين الحكومة السورية و"قسد"، الخاص بمهلة تطبيق اتفاق الـ10 من مارس (آذار)، بيد أنه وعلى رغم مرور تسعة أشهر على الاتفاق لم يتم تنفيذ أي من بنوده في ظل مناوشات بين حين وآخر يشهدها الطرفان، واحتقان شعبي متزايد في الجزيرة السورية ذات الغالبية العربية التي كانت تسيطر عليها "قسد"، وهي المنطقة الأغنى في سوريا من حيث الموارد الباطنية مثل النفط والغاز، إضافة إلى كونها السلة الغذائية للبلاد.
مع مطلع عام 2026 بدأت الصورة تنعكس جذرياً، فما كان يحكى بالسياسية بات يحكمه الميدان والنار، وبدأت الشرارة الأولى من مدينة حلب، حيث شنَّ الجيش السوري عملية سريعة استمرت ثلاثة أيام تمكنت خلالها من إنهاء وجود "قسد" في حلب، إلا أن الملف لم يتنه عند هذا الحد، فاستمرت العمليات العسكرية باتجاه محافظة الرقة، لينحسر وجودها في الضفة الشرقية لنهر الفرات.
مع فجر الـ18 من يناير (كانون الثاني) الجاري تحركت القبائل العربية داخل محافظتي الرقة ودير الزور، وتمكنت خلال ساعات قليلة من إخراج "قسد" من المحافظتين، تلاه دخول الجيش السوري إلى المنطقة، ولا تزال الاشتباكات والتقدم للقوات الحكومية مستمرين حتى لحظة إعداد هذا التقرير.
التغيير في الميدان أسفر عن خطوات سياسية متسارعة وجهود مكثفة بذلها توم براك المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى سوريا، واستطاعت وساطة براك التوصل إلى اتفاق تسوية شامل يتضمن الدمج الكامل لـ"قسد" في الدولة السورية، وهو اتفاق أعلنه الرئيس السوري أحمد الشرع بصورة رسمية.
الاندماج الكامل
بنود اتفاق الاندماج تتضمن وقف إطلاق نار شاملاً وفورياً على كل الجبهات بين قوات الدولة السورية و"قسد"، ودمج المؤسسات المدنية في الحسكة مع مؤسسات الدولة السورية بالكامل، وتسليم الحكومة السيطرة الكاملة على حقول النفط والغاز داخل المناطق الشرقية، مما يعني عودة موارد الطاقة إلى خزانة الدولة، ودمج عناصر "قسد" بصورة فردية داخل وزارة الدفاع السورية بعد التقييم الأمني، مع الحفاظ على خصوصية المناطق ذات الغالبية الكردية، وتعيين محافظ في الحسكة بمرسوم رئاسي يمثل الدولة المركزية وانسحاب السلاح الثقيل من بعض المناطق وتشكيل قوة أمنية محلية تحت إشراف وزارة الداخلية، والتزام الدولة السورية بمكافحة تنظيم "داعش" الإرهابي وإدارة السجون والمخيمات المرتبطة به، والتزام "قسد" بإخراج عناصر حزب العمال الكردستاني من الأراضي السورية.
المواطن السوري الرابح الأول
لاقى هذا الاتفاق ترحيباً عربياً ودولياً واسع النطاق، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، من المستفيدون والخاسرون من هكذا اتفاق؟
الصحافي السوري أسامة الأحمد أوضح أن "الرابح الأول بلا شك هو المواطن السوري الذي عانى ويلات الحرب، وبعيداً من التحريض الواسع على وسائل التواصل الاجتماعي لا يوجد هناك طرف منتصر سوى الشعب السوري، وهذا ما أشار إليه الرئيس الشرع، وبالفعل شهدنا احتفالات واسعة داخل كل المدن السورية، لدرجة أن كثراً اعتبروا ما جرى ثاني أهم حدث بعد سقوط نظام الأسد (الرئيس المخلوع بشار الأسد) نهاية عام 2024، ومن شأن هذا الاتفاق إذا طُبق أن ينهي حال عدم الاستقرار في الجزيرة السورية وتثبيت الأمن والاستقرار داخل مناطق كانت مسرحاً للصراع بين ’قسد‘ والجيش السوري، وكذلك تحسين الخدمات الأساس وعودة مؤسسات الدولة المدنية، ويخفض معدلات النزوح واللجوء نتيجة عودة الأمان، مما ينعش الأمل في عودة النازحين إلى مناطقهم، فضلاً عن تعزيز الوحدة الوطنية بوضع نهاية للتقسيمات الفعلية على الأرض. كل هذه النتائج تأتي في صالح المواطن السوري الذي عانى كثيراً الانقسام والاقتتال المحلي، وتفتح المجال أمام عملية إعادة الإعمار التي طال انتظارها".
الاقتصاد السوري ودولة المركزية
ورأى الأحمد أن "من أهم مكاسب الاتفاق عودة الموارد الطبيعية للدولة، إذ إن مناطق شمال شرقي سوريا غنية بحقول النفط والغاز، وبعودة السيطرة على هذه الموارد إلى الدولة من المتوقع أن تتحسن إيرادات الخزانة العامة، مما يؤثر إيجاباً على الاقتصاد الكلي وإعادة تشغيل القطاعات المنتجة داخل هذه المناطق، مما يساعد في تقليل معدلات البطالة وتعزيز الاستثمار المحلي والأجنبي في مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية، كما أن السيطرة على موارد النفط والغاز ودمجها ضمن سيطرة الدولة يزيد من فرص الاستقرار الاقتصادي الطويل الأمد".
الزخم السياسي
وأكد الصحافي السوري أن "هذا الاتفاق السياسي ينهي حال العزلة التي وقفت حائلاً دون جهود حقيقية لإعادة إعمار البنية التحتية المدمرة، إذ إن التهدئة السياسية المتحققة من شأنها أن تجذب دولاً مانحة ومنظمات دولية مستعدة للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار بشرط وجود استقرار، وكذلك تسهم في جذب الخبرات الفنية للمشاركة في إعادة تشغيل المصانع والمرافق الحيوية، وعودة الثقة بين المواطن والدولة، مع ضمان مشاركة مكونات المجتمع في العملية السياسية، بمعنى آخر الاتفاق يمثل فرصة لبناء نموذج لإدارة ما بعد الحرب تقوم على التكامل بين مختلف مكونات الدولة السورية بدلاً من الاستقطاب والاقتتال".
إيران أول الخاسرين
على رغم خسارة نفوذها كاملاً في سوريا بسقوط نظام الأسد، أعلنت إيران منذ تلك الأيام عداءها لسوريا الجديدة، ودعا المرشد الإيراني علي خامنئي عبر منصة "إكس" الشباب السوريين لما وصفه بـ"المقاومة"، وعلى رغم مشكلاتها الداخلية لم تتردد إيران في محاولات العودة إلى سوريا عبر بوابة مختلفة، أبرزها دعم فلول النظام السابق ضمن تحركاتهم العسكرية التي تهدف إلى زعزعة استقرار سوريا الجديدة.
الباحث السياسي الكردي علي تمي قال من ناحيته، "الاتفاق الجديد نص على إخراج عناصر حزب العمال الكردستاني من سوريا، وهو ما يعد بوابة أخرى كانت إيران تعمل على استخدامها في مناكفة الدولة السورية، فضلاً عن ذلك كله يسهم هذا الاتفاق في تقليص طرق التهريب التي يستخدمها الحرس الثوري الإيراني في إرسال الأسلحة إلى الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران، وسيطرة الدولة السورية على منطقة مفتوحة وواسعة من شأنه أن يعزز الحدود السورية مع كل من تركيا والعراق".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الأمل الذي تحطم
وأكد الصحافي الكردي أن "’قسد‘ كانت أحد المستفيدين من سقوط نظام الأسد، وهذا لا يقتصر عليها خصوصاً بل على الأكراد السوريين بصورة عامة، وتجلى ذلك في المرسوم التشريعي الذي أصدره الشرع قبل أيام، الذي ينص على منح الجنسية السورية لجميع الأكراد السوريين ومنحهم كامل الحقوق والامتيازات شأنهم في ذلك شأن أي مواطن سوري، بل وزاد بإعلان الـ21 من مارس من كل عام عطلة رسمية في الدولة بمناسبة عيد النيروز، وعلى رغم أن ’قسد‘ كانت مستفيدة من سقوط نظام الأسد فإنها استقبلت في مناطق سيطرتها عدداً من فلوله بهدف استعمالهم كورقة ضغط في المفاوضات مع دمشق، ومن جانب آخر كان بعض المسلحين في الساحل السوري يعبرون علناً عن تنسيقهم مع ’قسد‘، أما الحدث الأبرز فهو استضافة رئيس ما يسمى المجلس الأعلى للعلويين في سوريا والمهجر الشيخ غزال غزال ضمن مؤتمر عقدته ’قسد‘ في محافظة الحسكة الصيف الماضي، ويعد غزال من أبرز الشخصيات الدينية التي كانت موالية بشدة للنظام السابق، إلا أن الاتفاق الجديد بين ’قسد‘ ودمشق ينص على عدم إيواء ’قسد‘ عناصر وضباط النظام السابق".
الهجري الخاسر الثالث
في غالب تصريحات الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في سوريا حكمت الهجري يتهم الحكومة السورية بأنها "تحارب الأقليات"، ويركز بصورة أساس على الأحداث التي جرت داخل الساحل خلال مارس 2025، ويدعو لفتح معبر بين السويداء والمناطق التي كانت تسيطر عليها "قسد"، لكن الصحافي السوري عبدالله مسلم قال من ناحيته "بالاتفاق الذي ينص على اندماج ’قسد‘ لم يعد هناك سبيل لأي تعاون أو تواصل بين ’قسد‘ والهجري، مما يعني أن يبقى الجزء الذي يسيطر عليه الهجري في السويداء هو الجزء الوحيد الذي يقع خارج سيطرة الجيش السوري، في حين يأمل السوريون أن يسهم اندماج ’قسد‘ في تغير الموقف داخل السويداء وإجراء تسوية مشابهة تؤدي إلى إصلاح ما أفسدته المواجهات، ويؤدي إلى توحيد الصف السوري بصورة أكبر".
تحديات أمام تنفيذ الاتفاق
وسط هذه الأجواء، نشر المبعوث الأميركي توم براك بياناً مطولاً عبر حسابه الرسمي على منصة "إكس" أعلن فيه نهاية الدور العسكري لـ"قسد"، مؤكداً أن "أعظم فرصة للأكراد هي الاندماج في الدولة السورية المركزية بقيادة الرئيس أحمد الشرع"، وهو ما اعتبر أول تخلٍ أميركي علني عن "قسد" كتنظيم مع ضمان حقوق الأكراد كمواطنين سوريين، هذا التصريح قد يدفعها للالتزام هذه المرة بالاتفاق وتنفيذه بالكامل إلا أن العائق الوحيد هو ما جاء على لسان الشرع بأن قيادتها منقسمة على ذاتها، وتتلقى كثيراً من قراراتها من قيادات حزب العمال الكردستاني في قنديل، إلا أن وجود الضامن الأميركي هذه المرة قد يجبر قيادة "قسد" على اتخاذ قرارها بنفسها بما يتوافق والرؤية الإقليمية والدولية لسوريا واحدة بجيش واحد وعلم واحد، وفق ما كرره مرات عدة براك.