ملخص
فجر انسحاب المنتخب السنغالي في نهائي كأس أمم أفريقيا أزمة غير مسبوقة، كاشفاً عن هشاشة اللوائح أمام الاحتجاجات، ومهدداً شرعية التتويج، بينما يستعد المغرب لمعركة قانونية قد تعيد رسم مستقبل البطولات القارية.
كانت تلك الحالة الأضخم في تاريخ كرة القدم لسيناريو "أخذ الكرة والانسحاب". على مدار 16 دقيقة استثنائية من الانسحاب، أدخل المدرب بابي ثياو والمنتخب السنغالي نسخة 2025 من كأس أمم أفريقيا في خانة العار، لكن السمية لم تتوقف عند هذا الحد، إذ ستكون الخطوات التالية كاشفة لمستقبل البطولة، وربما لكرة القدم الدولية ككل.
المشاعر السائدة عقب واحدة من أكثر النهائيات القارية إثارة للجدل يمكن تصورها على أنها كانت شعوراً صارخاً بالظلم. وهو الإحساس الذي فجر احتجاج "أسود التيرانغا"، بعدما رأوا أن قراراً من حكم نظام الفيديو المساعد كان على وشك حرمانهم من لقب أفريقي ثانٍ. وكانت موجة الإحباط التي ترافق مثل هذه القرارات القاسية مألوفة تماماً لجماهير كرة القدم، ولذلك، في اللحظة التي أشار فيها الحكم جان جاك نادالا إلى نقطة الجزاء، كان هناك تعاطف مع السنغال. لكنه لم يدم طويلاً.
احتجاج غير مسبوق بأوامر المدرب
القول إن تصرفات ثياو اللاحقة كانت مبالغاً فيها هو تقليل فادح من حجم ما حدث. فلم يسبق، في حقبة نظام حكم الفيديو المساعد أن ذهب فريق إلى هذا الحد في الاحتجاج على قرار تحكيمي، على الأقل في هذا المستوى من اللعبة. وبأوامر من مدربهم، انتقل أصحاب القمصان الخضراء من محاصرة الحكم، إلى التباطؤ عند خط التماس، ثم إلى الاختفاء بالكامل. حسناً، ليس بالكامل.
لولا تحدي النجم ساديو ماني، الذي كان مصمماً بصورة واضحة على استئناف اللعب، وربما منح ذلك نادالا دافعاً لتأجيل أي قرار بإنهاء المباراة، لكان انسحاب السنغال قد أشعل تطوراً أكثر صدمة على أكبر مسرح كروي في أفريقيا، إذ كان من الممكن واقعياً أن ينتهي نهائي كأس أمم أفريقيا باعتبار أحد الفريقين منسحباً. ووفقاً لنص اللوائح، كان ينبغي أن يحدث ذلك.
لوائح "كاف" والعقوبات المحتملة
وبحسب لوائح كأس أمم أفريقيا، إذا "رفض فريق اللعب أو غادر الملعب قبل النهاية الرسمية للمباراة من دون إذن الحكم"، فإنه يعد خاسراً وتمنح النتيجة تلقائياً لمنافسه بثلاثة أهداف دون مقابل، وفقاً للمادتين الـ82 والـ84. ويدعم ذلك أيضاً النظام الرسمي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم (كاف) في شأن الانسحاب من المباريات (المادة 148)، الذي يعتبر أن أي فريق "يرفض خوض مباراة أو استكمال مباراة بدأت" يخسر اللقاء ويعاقب بغرامة لا تقل عن 20 ألف دولار.
العقوبات المالية ستكون على الأرجح الحد الأدنى مما ينتظر السنغال، بعدما دان "كاف" حتى الآن "السلوك غير المقبول" وأعلن أنه سيراجع لقطات نهائي كأس أمم أفريقيا تمهيداً لإجراءات تأديبية، لكن المغرب سيطالب بأكثر من ذلك. فـ"أسود الأطلس" هم الآن الطرف الذي يرزح تحت وطأة الظلم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اضطر المغرب للانتظار تحت أمطار الرباط المتزايد، بينما كانت نوبة غضب السنغال تتكشف، وهي التي بلغت ذروتها في لحظة بؤس إبراهيم دياز. والآن يجد المغاربة أنفسهم محبطين، بعدما تبدد حلمهم في إحراز أول لقب أفريقي منذ 50 عاماً، فيما توجت السنغال بطلة، ولو بالاسم فقط.
تداعيات غير مسبوقة
والآن تبدأ تداعيات واحدة من أكثر ليالي كرة القدم فوضوية، حيث تجد الهيئات الحاكمة نفسها أمام قرار مصيري. وقد أكد الاتحاد الملكي المغربي لكرة القدم نيته اللجوء إلى المسار القانوني لدى "كاف" و"فيفا" للطعن في انسحاب السنغال. لقد بدأت معركة المطالبة بالإنصاف.
وقد تواصلت "اندبندنت" مع "فيفا" للاستفسار عن سوابق مماثلة، لكن الاتحاد الدولي لم يتمكن من تقديم أي مثال. وبالتالي، يقع على عاتق قادة اللعبة ومشرعيها وضع سابقة. وفي عام يشهد إقامة كأس العالم، يجب أن تكون السابقة الصحيحة.
وقال رئيس "فيفا" جياني إنفانتينو في بيان أولي "من غير المقبول مغادرة أرضية الملعب بهذه الطريقة، وبالمثل، لا يمكن التسامح مع العنف في رياضتنا، فهذا ببساطة غير صحيح"، مشيراً إلى أن أي خطوات لاحقة يجب أن تكون رادعة لأي حالات مشابهة في المستقبل.
وأضاف "يجب دائماً احترام القرارات التي يتخذها حكام المباراة داخل الملعب وخارجه. وعلى الفرق أن تتنافس داخل الملعب وضمن قوانين اللعبة، لأن أي شيء أقل من ذلك يضع جوهر كرة القدم ذاته في خطر".
"المشاهد القبيحة التي شهدناها اليوم يجب إدانتها وألا تتكرر أبداً. وقد أكدت أنها لا مكان لها في كرة القدم، وأتوقع أن تتخذ الهيئات التأديبية المختصة في (كاف) الإجراءات المناسبة".
هل تخسر السنغال لقبها؟
سيكون هناك من يجادل بضرورة تجريد السنغال من اللقب، نظراً لأن تصرفاتها، وفقاً لدليل لوائح "كاف" نفسه، تشكل أسباباً كافية لاعتبارها خاسرة للنهائي. ومثل هذا القرار سيكون بطبيعة الحال مثيراً للجدل بشدة، لكنه ربما يكون مبرراً لمنع تكرار مثل هذا المشهد العبثي على هذا المستوى مرة أخرى.
لكن بطبيعة الحال، سيكون للسنغال دفاعها، إذ سيجادلون بأنهم لم يرفضوا اللعب بصورة كاملة، إذ أوقفوا المباراة موقتاً لكنهم عادوا في نهاية المطاف لاستكمالها، وهو ما قد يمنع "كاف" و"فيفا" من اتخاذ أقصى العقوبات. وقد تثار اتهامات بالمحاباة لصالح الدولة المضيفة المغرب، وهي اتهامات رفضها المدرب وليد الركراكي بحزم، وقد غذتها قرارات مثيرة للجدل في الوقت بدل الضائع جاءت ضد السنغال.
ببساطة، يجب الآن مراجعة اللوائح لتحديد ما الذي يعد تخلياً عن المباراة. كم من الوقت يتعين على فريق أن يرفض اللعب حتى يعتبر منسحباً؟ ومتى يتحول الاحتجاج إلى تجاهل كامل للقواعد؟
من نظريات المؤامرة إلى استحقاق العقاب، لا يزال هناك الكثير مما لم يحك بعد في هذه القصة. في الوقت الراهن، لدينا الإدانة فقط. وهذا لن يكون كافياً.
© The Independent