ملخص
التحول بدأ فعلياً عام 2021، حين قرر فيليب خزام، حفيد عزرا لاوي، مع اثنين من أقاربه إعادة فتح الملف قانونياً بعدما اطلع على القيمة التقديرية للعقار في بغداد، وتبين له أنها قد تبلغ ملايين الدولارات على رغم أعوام الاضطراب.
تشهد المحكمة الإدارية في باريس نزاعاً قضائياً يتعلق بمبنى تشغله سفارة فرنسا لدى بغداد منذ أكثر من ستة عقود، بعدما طالب ورثة عائلة يهودية - عراقية الدولة الفرنسية بدفع ما بين 21 و33 مليون دولار بدل إيجارات متراكمة وتعويضات معنوية. الدعوى، التي رفعت في مايو (أيار) 2024، وتبعها طلب إجراء مستعجل مطلع عام 2025، يستند إلى أن العقار كان منزل العائلة قبل هجرتها القسرية من العراق مطلع خمسينيات القرن الماضي، وأن فرنسا واصلت استخدامه مقراً دبلوماسياً على رغم توقف دفع الإيجارات منذ سبعينيات القرن الـ20.
عقد الإيجار وتوقف المدفوعات
وتشير وثائق اطلعت عليها وكالة "الصحافة الفرنسية" إلى أن أول عقد إيجار وقع عام 1964 ودخل حيز التنفيذ عام 1965، وأن المدفوعات انقطعت لاحقاً مع انتقال التعامل إلى السلطات العراقية استناداً إلى تشريعات صادرت ممتلكات اليهود الذين غادروا البلاد. في المقابل، تؤكد الخارجية الفرنسية أنها كثفت اتصالاتها الدبلوماسية منذ عام 2021 لمعالجة الملف، مع إقرارها برفض أي مسار تعويض أو وساطة خلال عام 2024، وامتناعها عن التعليق على النزاع القضائي الجاري.
يقع المبنى الذي يرفرف فوقه العلم الفرنسي اليوم على ضفاف نهر دجلة، وكان في الأصل منزلاً شيد عام 1935 لعائلة لاوي، إحدى العائلات اليهودية المعروفة في بغداد آنذاك. مالكا المنزل، الشقيقان عزرا وخدوري لاوي، كانا من رجال الأعمال الأثرياء، إذ امتلكا امتياز وكالة شركة "جنرال موتورز" في منطقة من الشرق الأوسط، ويعيشان مع عائلتيهما في العقار الذي تحيط به حدائق ونخيل ونوافير مياه.
غادر الشقيقان العراق عام 1951 تحت ضغط سياسات تأميم ممتلكات اليهود وتجريدهم من الجنسية، وانتقلا إلى مونتريال في كندا. وعلى رغم الهجرة، بقي العقار مسجلاً ضمن ممتلكاتهما، وتولت رعايته جهة كانت قيمة عليه. وفي عام 1964، وقع سفير فرنسا في بغداد أول عقد إيجار مع الشقيقين لاوي، على أن يبدأ سريانه عام 1965، ليستخدم المنزل مقراً للسفارة الفرنسية.
تقول العائلة في تصريحاتها، إن فرنسا واصلت دفع الإيجار لها بصورة غير معلنة حتى عام 1974، حتى بعد وصول حزب "البعث" إلى السلطة عام 1968، في وقت كانت باريس تدفع مبالغ موازية إلى خزانة الدولة العراقية. وتذكر العائلة أن هذه المدفوعات توقفت بصورة مفاجئة عام 1974، وأن التفسير الوحيد الذي تلقاه عزرا لاوي آنذاك هو أن السلطات العراقية وضعت المبنى تحت الحجز.
في المقابل، تقول وزارة الخارجية الفرنسية، إن إبرام عقود لاحقة مع السلطات العراقية جاء نتيجة تجريد المالكين الأصليين من ممتلكاتهم، بموجب تشريعات عراقية استهدفت اليهود الذين غادروا البلاد. وتؤكد أن تعاملها مع الحكومة العراقية استند إلى الإطار القانوني المحلي الساري في تلك المرحلة، وأن حجز الممتلكات للدول هو شأن عراقي وليس لفرنسا علاقة به.
لماذا عاد الملف إلى الواجهة الآن؟
ظل الملف لأعوام طويلة خارج التداول العام، على رغم توقف الإيجارات منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي ووجود مراسلات موثقة بعث بها أحد المالكين الأصليين في عامي 1975 و1977 للمطالبة بتسديد المستحقات. بعد ذلك دخل النزاع في مرحلة جمود امتدت لعقود، من دون أن يترجم إلى مسار قانوني واضح أو تسوية رسمية.
التحول بدأ فعلياً عام 2021، حين قرر فيليب خزام، حفيد عزرا لاوي، مع اثنين من أقاربه إعادة فتح الملف قانونياً بعدما اطلع على القيمة التقديرية للعقار في بغداد، وتبين له أنها قد تبلغ ملايين الدولارات على رغم أعوام الاضطراب. في مقابلات صحافية لاحقة، قال خزام إن القناعة التي دفعته للتحرك لم تعد محصورة في مسألة ملكية أو عائد مالي، وإنما في ما يراه مسألة حقوق وإنصاف متأخر.
في العام نفسه، استعانت العائلة بالمحامي الفرنسي جان بيير ميغنار، الذي قال إن ما لفت انتباهه منذ البداية هو غموض سلوك المؤسسات الفرنسية في هذا الملف وغياب واضح لمعالجة حقوق المالكين على رغم مرور عقود على توقف الإيجارات.
بعد ثلاثة أعوام من مراسلات ومحاولات غير مثمرة، انتقلت القضية إلى القضاء. ففي مايو 2024 رفعت الدعوى الأساسية أمام المحكمة الإدارية في باريس، تلتها في فبراير (شباط) 2025 مطالبة بإجراء مستعجل للحصول على دفعة تعويض موقتة، بهدف كسر الجمود الذي لازم الملف لعقود طويلة.
كيف تبرر باريس موقفها؟
التاريخيين من ممتلكاتهم، وأن انتقال الإدارة الفرنسية في المقابل، ولمواجهة تحرك العائلة قضائياً، قدمت الحكومة الفرنسية روايتها عبر أكثر من رد رسمي. ففي رد منشور ضمن سؤال برلماني في مجلس الشيوخ الفرنسي، أوضحت وزارة أوروبا والشؤون الخارجية أن المبنى الذي يضم سفارتها لدى بغداد خضع في الأصل لتشريعات عراقية جردت المالكين، والتعامل مع السلطات العراقية جاء في إطار هذا الواقع القانوني القائم آنذاك. الوزارة أكدت أنها كثفت اتصالاتها مع الجانب العراقي منذ عام 2021 لمعالجة الملف، مع إقرارها برفض أي فكرة تعويض أو وساطة خلال عام 2024، استناداً إلى مبدأ دستوري يمنع الدولة من منح تعويضات مالية خارج إطار قانوني محدد.
النقاش لم يبق في الإطار التنفيذي فقط. السيناتورة صوفي بريانت غييمونت وجهت سؤالاً رسمياً إلى وزير أوروبا والشؤون الخارجية، تناولت فيه ما يعرف بقضية "بيت لاوي"، معتبرة أن فرنسا تقع تحت موضع مساءلة مباشرة في ملف ظل عالقاً لعقود. وأشارت في سؤالها إلى أن المنزل شيد على ضفاف دجلة لعائلة لاوي، وأنه صودر في ستينيات القرن الماضي ضمن موجة مصادرة طاولت غالبية ممتلكات اليهود في العراق، قبل أن يتحول إلى مقر دائم للسفارة الفرنسية لأكثر من 60 عاماً. السيناتورة لفتت إلى مطالبة الورثة بتعويضات عن تجميد ممتلكاتهم والإيجارات غير المسددة منذ سبعينيات القرن الماضي، وسألت الحكومة عن طبيعة الخطوات الدبلوماسية التي اتخذت تجاه بغداد، وعن إمكان إعادة فتح النقاش للوصول إلى تسوية عادلة لقضية طال أمدها.
15 يوماً قبل القرار
دخل النزاع مرحلة قضائية علنية في الـ19 من يناير (كانون الثاني) الجاري مع انعقاد أول جلسة أمام المحكمة الإدارية في باريس، اليوم الإثنين، للنظر في ملف مبنى السفارة الفرنسية لدى بغداد. خلال الجلسة، أعلن المقرر القضائي توصيته برفض طلب ورثة المالكين، ورأى أن المحكمة غير متخصصة لأن النزاع يخضع للقانون العراقي. هذا التوجه انسجم مع الدفوع التي قدمتها وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية في مذكرتها، على رغم غياب ممثل عنها داخل الجلسة. ووفق ما نقلته التغطيات، فمن المنتظر أن تصدر المحكمة قرارها خلال 15 يوماً، مما يجعل مسألة الاختصاص القضائي نقطة الحسم الأولى قبل الدخول في تفاصيل المطالبات المالية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في المقابل، دفع محامي الورثة جان بيير ميغنار باتجاه تحميل الدولة الفرنسية مسؤولية استمرار إشغال عقار تعرض للمصادرة، وقال بعد خروجه من الجلسة، إن الجمهورية الفرنسية تشغل مبنى ليس مملوكاً لها، وإن القضية تتجاوز خلافاً تعاقدياً وتلامس مسؤولية قانونية وأخلاقية أوسع.
رسالة مفتوحة إلى ماكرون
وقبل وصول الملف إلى قاعة المحكمة، حاولت العائلة نقل القضية إلى مستوى سياسي أعلى. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وجه الورثة رسالة مفتوحة إلى الرئيس إيمانويل ماكرون دعوه فيها إلى التدخل المباشر لإيجاد تسوية، ولفتوا إلى أن استمرار النزاع يسيء إلى صورة الدولة الفرنسية، ويبقي ملفاً قديماً من دون معالجة. هذه الخطوة أضافت بعداً سياسياً إلى مسار كان يتجه بثبات نحو القضاء، وربطت النزاع بمطلب تعويض قضائي وضغط علني على أعلى سلطة تنفيذية في فرنسا.
وحتى الآن، لم تصدر عن سفارة فرنسا لدى بغداد إفادة مستقلة حول النزاع، فيما اكتفت وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية بإبلاغ وسائل إعلام بأنها تمتنع عن التعليق على إجراء قضائي جار. وعلى الضفة العراقية، لا يظهر في المصادر العلنية المتداولة تصريح رسمي مباشر يشرح موقف بغداد من القضية أو يحدد الجهة التي تعد نفسها صاحبة الحق في تقاضي الإيجار، بينما ترد الإشارة إلى السلطات العراقية فقط ضمن رواية الخارجية الفرنسية التي تقول إنها أبرمت لاحقاً عقوداً مع الدولة العراقية بعد تشريعات جردت المالكين الأصليين من ممتلكاتهم.