ملخص
مع عودة التواصل السياسي والدبلوماسي بين دمشق وبرلين، عاد ملف اللاجئين السوريين إلى الواجهة من جديد. وبينما تتزايد الضغوط الداخلية في ألمانيا بفعل صعود اليمين وتشدد سياسات الهجرة، تبرز تساؤلات جدية حول مستقبل السوريين المقيمين هناك، وإمكانية عودتهم الطوعية، ودور ألمانيا في دعم استقرار سوريا الجديدة وإعادة إعمارها.
منذ الساعات الأولى لسقوط نظام بشار الأسد خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، سارعت ألمانيا إلى الترحيب بما وصفته بـ"التحول التاريخي" في سوريا، مؤكدة دعمها لمسار الانتقال السياسي وبناء الدولة، ومعلنة استعدادها للانخراط ضمن مرحلة جديدة من العلاقات مع دمشق. ولم يقتصر هذا الانفتاح على التصريحات، بل تُرجم عملياً عبر تحركات دبلوماسية متسارعة، كان أبرزها زيارة وزيرة الخارجية الألمانية السابقة أنالينا بيربوك إلى دمشق، في خطوة عكست رغبة برلين في لعب دور فاعل داخل سوريا الجديدة، سياسياً وإنسانياً واقتصادياً.
خلال الأشهر التي تلت التغيير السياسي التاريخي في سوريا، كثفت ألمانيا تنسيقها مع الشركاء الأوروبيين لإعادة صياغة مقاربتها تجاه دمشق، فدعمت رفع مستوى التواصل الدبلوماسي وشاركت في بلورة مواقف أوروبية أكثر براغماتية، تقوم على دعم الاستقرار ومنع عودة الفوضى وتهيئة الظروف لعملية إعادة الإعمار. كذلك واصلت برلين تقديم المساعدات الإنسانية للسوريين داخل البلاد وخارجها، مع التركيز على مشاريع التعافي المبكر وإعادة تأهيل البنى الخدمية الأساس. وضمن هذا السياق، برز ملف اللاجئين السوريين في ألمانيا كأحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات الثنائية، بسبب أعداد السوريين الكبيرة أولاً، والتحولات السياسية الداخلية التي تشهدها ألمانيا ثانياً، مع صعود اليمين الشعبوي وتزايد الأصوات المطالبة بتشديد سياسات الهجرة وإعادة النظر في مفهوم "الدول الآمنة".
2015 موجة اللجوء الكبرى
بدأ الحضور السوري الكثيف في ألمانيا مع موجة اللجوء الكبرى عامي 2015 و2016، حين فتحت برلين أبوابها أمام مئات الآلاف من الفارين من الحرب في سوريا، في واحدة من أكبر عمليات استقبال اللاجئين في تاريخ أوروبا الحديث. غير أن الوجود السوري في ألمانيا يسبق تلك المرحلة، وتضم البلاد جالية سورية أقدم تشمل طلاباً ومعارضين سياسيين ولاجئين قدموا منذ الثمانينيات والتسعينيات. ومع تصاعد الحرب السورية، تحولت الجالية السورية إلى الأكبر بين الجنسيات اللاجئة في ألمانيا، حيث يزيد عدد السوريين اليوم على 900 ألف شخص يتوزعون على مختلف الولايات الألمانية وفق سياسات توزيع اعتمدتها الحكومة، تراعي الكثافة السكانية والقدرة الاقتصادية لكل ولاية.
خلال الأعوام الماضية تمكن جزء كبير من السوريين من الاندماج في سوق العمل والتعليم، وبرز حضورهم ضمن قطاعات حيوية من الصناعة والخدمات إلى الصحة والتعليم. وفي المقابل، لا يزال آخرون يواجهون تحديات تتعلق باللغة والاعتراف بالشهادات والوضع الاقتصادي، إضافة إلى صعوبات اجتماعية ونفسية تراكمت بفعل أعوام اللجوء. وعلى رغم ترحيب برلين في عهد أنجيلا ميركل باللاجئين فإنه خلال الأعوام الأخيرة شهدت ملفات الهجرة تحولاً ملحوظاً مع صعود قوى اليمين الشعبوي والمتطرف في عموم القارة الأوروبية، وتزايد الخطاب المناهض للهجرة، فانعكس هذا التحول في تشديد قوانين اللجوء وتسريع إجراءات الترحيل في بعض الحالات، وفتح نقاش واسع حول إعادة اللاجئين وتصنيف دولهم الأصلية على أنها "آمنة". ومع سقوط نظام الأسد، دخل هذا النقاش مرحلة جديدة، إذ باتت سوريا حاضرة بقوة في السجال السياسي والإعلامي الألماني، بين من يرى أن الظروف لم تنضج بعد لعودة واسعة، ومن يعد أن التغيير السياسي يفرض إعادة تقييم شاملة لسياسات اللجوء، لكن الواقع يشير إلى أن مسألة العودة أكثر تعقيداً من مجرد قرار سياسي أو تفاهم دبلوماسي، فالعودة، وفق القانون الدولي يجب أن تكون طوعية وآمنة وكريمة، وهو ما يتطلب توافر شروط متعددة في مقدمها الاستقرار الأمني وإعادة الإعمار وتوفير فرص العمل وضمان الخدمات الأساس، وهذه أمور يقول سوريون إنها لم تبدأ بعد. فعلى رغم التحسن السياسي الواضح في سوريا لا تزال آثار الحرب حاضرة بقوة في البنية التحتية والاقتصاد، مما يجعل العودة خياراً غير مطروح على المدى القريب لكثير من السوريين، ولا سيما أولئك الذين بنوا حياة مستقرة داخل ألمانيا، أو أنجبوا أطفالاً يحمل بعضهم الجنسية الألمانية.
بين البقاء والعودة
تشير المعطيات إلى انقسام السوريين في ألمانيا إلى شرائح مختلفة في نظرتها للمستقبل. فهناك شريحة واسعة، خصوصاً من الشباب والطلاب وأصحاب المهن، باتت مرتبطة بألمانيا اجتماعياً واقتصادياً، ولا تنظر إلى العودة بوصفها خياراً قريباً، حتى مع تحسن الأوضاع في سوريا، بالنسبة إلى هؤلاء قد يقتصر دورهم على المساهمة في إعادة الإعمار عبر الاستثمارات أو نقل الخبرات، أو دعم عائلاتهم في الداخل. في المقابل توجد شريحة أخرى، ولا سيما من كبار السن، أو من لم ينجحوا في الاندماج، تتابع التطورات السياسية في سوريا باهتمام، وتنتظر أية ضمانات حقيقية قد تشجعها على العودة. بالنسبة إلى هذه الفئة يمكن أن يشكل أي إطار تعاون سوري – ألماني، مدعوم أوروبياً، حافزاً جدياً لاتخاذ قرار العودة، شريطة أن يكون طوعياً وغير قسري. ومن المرجح أن يتركز الدور الألماني خلال المرحلة المقبلة على دعم نماذج مثل "العودة الطوعية المدعومة"، التي تشمل حوافز مالية وضمانات قانونية ومشاريع إسكان وفرص عمل، بالتوازي مع آليات أوروبية لمراقبة تنفيذ هذه البرامج وضمان احترام المعايير الإنسانية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
محطة جديدة في العلاقات الثنائية
الصحافي السوري الألماني جوان رمو يقول ضمن حديث خاص إن "العلاقات السورية - الألمانية تدخل اليوم مرحلة جديدة، تقوم على الواقعية السياسية والمصالح المتبادلة، بعد أعوام من القطيعة والتردد"، ويضيف أن "ملف اللاجئين سيكون في صلب هذا المسار، خصوصاً في ظل الضغوط الداخلية المتزايدة داخل ألمانيا والتغيرات السياسية والأمنية في سوريا". ويشير رمو إلى أن "بدء الحديث الرسمي الألماني عن الترحيل وتصنيف بعض المناطق على أنها أكثر أمناً، يعكسان تحولاً تدريجاً في المقاربة، حتى وإن كان لا يزال حذراً ومحدوداً"، لافتاً إلى أن "أحزاباً مثل ’الخضر‘ و’اليسار‘ لا تزال تتحفظ على أية خطوات متسارعة، لكن هذا التحفظ مرشح للتراجع إذا واصلت دمشق تحقيق تقدم ملموس على الأرض".
انتصار الواقعية السياسية
من جهته، يرى الباحث في العلوم السياسية إيهاب بدوي أن "الانفتاح الألماني على سوريا الجديدة يعكس انتصار الواقعية السياسية وسقوط الرهانات على استمرار عزل دمشق"، معتبراً أن برلين باتت تدرك أن "استقرار سوريا هو مفتاح أساس لضبط الهجرة ومكافحة الإرهاب ومنع عودة الفوضى إلى المنطقة".
ويضيف بدوي أن "الدور الألماني مرشح للتوسع في ملفات التعافي المبكر وإعادة الإعمار وبناء المؤسسات، مما يجعل برلين شريكاً محورياً خلال المرحلة المقبلة"، مشيراً إلى أن "هذا التحول يبعث رسائل واضحة إلى الداخل السوري، وإلى الأطراف التي لا تزال تراهن على الانقسام أو الفوضى".
إعادة تعريف اللجوء
وبحسب بدوي، فإن "التحولات الجارية ستؤدي تدريجاً إلى إعادة تعريف وضع السوريين في ألمانيا، من قضية لجوء إنسانية إلى ملف علاقات ثنائية وإجراءات قانونية"، موضحاً أن "الحديث المتزايد عن المناطق الآمنة والعودة الطوعية يعد مؤشراً إلى هذا التحول". ويختم بالقول إن "سوريا الجديدة تسعى إلى استعادة أبنائها وكفاءاتها ضمن إطار يحفظ السيادة والقانون، ويغلق ملف اللجوء الذي استخدم طويلاً كورقة ضغط سياسية، ليصبح جزءاً من مسار التعافي الوطني وإعادة بناء الدولة".