Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الواقع الصحي في سوريا... احتضار متسارع

قتل أفراد الطواقم الطبية ليس حادثة مجردة بعينها بل هو استمرار لنهج طويل بدأ مع الحرب السورية عام 2011

أطباء تحدثوا عن تلقيهم تهديدات تتعلق بطبيعة عملهم نفسها (اندبندنت عربية)

ملخص

قد يبدو قياس موازين الخسارة سهلاً في سجلات المشافي، أو أوامر التوظيف، أو ما هو أهم بعدما أقدمت السلطات الجديدة على فصل آلاف العاملين بالمجال الصحي على أسس مناطقية، القياس الحقيقي يبدأ وينتهي في فهم الخطر المحدق والتمثل بفقدان ما بقي من خبرات ومعرفة ضمن منظومة غير متكاملة أساساً، ورأس المال البشري هذا لا يمكن تعويضه في أعوام قليلة مقبلة، وذلك يعني بالضرورة أن المريض العادي سيدفع أثماناً باهظة في أي رحلة علاج مهما بدت بسيطة.

عشية الثامن من يناير (كانون الثاني) الجاري انتهت نوبة عمل اعتيادية لخمسة من الكوادر الصحية في مستشفى "الكندي" بمدينة حمص، خلال خروجها من المستشفى كان بانتظارها مسلحون ملثمون على دراجات نارية قاموا بإردائهم قتلى على الفور، جميع الضحايا من الطائفة العلوية، ومجدداً اشتعلت حمص حزناً واستغراباً لهول واحدة من سلسلة فجائع يومية لم تعرف التوقف منذ سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.

الضحايا خرجوا من مكان طبي يفترض أنه بأسوأ الأحوال محمي، محايد، لا يجوز استهدافه، تكفل سلامة العاملين به كل المواثيق والتشريعات المحلية والأممية، وبدل أن يكون المستشفى مكاناً للعلاج صار مكاناً للموت، موت العاملين فيه، ولذا، لم تكن الحادثة مجرد أمر أمني عادي يمكن أن يمرّ لأنه ترك خلفه باب تساؤلات مفتوحاً أولها يتعلق بحماية الطبيب والممرض والفني، وتحديداً أن هذه الحادثة تأتي في سياق متصل ومستمر منذ مجازر مارس (آذار) الماضي في الساحل، والتي قتل فيها كثير من الأطباء، ومن يومها لم تتوقف حالات استهداف الأطباء والكوادر الصحية.

 

تصاعد الوتيرة

يمكن قراءة ملف استهداف الجسم الطبي بصورة فعلية منذ أحداث مارس في الساحل، الأهالي في بانياس مثلاً قدموا روايات تتعلق بسؤالهم عن عناوين سكن الأطباء الذين تم قتل كثير منهم حينها، أسرة واحدة هناك قدمت خمسة أطباء وصيادلة قتلى، منذ ذلك المشهد وحتى اليوم يبدو وكأن شيئاً انكسر في نقطة الإحساس بالأمان العام، تحديداً بما يمثله الصحيون من خصوصية في المجتمع بعيداً من الصراعات والتداخلات السياسية والعنفية المباشرة، إذ يفترض، وهذا يحصل فعلياً، أن الطبيب لا يسأل المريض عن طائفته قبل علاجه، الموضوع يرتبط بأخلاق المهنة عينها، وهو ما يصنفها في أقصى الحياد الآمن كما يجب أن يكون.

عملياً في سوريا اليوم ليست هناك خطوط تفصل بين المدني والمقاتل، الهوية الطائفية تطغى وتسيطر "ما بدأ كظواهر فردية في استهداف الأطباء تحول بالتدريج إلى نمط أشبه بالمنظم، مما دفع العاملين بالمجال الصحي إلى إعادة حساباتهم المهنية"، أقلّه هذا ما قاله لنا الطبيب رائد عزام في حمص الذي بات يخشى حتى الوجود في عيادته.

أطباء تحدثوا لـ"اندبندنت عربية" عن تلقيهم تهديدات تتعلق بطبيعة عملهم نفسها، بعضها وصل للاعتداء بالضرب أو البنادق حتى، وفي حالات أخرى أجبروا بالقوة على علاج حالات تحت التهديد على رغم استعصاء علاجها، فضلاً عن منع مجموعات مسلحة منظمة أو غير منظمة الناس التبرع بالدم، عدا عن كل من قتل من الكوادر الطبية، وما خلفه ذلك في نفوس الباقين من خوف.

المقدم المتقاعد محسن عبدالنور قال "استهداف كوادر الكندي الأخير لا يعتبر خروجاً عن نهج التصعيد اليومي، لأن الاستهداف لم يقع في سياق اشتباكات مفتوحة أو مناطق عسكرية، إنما وقع في أشد أحياء حمص هدوءاً، والخطر في الأمر ضمان الجناة إفلاتهم من العقاب، مما يعني أن مفهوم الأمن نفسه لم يتبلور بعد، على رغم أن هول الحدث أجبر السلطات على البحث في خلفيات الأمر، لكن ماذا نقول، الجميع يعرف الضحية والجاني، والجاني هنا لا يمثل طائفة أو عشيرة، بل يمثل نهجاً إقصائياً ثأرياً دموياً يسعى إلى ضمان استمرار التفلت".

أدهم شدود ممرض متطوع قال "الآن الرحلة إلى المستشفى، أي مستشفى، خصوصاً ليلاً لحالة إسعافية أو ما شابه هي بمثابة اختبار مطلق للخطر والفراغ الأمني في شوارع مظلمة وفارغة وسط البلاد، في كل دقيقة، على الطريق، قبل الوصول، أثناء الدخول، خلال ممارسة العمل، بعد الخروج، كلها لحظات خوف من رصاصة قادمة، مدن ليست بأمان، ونحن لسنا كذلك، السلطات مع توليها الحكم مشطت أحياء محددة في حمص وصادرت أسلحتها فيما تركت ثلثي المدينة بسلاحها الكامل في أيدي المدنيين، هنا لبّ المشكلة".

خسائر من حقبة إلى حقبة

قتل أفراد الطواقم الطبية اليوم ليس حادثة مجردة بعينها، بل هو استمرار لنهج طويل بدأ مع الحرب السورية عام 2011، والتي ترافقت كل أعوامها مع نزف هائل للقطاع الصحي، وخلالها قتلت واعتقلت واختطفت وهاجرت أعداد يصعب حصرها من الجسم الطبي، الآلاف وأكثر.

في أعوام الحرب السابقة خرج خيرة أطباء سوريا إلى المهاجر البعيدة ممن ظلوا أحياء، إحداهنّ اليوم مديرة مستشفى عالمي في الإمارات، وآخر يكرمه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وثالث يحصل على وسام الدولة في أوروبا، وكثر منهم أثبتوا براعة مذهلة في عملهم، ومعها التمسوا طريق النجاة والمستقبل الحقيقي الآمن استقراراً وسلامة وضمانة مادية، بيد أن هذا الوضع أدى إلى إغلاق أقسام طبية كاملة في سوريا، وصار العمل يقوم على البدائل المتاحة والطواقم الناقصة، ليس جديداً القول إن آلاف العمليات الجراحية المعقدة أجريت من دون طبيب تخدير، كثيراً ما كان يستعان بفني تخدير، هذا لو وجد، ومن أجل ذلك عمليات جراحية كثيرة كانت تؤجل أيضاً.

لمى نور طبيبة سورية تقيم في فرنسا الآن، وصلت هناك بحدود عام 2013 هاربة من الصراع الدامي، تقول "هجرة هذا الكم من الأطباء جعل ذاكرة المهنة نفسها في ضياع، أسوأ ما في هجرتنا أنها جعلت جيلين يهاجران تزامناً، الأطباء الأساتذة القدامى وهم المعلمون والمنارة، والأطباء الخريجون الجدد الذين كان يفترض أن تكون على عاتقهم إعادة تقويم النظام الصحي ما بعد الحرب، لكنها الحرب، ومعها البلد، وكلاهما لا يريداننا".

آفة التكرار

السؤال الأهم الآن لماذا عادت سوريا لتحوم في دائرة الفلتان الأمني بعد إسقاط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد؟ ولماذا الكوادر الصحية هي هدف مباشر؟ في الحرب السابقة انتهت مفاهيم خطوط التماس، فصارت المشافي عينها هدفاً مباشراً لأطراف الصراع، مشافٍ بأكملها هدمت على رؤوس العاملين داخلها، ولكن اليوم لا حرب عسكرية بالمعنى الفعلي والمجازي، كل المرافق الصحية تحت وصاية السلطة السورية، فلماذا يعود إرث العنف ليتكرر؟

سؤال يجيب عنه طبيب الأمراض الجلدية أحمد نصر المقيم في السعودية حالياً بقوله "أي خطأ حصل في الأمس ولم تجرَ مراجعة أسبابه سيعود ليتكرر مستقبلاً، أنا غادرت سوريا في أبريل (نيسان) الماضي، غادرت لأنني تيقنت أنه بعد مجازر الساحل لن تكون هناك محاسبة فعلية، وكوني طبيباً لست محمياً أكثر من الذين قتلوا من زملائنا وهم كثر، أيقنت تماماً أن أسباب الردع صارت منتفية، ودخلنا في نفق من الفراغ الأمني والقانوني والأهلي والأخلاقي، الأمر ببساطة كان مرتبطاً لدي بألا أموت بعد كل أعوام العمل والدراسة تلك، وأن أجد مستقبلي في مكان آخر يحترمني كإنسان قبل أي شيء".

من ناحيته، يبحث الممرض واصل وهبة عن أي طريقة للسفر خارج سوريا، انطلاقاً من رؤيته أن تغير السلطة والأشخاص لم يعكس أسلوباً واضحاً في حماية كوادر البلد، "ما زلت حيّاً، وغيري كثر، لأن ذلك حصل بالصدفة فقط، لم نجتهد من أجله سوى بتدابير السلامة الأساسية، فالعنف اليوم لم ينتهِ بل أصبح أكثر رسوخاً، في الأمس كنا نعرف عدونا، اليوم لا نعرفه، وبالمناسبة أنا معتقل سابق، وخلال الحرب السابقة كنا نعرف قصف النظام وقصف المعارضة ونعرف المكان الآمن من غيره، لكن اليوم كل مكان يحمل خطراً، ولو كان على باب القصر الجمهوري".

انهيار خط الدفاع الأخير

بعد 14 عاماً من صبر مرير استثنائي وقاسٍ مرّ على الكوادر الصحية خلال الحرب الماضية وما تعرضوا له من مضايقات وانتهاكات واعتقالات أحياناً، اليوم قسم كبير منهم يقرر المغادرة، هؤلاء كثيراً ما راهنوا أن نهاية الصراع ستكون بداية صفحة جديدة لتاريخ سوريا ومستقبل مهنتهم وحياتهم، الخروج الآن يمثل نهاية طريق الحلم والرهان المهني على إمكان الاستمرار.

في هذا السياق أشارت الصيدلانية لميس كنعان إلى أن ما من مجلس طبي يجتمع فيه عدد من الكوادر الصحية يخلو من الحديث عن الهجرة، حتى بات الأمر يبدو حلماً وطوق نجاة أخيراً من واقع مرير يرتبط بأشياء عدة، منها تردي الدخل، سوء المعاملة، التصرفات التعسفية بحقهم، الإهانات خلال أداء مهامهم، تحكم أشخاص قادمين من محافظات أخرى بآليات عملهم من دون خلفيات مسبقة، والأهم هو تهديد أرواحهم.

أضافت "مساحاتنا النفسية تقلصت حتى كادت تنعدم، لا مجال الآن للبدء من جديد في رحلة التكيف مع واقع انتظرناه لحظة بلحظة، صمودنا بالأمس كان لقطاف ثمار اليوم، لكن تلك الثمار كانت ذابلة في النهاية".

من وجهة نظر أستاذ جامعي سابق في علم التشريح الطبي فإن هذه الهجرة المستمرة منذ سقوط نظام الأسد هي الضربة الأخيرة للعمود الفقري للنظام الصحي في سوريا عامة، "اليوم تحديداً نفقد بقايا الخبرات والكفاءات التي كان يمكن الاعتداد بها بعد هجرة من سبقها، وكان يمكن التعويل عليها في تعليم الأجيال اللاحقة، الخسارة هنا ليست في الأفراد، بل في الخبرة، وهذا ما سيكسر آخر خطوط دفاع وزارة الصحة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مخاوف الاندثار

تقترب شيئاً فشيئاً بعض التخصصات الطبية الحيوية من الاندثار والاختفاء الفعلي، وهذه التخصصات أساساً تحتاج إلى أعوام طويلة وكثيرة ومتراكمة لبناء الخبرة والفاعلية، ومن ثم فإن مهمة تعويضها أكثر من شاقة وتحتاج إلى خطط استراتيجية طويلة الأمد وهذا فوق طاقة البلد اليوم.

اليوم حرفياً بات أطباء تخصصات التخدير والطب النفسي والشرعي والجراحات النوعية والجلدية والتجميل واختصاصات أخرى يمكن إحصاء مزاوليها على أصابع اليدين، هذه الاختصاصات بالأساس ليست هامشية، لكنها كانت محدودة، فأي فراغ نسبي متجدد فيها يجعل الأمر فادحاً، إذ يكفي القول مثلاً إن حمص كان فيها فقط ثلاثة أطباء شرعيين خلال الحرب، فما تبقى اليوم من هذه الاختصاصات؟

الافتقار الشديد لهذه التخصصات سرعان ما انعكس على واقع المشافي، عمليات تلغى أو تؤجل لغياب طبيب تخدير، حوادث سير وأحداث جنائية وقضائية وقانونية وما يرتبط بالعدالة يتأخر النظر فيها كثيراً لتأمين طبيب شرعي، وقد تضيع أكثر الأدلة أهمية، العنايات المشددة تعمل بالطاقة الدنيا في الغالب، مرضى يتم تدويرهم بين المحافظات تبعاً لوجود التخصص المطلوب، أطباء لم يراكموا خبرات قد يجرون عمليات تجرّ خلفها ويلات من الأخطاء الفادحة، الطب النفسي وهو أكثر ما يحتاج إليه أي مجتمع خلال حرب يعيشها أو ما بعدها بات شبه منقرض، ومشافٍ تكاد تبدو فارغةً

لينا حسن طبيبة نفسية، كانت من القلة المتبقية في اختصاصها بدمشق، وصلت في سبتمبر (أيلول) الماضي إلى قطر بموجب عقد عمل، تصفه بأن أرباحه السنوية تعادل عملها لبقية حياتها في سوريا، ومع ذلك لا تربط قرار سفرها بالمال وحده، بل بخوفها على نفسها وابنها الصغير، وقالت "الطب النفسي كما بقية الاختصاصات، لا يمكن لحظ اندثارها فجأة، فهي تقع تحت واقع أخطر، وهو التآكل الصامت العاجل، أنا حزينة لأن أهل بلدي بحاجة إلي لمساعدتهم في تجاوز آثار محن الحرب، لكنني حزينة أكثر أنني سافرت لأنني لا أريد الموت برصاصة حاقد قد يقتلني من دون أن يعرف كم بذلت من أعوام في شقاء العلم والمعرفة وكم كنت مستعدة لعلاجه قبل غيره، أمر مؤسف حقاً".

المسؤولية الفعلية

في ظل كل هذه الأحداث، المخاوف، القلق الطبي، وزارة مركزية تتآكل وتتهاوى، لا بد من طرح سؤال، وكيف ومتى يجب أن يكون الطبيب والممرض والفني والإداري خارج دائرة الاستهداف الانتقامي؟ هذه الوظائف تعنى بصورة مباشرة ونهائية بالواقع الإنساني، وتبتعد تماماً عن أي من أشكال العسكرة والصراع، ضمن المفهوم العام للوظيفة عينها، هذا مع استثناء الضباط الأطباء والمتعاقدين من وزارة الصحة مع وزارتي الدفاع والداخلية، هؤلاء يمكن فهم وضعهم أنهم جزء من معادلة الصراع، لكنهم لا يمثلون شيئاً حين الحديث عن جسد طبي يعكس صورة دولة كاملة، فيصير السؤال هنا ليس عن العنف نفسه، ولا حتى إعادة إنتاجه، بل عن دور الدولة - السلطة في منعه، وحماية كوادرها المهمة من مجابهته منفردة ضمن سياق الحفاظ على رأس المال البشري - الصحي كركيزة محورية في معادلة الأهمية المرتبطة بالتعليم والقضاء والصحة خارج الحروب. اليوم توجه انتقادات للسلطة، من قبل كثير من الأطراف، تتهمها بالعجز عن حماية أفراد المجتمع وضمناً كوادر الصحة، وأيضاً للتساهل الواضح والفادح مع مرتكبي الجرائم، إذ يرون أنه في الحال السورية اليوم لا يعقل أن يكون كل أفراد المجتمع من المجرمين، إذاً، لا بد من أنهم أفراد يمكن تتبعهم أمنياً واستخبارياً وشرطياً، ويذهب البعض أبعد من ذلك بادعائه القدرة على التدليل على المجرمين بعينهم، أو في الأقل الأحياء التي يخرجون منها، وفي إطار ذلك يوردون مثالاً أن من تمكّن في ظرف ساعات من كشف منفذي تفجير كنيسة مار الياس بدمشق في يونيو (حزيران) 2025، وتفجير مسجد الإمام علي في حمص خلال الشهر الماضي، وإلقاء القبض عليهم بسرعة فوق قياسية، لن يعجز عن مكافحة ملثمين على دراجات نارية تعبر بين حواجز الأمن من دون سؤال.

البقاء والرحيل

يجد الصحيون أنفسهم اليوم كمن مني بخسارة ثقيلة بعد صمود مرير وطويل، يتعاملون بحذر، يتنقلون بحرص، يحتمون ضمن مجتمعاتهم الضيقة في عيادات باتت نفسها مصدر خطر عليهم، قد يخطفون من الشوارع، يقتلون على أبواب منازلهم، يتعرضون لاعتداءات لفظية وجسدية في المشافي، هناك مئات الحالات التي وثقتها المنظمات الحقوقية المحلية والدولية والمنظمات المعنية بالصحة في هذا السياق.

ماهر اسم مستعار لطبيب في قسم العناية المشددة بأحد مستشفيات اللاذقية، تحدث عن تعرضه لاعتداء جسدي عنيف من قبل ثلاثة مسلحين كانوا يسعفون رفيقاً لهم جراء تعرضه لحادثة مرورية قبل أشهر، وتهمة الطبيب كانت أنه لم يجد سريراً مناسباً لحالته في العناية المشددة وحاول التعامل مع الحالة أولياً ضمن قسم الإسعاف العام بما أتيحت له من أدوات.

أضاف "كانت حال المصاب تسوء تدريجاً، كنت أفعل ما باستطاعتي ويعاونني بعض الممرضين، لكن حرفياً كان لا يوجد أطباء في المستشفى، حاولنا التواصل مع أي أحد متاح، معظمهم اعتذر بسبب مخاوف التنقل مع تأخر الوقت، وآخرون يحتاجون إلى وقت أطول للوصول، ودائماً الوقت ليس في صالح المريض أو المصاب، وعلى أثر ذلك ومن دون أي ذنب، تعرضت لتعنيف شديد وصل حتّى ضربي بشكل مبرح عبر مؤخرات بنادق أولئك الجنود الذين نجهل تبعيتهم أساساً، ومرّ الموضوع من دون محاسبتهم طبعاً، لا أريد تذكر ذلك اليوم لأنه كان آخر يوم في مهنة الطب لي، صيف العام الماضي، ومن وقتها وأنا أبحث عن فرصة سفر".

من جهته، قال طبيب الأمراض القلبية سامي الأحمد بعدما اتخذ قراره النهائي بالرحيل "على الدوام لم تفارق فكرة السفر مخيلتي، لكن تحديداً بعد حادثة الكندي قبل أيام كان قراري النهائي، وبأي ثمن، براً في الغابات، ركوباً في بحر الشتاء، لا تهم الوسيلة، الموت في طريق الرحلة هذه أكثر شرفاً من الموت برصاصة مجهول".

الخسارة الحقيقية

قد يبدو قياس موازين الخسارة سهلاً في سجلات المشافي، أو أوامر التوظيف، أو ما هو أهم بعدما أقدمت السلطات الجديدة على فصل آلاف العاملين بالمجال الصحي على أسس مناطقية، القياس الحقيقي يبدأ وينتهي في فهم الخطر المحدق والتمثل بفقدان ما بقي من خبرات ومعرفة ضمن منظومة غير متكاملة أساساً، ورأس المال البشري هذا لا يمكن تعويضه بأعوام قليلة مقبلة، وذلك يعني بالضرورة أن المريض العادي سيدفع أثماناً باهظة في أي رحلة علاج مهما بدت بسيطة، وإن كان من غير اللائق الحديث عن تفاوت خبرات الأطباء الذين ما زالوا موجودين، لكن موجات الهجرات المتتالية خلقت فجوة في الخبرة نفسها، إذ يروي كثير من المرضى أنهم تلقوا تشخيصات متباينة ومختلفة جداً وأحياناً جذرية للمرض ذاته بين طبيب وآخر. هذا كلّه يزيد العبء والحمل على من أراد البقاء، الذي ليس معلوماً إن كان سيبقى فعلاً، وبالضرورة فإن كل ذلك لا يعني أن سوريا اليوم بلا أطباء تماماً، بل إن تعدادهم تراجع جداً، ونقل الخبرات بين الجيل القديم والجديد كاد يتلاشى، والأخطر هو ما يتعلق بالاختصاصات التي كادت تندثر وبالمنطق الحيوي للمفهوم الصحي المرتبط بأساسات الدولة عينها.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير