Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لحظة مفصلية سينمائية في تاريخ اليونان المعاصر

أنجيلوبولوس في فيلم "رحلة الممثلين" سار في درب موارب لسرد حكاية بلاده عبر صور أخاذة وقاسية

مشهد من فيلم "رحلة الممثلين" (موقع الفيلم)

ملخص

الحال أن أسلوب أنجيلوبولوس الإخراجي في هذا الفيلم يبلغ ذروته من حيث الصرامة والتفرد، ولا سيما عبر اللقطات الطويلة، حيث تتحرك الكاميرا ببطء وكأنها تتأمل لا تراقب، فيما الزمن يبدو معلقاً خارج الإيقاع السينمائي المعتاد، وهي كلها عناصر تفرض على المشاهد نوعاً من المشاركة الفكرية والعاطفية، إذ إن الفيلم لا يشاهد بسهولة وبساطة، بل يُعاش، ويستعاد في الذاكرة بعد انتهائه، كما يستعاد التاريخ نفسه، ولعل أكثر الابتكارات جرأة في الفيلم هي تلك التي تمكنه من التلاعب بالزمن.

عندما رحل ثيو أنجيلوبولوس، السينمائي اليوناني الأشهر خلال الثلث الأخير من القرن الـ20، عن عالمنا عند بدايات عام 2012، وتحدثت عنه صحافة العالم، أجمعت مقالات تلك الصحافة على كون اليونان قد خسرت مبدعاً مهووساً بتاريخها بأكثر مما يفعل أي مبدع آخر بتاريخ بلاده، ولم يكن في هذا التوصيف مبالغة.

فهذا الفنان الذي تكون في فرنسا خلال الستينيات والسبعينيات، أي سنوات الفن والسياسة وقد اجتمعا معاً بشكل لا سابق له في القرن الـ 20، نادراً ما بدا فيلم من أفلامه القليلة التي حققها خلال العقود الفاصلة بين القرنين الـ20 وذاك التالي له، بعيداً من التاريخ، بل التاريخ المسيس لبلاده.

 

ولعل هذا القول ينطبق أول ما ينطبق على واحد من أول أفلامه التي أطلقته في العالم، ونعني به طبعاً "رحلة الممثلين" الذي حققه في عام 1975، مما يعني أن العام الماضي 2025، كان ينبغي أن يشهد نوعاً من الاحتفال بذكرى مرور نصف قرن على ظهور هذا الفيلم المعتبر استثنائياً في تاريخ السينما الأوروبية على أية حال.

ولئن كنا سنعود إلى خلفيات هذا الفيلم بعد سطور نجد أنه لا بد هنا وقبل أي أمر آخر، أن نتوقف عند الفيلم نفسه، وقد وصل إلى شاشات العالم والمهرجانات السينمائية من حيث لم يكن أحد يتوقع، ليضع على تلك الشاشات، وبصراحة مدهشة، تاريخاً كان منسياً لبلد يبدو هو الآخر منسياً على رغم وقوعه في قلب القارة الأكثر صخباً في التاريخ الراهن.

خارج الحكايات التقليدية بشيء من الاختصار يمكن القول إن "رحلة الممثلين" علامة فارقة في تاريخ السينما الأوروبية، فهو، وفي نظر النقاد والمؤرخين، وربما أيضاً الجمهور اليوناني نفسه، والذي لم يقبل على مشاهدة فيلم في تاريخه، بقدر ما أقبل على هذا الفيلم، عمل ملحمي مكثف يتجاوز الحكاية التقليدية ليقدم نفسه على شكل تأملات عميقة بالتالي في التاريخ اليوناني الحديث، وفي علاقة الفرد بالزمن، وفي هشاشة الذاكرة الجماعية أمام العنف السياسي.

بالتالي فإن المخرج هنا لا يقدم فيلماً عن التاريخ بقدر ما يصنع "تاريخاً سينمائياً موازياً يروي أحداثه من خلال أجساد الممثلين وخطواتهم البطيئة عبر الأمكنة" بحسب تعبير النقاد اليونانيين أنفسهم. وتدور أحداث الفيلم بين عامي 1939 و1952 أي خلال الفترة شديدة الاضطراب التي عاشتها اليونان: من ديكتاتورية ميتاكساس (يوانيس ميتاكساس)، إلى الاحتلال النازي، وصولاً إلى الحرب الأهلية، لكن هذه المحطات الكبرى لا تعرض هنا بوصفها وقائع صاخبة أو مشاهد معارك، بل هي تتسلل إلى الفيلم عبر الإشارات والحوارات العابرة، بل حتى من خلال الاختفاء المفاجئ والغامض لعدد من الشخصيات، بالتالي فإن فرقة الممثلين التي تجوب القرى لتقديم مسرحية شعبية عن أسطورة أوريستيس (ميتولوجيا إغريقية)، تتحول في الفيلم إلى مرآة للتاريخ، بل إلى جسد يكتب عليه التاريخ بالقهر والنفي والقتل.

بنية الفيلم العميقة اللافت أن المخرج لا يستخدم الأسطورة الإغريقية في فيلمه بوصفها مادة زخرفية، بل كبنية عميقة للفيلم، إذ إن شخصيات الفرقة تتجابه بشكل غير مباشر مع شخصيات أسطورة أتريوس (شخصية في الأساطير اليونانية)، حيث تسود الخيانة والقتل والانتقام والنفي، بيد أن المأساة هنا لا تعود من صنع الأقدار، بل نتيجة صراعات سياسية وأيديولوجية، ومن هنا تتحول الأسطورة القديمة إلى أداة لفهم الحاضر لا للهرب منه.

والحال أن أسلوب أنجيلوبولوس الإخراجي في هذا الفيلم يبلغ ذروته من حيث الصرامة والتفرد، ولا سيما عبر اللقطات الطويلة، حيث تتحرك الكاميرا ببطء وكأنها تتأمل لا تراقب، فيما الزمن يبدو معلقاً خارج الإيقاع السينمائي المعتاد، وهي كلها عناصر تفرض على المشاهد نوعاً من المشاركة الفكرية والعاطفية، إذ إن الفيلم لا يشاهد بسهولة وبساطة، بل يُعاش، ويستعاد في الذاكرة بعد انتهائه، كما يستعاد التاريخ نفسه، ولعل أكثر الابتكارات جرأة في الفيلم هي تلك التي تمكنه من التلاعب بالزمن. فالانتقالات الزمنية هنا لا تتم عبر القطع أو العناوين التوضيحية، بل داخل اللقطة الواحدة أحياناً، وقد تبدأ مشهداً في الأربعينيات لينتهي في سنوات الـ50 من دون أي إنذار أو حتى تنبيه مسبق.

ومن المؤكد أن هذا "الانزلاق" الزمني لا يهدف لا إلى الإرباك ولا إلى الإبهار، بل لتأكيد أن الماضي لا يريد أن يمضي، وأن الحاضر مثقل دائماً بما سبقه وصنعه، أما الزمن عند أنجيلوبولوس فدائري، بل حتى متراكم، لكنه ليس أبداً زمناً خطياً.

السياسة لا الخطاب السياسي، من الناحية السياسية يبدو الفيلم شديد الوضوح من دون أن يكون خطابياً، وتعاطفه مع اليسار اليوناني واضح، وكذلك نقده للقمع اليميني والديكتاتوري لمرحلة ما بعد الحرب، لكنه في الوقت نفسه يتجنب الشعارات الخطابية، تاركاً للسياسة أن تتجلى في مصائر الأفراد: اعتقال مفاجئ، إعدام خارج الكادر، أم تنتظر ابنها الذي لن يعود...

السياسة هنا ليست خطاباً، بل هي جرح مفتوح في الجسد الاجتماعي يتركه الفيلم غير مندمل، ولعل ما يمكن التوقف عنده في الفيلم أيضاً، حركة الممثلين الذي يتعاملون مع شخصياتهم بنوع من التجرد يكاد يكون بريختياً، فما من انفجارات عاطفية، وما من أداء ميلودرامي، بل حضور صامت مثقل ينسجم تماماً مع رؤية المخرج.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الممثلون في "رحلة الممثلين" سواء كانوا في الفيلم، أو في العمل المسرحي الذي يقدم داخله، ليسوا نجوماً بل هم أقرب إلى أن يكونوا شهوداً على مرارة أزمان تمر في محاذاتهم، وتدور أحياناً من حولهم. ومن هنا القول إن الفيلم ليس عملاً فنياً سهلاً وهو لا يسعى إلى إرضاء متفرجه، أو جذبه بحبكته، إنه "فرجة" تتطلب صبراً وانتباهاً لكنه يعرف في النهاية كيف يكافئ من يمنحه ذلك برؤية سينمائية نادرة: سينما تفكر وتحفر في الذاكرة، وتعيد طرح سؤال أساس سيقول أنجيلوبولوس إنه يطارده ويهجس به خلال مساره الفني كله: كيف يمكن للتاريخ بكل عنفه وخيباته أن يروى من دون أن يخان؟

من المسرح إلى الشاشة... بقي أن نشير أخيراً إلى أن الربط في الفيلم مع مسرحية أوريستيس الإغريقية الشهيرة، ليس مجرد إحالة ثقافية عابرة، بل هو لب الفيلم، فالمخرج يبني فيلمه كله على هذه المسرحية - الأسطورة ولكن بعدما يفرغها من بعدها الميتافيزيقي ليزرعها في تربة التاريخ اليوناني الحديث.

ونعرف حكاية الأسطورة اليونانية القديمة، حيث يقتل أغاممنون على يد زوجته كليتيمنيسترا وعشيقها هيفيستوس، فتقوم إليكترا بتحريض أخيها أوريستيس على قتل الأم انتقاماً للأب ليبدأ بعد ذلك عذاب هذا الأخير ومطاردته قبل أن يسفر الأمر عن محاكمة تؤسس رمزياً لانتقال العدالة من الثأر إلى القانون، وأنجيلوبولوس يستحوذ على هذه البنية لكي يضعها في القرن الـ20 من خلال الفرقة المسرحية التي لا تؤدي على خشبة القرى الأسطورة فحسب، بل تعيشها وحتى من دون أن تعي ذلك أحياناً.

من هنا لا يصبح قتل الأب جريمة عائلية، بل فعلاً سياسياً، والأم تقيم علاقة مع رجل ينتمي إلى السلطة اليمينية الحاكمة بالتالي، وعلى سبيل المثال، لا تعود الخيانة هنا مسألة أخلاقية، بل نوع من التحالف الطبقي - السياسي ما يمكن المخرج من أن يخبرنا كيف أن التاريخ الحديث يعيد إنتاج المأساة الإغريقية ولكن بأدوات أكثر قسوة بالنظر إلى أن العنف لم يعد مقدساً أو قدرياً، بل إداريا ومنظماً.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة