ملخص
كتاب لويد الذي ضم مصورات لبعض أشهر إنجازات الأولى مثل بيت دون تشيني في إيلينويز، ومبنى يونيتي تامبل في شيكاغو، لا يزال يعد إلى اليوم من مآثر المنشورات العمرانية، حتى وإن كانت نسخ طبعته الأولى باتت نادرة مقابل نسخ لا تزال موجودة من طبعات تالية له تبدو أقل فخامة، ومنها الطبعة الأميركية التي لم تلق اهتماماً يوازي ما لقيته الطبعات الأوروبية.
قد لا تكون هذه الملفات في الصورة اليوم، لكنها كانت خلال النصف الأول من القرن الـ20 حاضرة بقوة وبخاصة في اللغة الألمانية، إذ إن الاسم الذي تحمله فاسموث يشير أصلاً إلى ناشر ألماني كان هو من أصدرها، وليس إلى مبدعها الأميركي. أما ما تضمه الملفات فهو في الأصل مجموعة خرائط ولوحات هندسية كان ذلك المبدع قد أنجزها خلال الـ20 عاماً التي سبقت صدور الملفات. وكلها موجودة في مناطق متنوعة من الولايات المتحدة من دون أن يكون من بينها أي عمل تحقق في ألمانيا أو في أوروبا. فما الحكاية؟
ببساطة، خلال العشرية الأولى من القرن الـ20 كانت شهرة فرانك لويد رايت كواحد من كبار عمرانيي الحداثة في العالم، قد طبقت الآفاق بفضل عشرات المشاريع التي أنجزها منذ نهايات القرن الـ19، لكن ودائماً لأن لا مكان لنبي في بلده، كانت السجالات السلبية من حول رايت وأعماله محتدمة في أوساط العمرانيين الأميركيين، فيما كان العالم كله يبجله في الخارج.
فإذا أضفنا إلى هذا، أزمة عاطفية وشخصية ألمت بالرجل عام 1908 فيما كان يقترب من سن الـ50، نفهم إقدامه على السفر إلى أوروبا عازماً على البقاء والعمل فيها، لا سيما متنقلاً بين فيينا وبرلين، عاصمتي كل تجديد فني في العالم ذلك الحين. ولسوف يسره أن يكتشف هناك كم أن مكانته في ذلك التجديد كبيرة وكم أن كبار المبدعين المجددين يعتبرون أنفسهم تلاميذه. وكان من بين أولئك ناشر مقدام يدعى إرنست فاسموث سارع يعرض عليه إصدار كتاب بالغ الفخامة يضم مخطوطات ورسوم مشاريعه العمرانية المنجزة على أن تطبع بالألوان مع شروحات وتقديمات لها. وكان من الطبيعي للويد أن يوافق هو الذي لم يكن أصدر أي كتاب عن عمله من قبل. وهكذا ولد المشروع.
أعوام من العمل النظري
إثر توقيع العقد توجه فرانك لويد رايت إلى بلدة صغيرة قرب فلورنسا الإيطالية (فييسول)، حيث فرد أوراقه وخرائطه التي كان أحضرها معه من دياره، وراح يشتغل عليها طوال أعوام، تحريراً وتنقيحاً لتشكل أساس الكتاب الذي سينشر بعد إنجازه بعامين، والذي عاونه فيه عدد من تلامذته ومساعديه، ليطلع في النهاية تحفة نادرة في عالم النشر، ولتطلع لوحاته وخرائطه (حيث يتألف الكتاب من 78 جدولاً و28 لوحة بديعة مرسومة عرضياً بمقاس 65-41 سم طبعت جميعاً بالأبيض والرمادي والبني والذهبي على ورق بالغ الفخامة رمدي وأبيض، فيما خصت اللوحات بورق حرير شفاف) تحفاً طباعية في حد ذاتها.
هذا الكتاب الذي ضم مصورات لبعض أشهر إنجازات لويد الأولى (من بيت دون تشيني في إيلينويز، إلى مبنى يونيتي تامبل في شيكاغو، ومن مستوطنة كومو أوركارد في مونتانا، إلى منزل ويليام هيث في بوفالو، نيويورك... إلخ)، لا يزال يعد إلى اليوم من مآثر المنشورات العمرانية حتى وإن كانت نسخ طبعته الأولى باتت نادرة مقابل نسخ لا تزال موجودة من طبعات تالية له تبدو أقل فخامة، ومنها الطبعة الأميركية التي لم تلقَ اهتماماً يوازي ما لقيته الطبعات الأوروبية.
إضافة إلى تركيزه على الأبعاد الفنية والجمالية لعمله، حرص لويد رايت في تقديمه للكتاب على الربط بين هذا العمل "الذي يدين كثيراً للفنون النهضوية الإيطالية"، كما يؤكد بنفسه، وبين ما كان يدعو إليه دائماً من تبسيط للفن العمراني والتركيز على الجمال الطبيعي والربط المطلق بين العمران والطبيعة وجعل العمران ديمقراطياً إلى أقصى الحدود. ونعرف أن هذا ما شكل مسعاه طوال حياته وجعل له مكانته الكبرى كعلم من أعلام الهندسة العمرانية في القرن الـ20.
أيقونة عمرانية
ونعرف على أي حال أن اسم فرانك لويد رايت، لم يغب أبداً عن الذكر في أي كتاب يصدر عن الهندسة المعمارية في القرن الجديد ما يُؤمِّن له مكانته الكبرى الدائمة في عالم الهندسة، هو الذي يعد منذ وفاته يوم السادس من أبريل (نيسان) عام 1959، أيقونة أساسية سواء كان ذلك بإنجازاته العملية أو بكتبه التي تقول كثيراً عن الصراعات التي ما توقف عن خوضها.
ومن المعروف أن رايت قد ولد عام 1869 في ريتش لاند سنتر بولاية ويسكونسن الأميركية، وهو أمضى معظم أعوام طفولته في مزرعة. وفي 1884 دخل جامعة ويسكونسن، حيث كان يريد التخصص في الهندسة المعمارية، لكن هذا التخصص لم يكن موجوداً فيها، وهو ما كانت أوضاعه لتمكنه من الانتساب إلى جامعة أخرى، فأمضى أعواماً من حياته يدرس الهندسة التقنية، ثم سئم ذلك كله فتوجه إلى شيكاغو ليبحث عن عمل، وهناك كان من حسن حظه أنه عثر على عمل لدى واحدة من أكبر شركات البناء، مقابل راتب لا يزيد على ثمانية دولارات أسبوعياً. وخلال الأعوام السبعة الأولى التي أمضاها في الشركة تمكن من أن يظهر مواهبه الاستثنائية في مجال الهندسة والتجديد، ما جعله إثر ذلك ينفرد بمكتب وبعمل خاص به.
وسرعان ما بدأ يشتهر بتمرده على أسلوب العمار الفيكتوري وميله إلى التجديد المعتمد على الخطوط الأفقية وعلى النوافذ، وعلى تصميم أبنية ترتبط بالبيئة المجاورة أساساً. وكان من أول إنجازاته المهمة في ذلك الحين تصميمه لمنزل ريفي في مجموعة مساكن فردريك روبي في شيكاغو خلال عام 1909. هنا بدأت الحرب هذه، لكنه جابهها بقوة، بخاصة أن المشاريع راحت تنهال عليه. فهو قبل ذلك كان قد صمم مبنى إدارياً في بوفالو، تميز ببساطته وبكونه أول مبنى إداري يستخدم الأبواب والأثاث المعدنية والتكييف المركزي.
الكلاسيكيون غاضبون
في وقت كانت فيه هذه السمات تستثير غضب المهندسين الكلاسيكيين في الولايات المتحدة، كانت سمعة رايت تكبر وتكبر في الخارج، وكان تأثيره في العمران الأوروبي بدأ يتضح، ثم كان نفاد فندق "إمبريال" من زلزال طوكيو، نقطة الذروة في شهرته، حيث نعرف أنه حين ضرب زلزال هائل العاصمة اليابانية عام 1923 كان ذلك الفندق الذي بناه رايت واحداً من المباني النادرة التي لم تتضرر.
مهما يكن فإن مآسي سنوات الـ20 في الولايات المتحدة عادت وخففت من حدة اندفاعه، بخاصة أن ذلك تواكب مع ثاني حريق أصاب مزرعته الشهيرة التي بناها في سبرينغ غرين بولاية ويسكونسن، فأنفق كل ما لديه من مال في سبيل إعادة بنائها. وهو على أي حال سرعان ما حولها إلى ورشة عمل وضم إليها نحو 50 متدرباً صاروا يشتغلون لديه فيها، ولدى الآخرين انطلاقاً منها، ويدرسون على يديه، وهكذا تمكن من خلق تيار عمراني أساس في طول الولايات المتحدة الأميركية وعرضها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
منذ ذلك الحين، صار لويد أحد أكبر العمرانيين في العالم، والأهم من هذا، أنه صار يعد الأب الشرعي للحداثة العمرانية في الولايات المتحدة، وراحت مبانيه تنشتر في أكثر من 30 ولاية. وعلى رغم التنوع الهائل في تلك الأعمال، فإن ثمة وحدة أساسية تجمع بينها. وحدة تنطلق من تطوير رايت لأساليب بناء جديدة، كان غالباً ما يستخدم فيها مواد جديدة، وأحياناً كتلاً مصنفة سلفاً.
وفي هذا المجال لا يزال تصميمه الكبير لمبنى "مسقط الماء" في بيرران بولاية بنسلفانيا، وهو المقام عام 1936، حتى اليوم أبرز وأهم مبنى في العالم أقيم فوق مسقط مائي. أما أبرز أعماله من ناحية الفعالية والوظائفية فهو مجمع المباني المعروف باسم "بروداكرز" ويعد نموذجاً أساساً لمجمع سكني ريفي.
الأهم سيرته الذاتية
خلال أعوام حياته الأخيرة واصل رايت عمله التجديدي وإن بوتيرة أقل حدة، في الوقت ذاته الذي راح فيه يعد التلامذة في مبنيين أقام أولهما في ويسكونسن، والثاني في ولاية أريزونا. وخلال ذلك كله كان لديه من الوقت ما يكفي لوضع عديد من الكتب في فن المعمار، عدا عن الكتاب الذي نتناوله هنا، أهمها على الإطلاق سيرته الذاتية التي حملت عنوان "وصية" عام 1957، إضافة إلى كتاب وضعه حول مدينة المستقبل بعنوان "مدينة المعيشة" عام 1959.
وبهذين الكتابين تمكن رايت من نقل معركته التجديدية إلى صفوف الرأي العام، من دون أن يتنبه إلى أنه قد كسب هذا الرأي العام منذ زمن بعيد. وحين رحل رايت عن عالمنا كان على وشك إنجاز مبنى متحف "غوغنهايم" في نيويورك، كعديد من المشاريع الأخرى. وهو كان عند موته في الـ90 من عمره لكنه كان لا يزال يتمتع بحيوية استثنائية.