ملخص
قلة القلة إذا تعرف أن كلود نيكولا ليدو حتى وإن كانت مهنته بالفعل الهندسة العمرانية، وحتى وإن كان من منظري التغييرات الجذرية في المجتمعات، فإن مساهمته الأساسية تبقى نظرية محصورة بين دفتي كتاب مرجعي ورائع أصدره في عام 1804 قبل وفاته بعامين
اسمه كلود نيكولا ليدو، ولئن تذكره أحد اليوم، بعد نحو ثلاثة قرون من ولادته (1746) وقرنين وربع القرن من رحيله (1806)، فإن القلة التي تتذكره تنظر إليه عموماً باعتباره عمرانياً كبيراً أسهم في "النهضة العمرانية" التي تلت الثورة الفرنسية، أما قلة القلة من بين المهتمين بالثورة وبالعمران في آن معاً، ناهيك باهتمامهم بأفكار "المدن الفاضلة"، وهو تعبير نستعيره هنا من الفارابي ونعني به مشاريع المدن اليوتوبية التي كان توصيفها يخفي غالباً مشاريع سياسية "خيالية".
قلة القلة إذا تعرف أن ليدو حتى وإن كانت مهنته بالفعل الهندسة العمرانية، وحتى وإن كان من منظري التغييرات الجذرية في المجتمعات، فإن مساهمته الأساسية تبقى نظرية محصورة بين دفتي كتاب مرجعي ورائع أصدره في عام 1804 قبل وفاته بعامين لخص فيه مجمل أحلامه "الثورية" وأفكاره العمرانية، تحت عنوان يشي من ناحيته بواقعية أكيدة: "العمران من وجهة نظر علاقته بالفن والأخلاق والتشريع"، متحسراً في ثنايا نصوصه على كونه قد عجز، وربما بسبب الثورة نفسها عن تحقيق أي من أفكاره بما في ذلك مشروعه النظري الأساسي الذي صممه على أية حال من حول مقالع الملح في منطقة فرانش كونتيه في الشرق الفرنسي، وبخاصة تلك المملوكة للشركة الحكومية في "مصانع آرك وسينان"، وهي المقالع التي كان ليدو عين مديراً عاماً لها بأمر ملكي منذ عام 1771 بعدما كان مفتشاً عاماً لها.
ولا بد من الإشارة منذ الآن إلى أن مشروع ليدو الكبير إنما ارتبط ببنية تلك المصانع كما سنرى بعد سطور، أما هنا فنعود لصاحب العلاقة نفسه.
تكوين بالغ الصلابة
على غرار كبار عمرانيي الزمن الذي عاش فيه، وفي مقدمهم في هذا المجال من لا تزال إنجازاتهم العمرانية قائمة حتى اليوم، من أمثال إتيان لوي بوليه وجان باتيست رونديليه، تلقى ليدو علومه الهندسية في "أكاديمية بلونديل"، تلك المؤسسة التي لا شك أنها أسست باكراً للنهضة العمرانية الباريسية التي سيوحي بها ويقودها البارون هوسمان بعد تلك المرحلة بما يقرب من قرن، لكن خريجيها كانوا لا يزالون في ذلك الحين يتأرجحون بين عمران نيو - كلاسيكي وليد وآخر قوطي يغرب مع ولادة المجتمعات الجديدة.
ولأن ليدو كان حين اندلعت الثورة الفرنسية من أصحاب الفكر اليوتوبي في مهنته، نظر إليه كثر على أنه في فكره من الممهدين للثورة كما حال التنويريين، ولا سيما الموسوعيون منهم الذين مهدوا للثورة من دون أن يكونوا على علم بذلك (!)، وهو كان في الحقيقة ثورياً بالفعل في مجاله، حتى وإن كانت الاضطرابات والفوضى التي صاحبت العقد الأول من عمر الثورة، قد حالت بينه وبين تنفيذ أي مشروع يطبق فيه أفكاره المتلائمة معها التي كان يحملها حتى وهو في خدمة الملك. أما في القرن التالي فكان قد تقاعد عن العمل التنفيذي الفعلي، ومن هنا استبدل الحياة العملية بكتابات نظرية أوصلته إلى ذروة التفكر اليوتوبي عبر كتابه الذي نتحدث عنه، بل لعل في إمكاننا أن نقول إنها أوصلته إلى نوع من حداثة رؤيوية، من دون أن تكون "تقدمية" بالمعنى المتعارف عليه للكلمة، ولا سيما عبر استخدام لمواد في البناء سوف لن تصبح في التداول وفي متناول اليد إلا منذ نهايات القرن الـ19.
نحو رقابة صارمة!
لقد كان من الأمور الطبيعية لليدو، وهو يصيغ أفكاره ومشاريعه في مناطق بعيدة من العاصمة باريس، بل حتى من أي من المدن الكبرى، ويعيش وسط المصانع والمقالع التي كان من مسؤوليها الكبار، من الطبيعي أن تكون تلك المنطقة الصناعية المحور الحقيقي لاهتمامه، من دون أن يبدو عليه أنه مهتم حقاً بمصير العمال والطبقات العاملة عموماً، فهذا أمر سيتركه لغيره من المفكرين الاجتماعيين، أما هو فهمه كان اقتصادياً و"إنسانياً" بحتاً.
كان همه، كما يوضح في كتابه المذكور، أن يخلق نوعاً من وحدة جغرافية تجمع بين أمكنة العمل وأمكنة السكن توفر على العمال والموظفين الملتحقين بمصانع الملح ومقالعها الوقت الذي يستغرقه انتقالهم بين أماكن سكناهم وعائلاتهم وأماكن عملهم، بحث يكون ثمة متسع من الوقت يجري تقاسمه بين الإنتاجية التي ستتحسن، وبين أوقات اللهو والانصراف إلى الاهتمامات العائلية، وجعل المدارس والأسواق جزءاً من مجمعات شاملة في ظل أوضاع كانت وسائل النقل لا تزال فيها بدائية، وتكاد تكون فردية تضيع على العاملين وقتاً ثميناً من حياتهم.
ولعل المهم في الأمر هو الإبقاء على المصانع نائية عن المدن وتخومها، "لاستخدام المساحات المدينية في شؤون أكثر جدوى وإنسانية"، كما يقول ليدو بكل ثقة. بيد أن ما يقوله بثقة أقل، بل في ثنايا نصوصه، يتجه وجهة أخرى أقل إنسانية. وجهة قد يكون من شأنها أن تثير اهتماماً سلبياً من جانب كتاب خيال - سياسي ظهروا بعد زمن طويل من ظهور ليدو، من أمثال جورج أورويل والدوس هاكسلي ويفغيني زامياتين من الذين كان جل همهم واحتجاجاتهم في أدبهم، يتعلق بالرقابة الصارمة على العمال والموظفين وبقية المواطنين في مجتمات تحكمها قوى صارمة لا بد لها لتأبيد سيطرتها على المقدرات والأفكار، من أن تجعل رقابتها صارمة ومتواصلة وعين "الأخ الأكبر" قادرة على الإحاطة حتى بحميمية الناس في حلهم وترحالهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
شفافية مشبوهة؟
لقد أقام ليدو مشروعه النموذجي في دائرة عمرانية كبيرة تتحلق من حول مصانع الملح المرتبطة وسط الدائرة بالمباني الإدارية ودوائر شؤون العمال والموظفين، مما يعني قرب المسافة بين مكان العمل من ناحية، ومن ناحية ثانية أمكنة السكن ودوائر حصر العاملين والموظفين من دون أن يتاح لهم الإفلات من الرقابة. وذلكم هو المهم من الناحية السياسية الذي بالكاد يذكره ليدو كجزء مكمل لمشروعه اليوتوبي - اقرأ: من مدينته الفاضلة - الذي لا يعود يوتوبياً، بل يضحي مشروعاً سياسياً غايته المثلى التحكم في العاملين في كل لحظة ويوم. وبخاصة أن من مزايا الأحياء السكنية المحيطة بمركز الإدارة والتحكم والرقابة أن جدرانها المطلة على الأجزاء الإدارية ينبغي أن تكون شفافة، بحيث ينفتح المشهد الداخلي على الرقابة الخارجية 24 ساعة في اليوم. فهل نتابع هنا لنقول إن "يوتوبية" المشروع ومستقبليته، إنما كانتا تنهلان من هذه الفكرة "الخيالية" بالذات لا من أي بعد آخر من أبعاد المشروع؟
الحقيقة أن ليدو لو أنه عاش بعد جيلين أو ثلاثة أجيال تالية للجيل الذي عاش فيه، لوجد أن ليس به حاجة إلى أن يبدو، في هذا المجال في الأقل، يوتوبياً. فنحن نعرف اليوم، ما لم يكن هو يعرفه ولا يعرفه أهل زمنه. وهو طبعاً أن استخدام الجدران الزجاجية القوية والشفافة في آن معاً سيعم منذ النصف الثاني من القرن الـ19، بحيث يصبح كل مكان للعيش والحياة اليومية منكشفاً أمام الأعين المراقبة، بما في ذلك أماكن العمل، بحيث لن يكون الكسل مسموحاً ولو لدقائق.
ونعرف إضافة إلى ذلك، أن ليدو لو عاش حتى أيامنا هذه لاكتشف أن شفافية الزجاج نفسها لم تعد ضرورية للتمكن من الرقابة المتواصلة بوجود الكاميرت الدقيقة، التي يمكن أن توزع داخل البيوت وصولاً إلى الحمامات وغرف النوم بل حتى، اليوم، إمكانياً في الأقل كيلا نتهم بسوء النية، باتت قادرة على أن تخترق حياتنا من خلال ما هو متناهي في الصغر منها يزرع حتى داخل أجسادنا وفي أي مكان وزمان من دون أن يخطر في بالنا أنه مزروع هناك يحصي علينا ليس فقط ما نقول ونفعل، بل حتى كيف نتنفس، وصولاً إلى قدرته على الحث على إنقاذنا إن كنا وحدنا في غرفنا وألمت بنا وعكة أو مصيبة ما.
مهما يكن من أمر هنا، واضح أننا نتجاوز مقالتنا بمراحل، ولكن أوليس من الأفضل أن نختم حكاية ذلك العمراني الفرنسي الحاذق بنقطة تفاؤل ولو بسيطة، وسط خضم انكشافنا إلى حدود الجنون انكشافاً يتناسب مع مشاريعه، حتى وإن لم يكن ذلك "متعمداً" من جانبه؟