Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العالم يعود إلى تخزين الحبوب والأغذية وسط مخاوف أزمات غير متوقعة

اقتصاديون يحذرون من عدم الثقة في الأسواق ورد الفعل العكسي من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار

مع زيادة عدم الاستقرار في العالم بدأت السويد والنرويج إلى الهند وإندونيسيا، في تكديس كميات كبيرة من الحبوب (أ ف ب)

ملخص

الآن، ومع فقدان الثقة في النظام التجاري العالمي وكثرة الصراعات من أوكرانيا إلى غزة إلى فنزويلا إلى إيران، لم تعد الحكومات تثق في السوق العالمية كمصدر لتأمين الأغذية الأساس، يقول كبير متخصصي الاستعدادات في هيئة إمدادات الطوارئ الوطنية لفنلندا ميكا إيلوماكي، إنه "حين انتهت الحرب الباردة كنا تقريباً البلد الوحيد الذي احتفظ بمثل هذه المخزونات، وذلك لأنه من الصعب معرفة ماذا يمكن أن يحدث".

منذ نهاية الحرب الباردة، بدأت كثير من الدول تفكيك مخزوناتها من الحبوب والأغذية، على اعتبار أن حرية التجارة والسوق المفتوحة كفيلتان بتوفير الحاجات من الأغذية والحبوب، من دون الحاجة إلى تكديسها مخزنة، إلا أنه منذ أزمة وباء كورونا عام 2020 عادت دول كثيرة إلى تكديس الأغذية والحبوب، وتكوين مخزون استراتيجي للطوارئ.

لا يرجع ذلك إلى تعطل الاقتصاد العالمي تقريباً وقت إغلاقات عام 2020، وإنما أيضاً لزيادة تأثير التوترات الجيوسياسية والإجراءات الحمائية السلبية في التجارة العالمية، فضلاً عن توقعات الأزمات المفاجئة وتغيرات المناخ التي تضر بالمحاصيل والغذاء عموماً.

ذلك ما خلص إليه تحقيق مطول نشرته صحيفة "فايننشال تايمز"، تناول أمثلة من دول مختلفة في غرب الكرة الأرضية وشرقها.

إضافة إلى أزمة وباء كورونا، جاءت الحرب في أوكرانيا لتهدد أحد أهم مصادر الحبوب في العالم، ثم هذا العام أطلقت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب حرباً تجارية بفرضها تعريفة جمركية على كل الشركاء التجاريين تقريباً، وزاد ذلك من اضطراب التجارة العالمية واتباع غالب الدول سياسات حمائية مضادة هددت حرية التجارة وإمكانية توفر حاجات الدول من أسواق مفتوحة.

إلا أن عدداً من الاقتصاديين يرون في توجه تكديس الأغذية والحبوب وعودة المخزونات الاستراتيجية خطراً محتملاً، بما يعني نتائج عكسية في الأسواق العالمية، فزيادة الطلب للتخزين ستؤدي إلى عدم كفاية المعروض، بالتالي ارتفاع الأسعار، مما يضر أكثر بالدول النامية والفقيرة، كما أن الدول يمكن أن تستخدم تلك الاحتياطات للتلاعب بأسواق الحبوب والغذاء.

أصل استراتيجي مثل الطاقة

مع زيادة عدم الاستقرار في العالم، بدأت الحكومات، من السويد والنرويج إلى الهند وإندونيسيا، في تكديس كميات كبيرة من الرز والقمح وغيرهما من حبوب الغذاء الأساس، إلى جانب الأطعمة المحفوظة. يشبه ذلك ما حدث في فنلندا بداية القرن الـ18، حين بدأت البلاد تكديس مخزون استراتيجي تحسباً للأزمات غير المتوقعة من حروب ومجاعات ناتجة من تغيرات مناخية.

الآن، ومع فقدان الثقة في النظام التجاري العالمي وكثرة الصراعات من أوكرانيا إلى غزة إلى فنزويلا إلى إيران، لم تعد الحكومات تثق في السوق العالمية كمصدر لتأمين الأغذية الأساس، يقول كبير متخصصي الاستعدادات في هيئة إمدادات الطوارئ الوطنية لفنلندا ميكا إيلوماكي، إنه "حين انتهت الحرب الباردة كنا تقريباً البلد الوحيد الذي احتفظ بمثل هذه المخزونات، وذلك لأنه من الصعب معرفة ماذا يمكن أن يحدث".

لم تعد فنلندا استثناء الآن، فجارتها النرويج تكدس مخزونها من الحبوب والغذاء أيضاً، وكذلك السويد التي بدأت أولى خطوات تكوين مخزون من الحبوب والأغذية ضمن موازنة الدفاع الجديدة، إذ أصبحت الحكومات تخشى الاعتماد على السوق والتجارة العالمية لتوفير ما تحتاج إليه خلال وقت الأزمات، وهكذا بدأت تتعامل مع الغذاء كأصل استراتيجي مثله مثل الطاقة.

إلى ذلك، يرى الاقتصاديون أن التعامل مع الحبوب والغذاء كأصل استراتيجي يتطلب الاحتفاظ بمخزون كبير، يمكن أن يؤدي إلى عمليات شراء واسعة. وهناك خطر الضغط الشديد على الإمدادات العالمية من الحبوب والأغذية، بالتالي ارتفاع الأسعار بصورة صاروخية، كما أن هذا التوجه يتعارض مع التجارة الحرة والسوق المفتوحة، إذ يمكن لمن يخزن كميات كبيرة من المواد الأساس للحياة أن يتلاعب بالأسواق خلال أوقات الأزمات.

إلا أن الحكومات حول العالم تعد مخزون الحبوب والغذاء الاستراتيجي تحوطاً في عالم غير مستقر، ولا يستهدف التلاعب بمعادلة العرض والطلب، فيقول كبير اقتصاديي آسيا في بنك "أتش أس بي سي" فريدريك نيومان، إن "الدول الإسكندنافية تمثل مؤشراً مهماً على الأخطار الجيوسياسية العالمية، ومعنى أنها بدأت في تخزين الحبوب والغذاء أنها تستشعر زيادة في خطر جيوسياسي عالمي"، معتبراً أن "الغذاء قد يكون الضحية الأولى" في تصاعد التوتر الجيوسياسي والسياسات الحمائية الانعزالية.

أخطار متعددة

وكانت أوروبا أوقفت تماماً التدخل الحكومي في سوق الحبوب والأغذية، وذلك طبقاً للسياسة الزراعية المشتركة للاتحاد الأوروبي، وتخلصت دول أوروبا، بما فيها الدول الإسكندنافية، من فكرة تخزين الحبوب والغذاء بعد نهاية الحرب الباردة.

إلا أن تكرار الأزمات من وباء كورونا وتعطل التجارة الدولية وحرب أوكرانيا وتوقف صادرات الحبوب جعل الثقة في السوق الحر تنهار، وضاعف من ذلك سياسة إدارة ترمب بفرض رسوم التعريفة الجمركية العام الماضي، فضلاً عن التغيرات المناخية من جفاف وفيضانات وموجات حرارة هائلة أصبحت أكثر تكراراً ويصعب التنبؤ بها.

تؤدي التغيرات المناخية إلى الإضرار بالمحاصيل، بالتالي نقص المعروض من الحبوب والمواد الغذائية، فيقول نيومان إنه "كانت هناك قواعد وتشريعات في السابق، خصوصاً خلال تسعينيات القرن الماضي ضمن منظمة التجارة العالمية، ومع أنها لم تكن مثالية فإنها وفرت فرصة للدول أنه في حالة أزمة غذاء محلية يمكنها الاعتماد على السوق العالمية، لكن تلك الثقة تراجعت في ظل التشظي الجيوسياسي الحالي".

وأصبح منطق الحكومات الآن أنه على رغم أن السوق العالمية قد تظل فاعلة بصورة ما، فإنه في حالات الأزمات الشديدة والسيناريوهات الأسوأ لا يمكن الاعتماد عليها لتوفير الضرورات الأساس للشعوب، ومن هنا عادت عملية تخزين الحبوب والأغذية كأصل استراتيجي، مثلما يحدث مع مخزونات النفط والغاز.

التخزين في أوروبا

وتعد النرويج من أغنى دول العالم، ويعتمد اقتصادها على التجارة بصورة كبيرة، لكنها بدأت في بناء مخزون استراتيجي للطوارئ من الحبوب للمرة الأولى منذ نهاية الحرب الباردة، وخلال العامين الماضيين 2024 و2025 تعاقدت الحكومة مع القطاع الخاص لتخزين ما يصل إلى 30 ألف طن من القمح، وأكد المسؤولون النرويجيون أن المخزون يستهدف الاستعداد للأزمات الطارئة وليس التدخل في السوق.

أما السويد، فتضمنت موازنتها لهذا العام 2026 تخصيص 575 مليون كورونا (63 مليون دولار) ضمن الاستراتيجية الشاملة للدفاع من أجل إعادة تكوين مخزون استراتيجي من الأغذية، وتقول المسؤولة عن تكوين المخزون في مجلس الزراعة السويدي ساراندا دكا، إن المشروع "هو واحد من أكبر الاستثمارات التي اعتمدناها منذ عام 1950".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكانت السويد بعد انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي عام 1995 بدأت التخلص من مخزون الحبوب والأغذية لديها، وتخلت تماماً عن مسألة التخزين عام 2001، ومثلما تقول دكا، كان ذلك على اعتبار "أننا لن نشهد أية حروب مجدداً في أوروبا، وهكذا بدأ خفض الدفاع السويدي كله، أما الآن فإننا نعيد بناءه".

وتخطط السويد ليس فحسب لبناء مخزون استراتيجي من الحبوب والأغذية، وإنما أيضاً من البذور والأسمدة، إذ تضيف دكا أنه "في حالة الحرب بين روسيا والغرب نتوقع أن تكون الحرب على الحدود المشتركة مع روسيا، مما يجعل فنلندا والدول المطلة على بحر البلطيق ساحة حرب".

تعمل السويد، التي يصل عدد سكانها إلى 10.6 مليون نسمة، على أن يكفي المخزون الاستراتيجي لتوفير ما يعادل 3 آلاف سعر حراري لكل مواطن يومياً لمدة عام، أما فنلندا فتستهدف زيادة المخزون الاستراتيجي من الحبوب مما يكفي ستة أشهر إلى ما يكفي تسعة أشهر وأكثر.

خلال أغسطس (آب) الماضي قال وزير الزراعة الألماني ألويس راينر إن بلاده تراجع احتياطات الطوارئ الغذائية طويلة الأمد، إذ تتضمن مزيداً من الوجبات الجاهزة والأطعمة المعلبة أيضاً، وتنفق ألمانيا ما يصل إلى 25 مليون يورو (29 مليون دولار) سنوياً على مخزون غذاء استراتيجي يصل إلى 100 ألف طن.

الظروف المناخية

وركز تقرير البنك الدولي خلال أبريل (نيسان) 2025 في شأن احتياطات الحبوب الاستراتيجية على أن التغيرات المناخية، خصوصاً في المناطق التي بها توترات سياسية، هي الدافع الأكبر وراء تدخل الحكومات بتخزين الحبوب والأغذية، فعلى سبيل المثال أدت موجات الحرارة وقلة هطول الأمطار في مصر خلال الأعوام الـ10 الأخيرة إلى انخفاض إنتاج البلاد من القمح بصورة كبيرة.

وهكذا أصبحت مصر أكثر اعتماداً على استيراد القمح، وتعد من أكبر مستورديه عالمياً، وزادت مصر سعة التخزين لديها إلى نحو 6 ملايين طن من القمح، باحتياطات تكفي لأكثر من ستة أشهر من الاستهلاك.

وبعدما أضرت الفيضانات بمحصول الرز في بنغلاديش خلال العامين الماضيين، شكلت الحكومة هيئة طوارئ أوصت بتوسيع نطاق المخزون الاستراتيجي ليضم إلى جانب الحبوب الأسمدة ووقود الديزل وزيت الطعام.

بدأت البرازيل في عهد الرئيس الحالي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا إعادة بناء مخزون استراتيجي من الحبوب والغذاء، إذ يقول وزير الزراعة البرازيلي باولو تيكسيرا إن "هدفنا ضمان السيادة الغذائية ومواجهة تذبذب الأسعار، التي تحدث غالباً نتيجة التغيرات المناخية".

وأنفقت الحكومة البرازيلية 100 مليون دولار العام الماضي على تخزين الحبوب والغذاء، خصوصاً من الذرة والرز.

ونتيجة التغيرات المناخية أيضاً، بدأت الهند، وهي أكبر مصدر للرز في العالم، الاحتفاظ بأكبر مخزون من الحبوب في العالم. وبنهاية العام الماضي 2025 كانت احتياطات الحكومة من الرز عند 58 مليون طن، بزيادة بنسبة 12 في المئة على العام السابق، وبدأت الهند سياسة وقف التصدير للرز في حالة ارتفاع الأسعار محلياً لضمان كفاية الطلب المحلي.

أيضاً، اتخذت إندونيسيا مساراً مماثلاً، وبدأت الحكومة زيادة مخزون الاحتياط الاستراتيجي من الرز منذ عام 2024.

وخلال العام الماضي كان مخزون الحكومة من الرز عند 4 ملايين طن، أي ضعف ما كان عليه قبل عام، وتستخدم إندونيسيا، مثل الهند، مخزون الاحتياط الاستراتيجي لضمان توازن الأسعار في السوق المحلية.

اقرأ المزيد